المخابرات في الدانمارك : عقلاء في زمن الجنون

الدانمارك بلد  يأتي في المقدمة في سلسلة كبيرة من الأمور والصفات الإيجابية، فنظامه الاجتماعي التعاضدي هو الأفضل في العالم، ودستوره هو الأكثر ديمقراطية في العالم، ومزاجه الثقافي والنفسي يعرفه الذين يختلطون مع الشعب الدانماركي لسنوات طويلة، فهو مزاج، رغم الميل إلى الإنغلاق، لا يعرف النفاق ولا المجاملة، والحريات الشخصية فيه هي الأوسع في العالم، ونظامه القضائي ما يزال في القمة، ويمكن أن نسجل سلسلة طويلة من الصفات (الإيجابية على الأغلب) التي تأتي فيها الدانمارك في المقدمة.
 

إلى هذه السلسلة يمكننا أن نضيف أمراً عجيباً وغريباً، لا تأتي فيه الدانمارك في المقدمة، بل تنفرد به دون بلدان العالم قاطبةً، فالدانمارك هو البلد الوحيد في العالم الذي يفكر فيه رجال المخابرات بطريقة أفضل وأكثر عقلانية وواقعية وإنسانية من السياسيين! في العالم كله يخطط السياسيون شؤون البلد بعقولهم وخبرتهم ومعرفتهم ونظرتهم الثاقبة، بينما يهتم رجال المخابرات بالجانب الأمني وبالطرق المعهودة البعيدة عن مباديء الديمقراطية وحقوق الإنسان، فلا يمضي يوم إلا ونسمع كيف أن الاستخبارات الأمريكية تتورط، حتى على أرض غير أمريكية، في فظائح القتل والخطف والإعتقال غير المشروع، ونسمع كيف أن المخابرات الفرنسية تعقد عمل السياسيين والمنظمات الإنسانية عندما تدس مثلاً عملاءها في البلدان الأخرى كصحفيين أو غير ذلك. وطبعاً لا مجال هنا للحديث عن دور المخابرات العربية في حياة العرب!! كل ما نستطيع أن نقوله عن تلك المخابرات العربية هو "العياذ بالله"!

أما في الدانمارك فالأمر معكوس، فالسياسيون هم الذي يعقدّون عمل المخابرات، والمخابرات، على ما يبدو، تفهم أكثر من السياسيين، وتحاول جعل السياسيين يفهمون الواقع، لكن بلا جدوى.

قبل أن نذهب إلى جوهر الموضوع لا بد من قول كلمتين حول ظاهرة التعالي التي تسم تفكير وممارسة الكثير من الساسة الدانماركيين. الأولى تتعلق بالسياسة الخارجية، وهنا فإن الساسة الدانماركيين يفتقرون إلى المعرفة والخبرة عن الحياة والواقع والسياسة خارج الدانمارك وذلك لسبب واحد هو أنهم لا يواجهون مشاكل سياسية جدية تتطلب منهم حنكة ومقدرة، فالدانمارك نادراً ما تتصرف لوحدها. إنها تتصرف كجزء من منظومة، حلف الناتو أو الإتحاد الأوروبي، وهذا يغطي على عيوب وجهل الساسة الدانماركيين، الأمر الذي نلمسه في قلة عدد المؤهلين للعب دور مستقل على الساحة الدولية. فمنذ خروج السياسي المحنك أوفه ألمن ينسن من الساحة السياسية - كان وزيراً للخارجية في ثمانينات القرن الماضي، لم تبرز شخصية لامعة في المجال الخارجي. وهذا وحده يفسر لماذا تنجح صحيفة مثل اليولاندس بوستن، وبلا مبرر معقول، في تخريب سمعة الدانمارك في العالم، وتعكير علاقاتها مع شعوب 45 دولة في العالم تضم 1500 مليون إنسان.

والثانية هي أن الوضع السياسي الداخلي في الدانمارك مستقر ومنظم تنظيماً دقيقاً، بحيث أن كل جوانب الحياة - التعليم، الصحة، الطرق، الروضات، المتقاعدين، دور العجزة، وغيرها - تكاد تسير بطريقة ذاتية، والكثير من القضايا لا تتغير بشكل جذري مع تغير التشكيلة السياسية – حتى قضية اللاجئين والمسلمين. وفي هذه الظروف فإن دور السياسي يكاد يكون شكلياً، فهو يعمل ضمن إطار شبه ثابت. وينتج عن هذا أمران خطيران، أولهما أن السياسي له مجال واسع للإنشغال بمصلحته الشخصية المتمثلة بشكل خاص في بقائه في مركزه أو تحسينه، أو حصوله على منصب رفيع في إحدى المنظمات الدولية التي تحتاج إلى تزكية من الأمريكيين والبريطانيين؛ وثانيهما، أن السياسي الدانماركي يكاد يضيع حين تواجهه مسألة سياسية جدية، فلا يجد مناصاً من أن يصبح نمطياً يقلد الذين يكسبون أصواتاً أكثر، فإذا كانت هناك، مثلاً، مشكلة تتعلق بالمسلمين – حجاب، لغة أم، إلخ. -  فإنك تجد أن السياسي الماركسي والاشتراكي يتصرف بنفس طريقة اليميني المتطرف الحاقد. لماذا؟ لأنه يفتقر في الحقيقة إلى نظرة ماركسية إلى الحياة والمجتمع ويرى في الوقت نفسه حزب الشعب الدانماركي يكبر ويتضخم، فيسأل نفسه .. لماذا هم يكبرون ونحن نصغر؟ ويجيب على سؤاله لأن حزب الشعب الدانماركي يعادي المسلمين. والمحصلة: لماذا لا أعادي المسلمين أنا أيضاً وتنتهي المشكلة؟ وتبدأ المزايدات.

هذا هو الواقع الذي جاءت في خضمه تصريحات رئيس مخابرات الشرطة (PET) في الدانمارك في شهر نيسان الماضي، حين حذر من العواقب الوخيمة لاستمرار الإعلام الدانماركي في ربط الإرهاب بالإسلام. وقال رئيس المخابرات أيضاً إن المسلمين العاديين هم أحسن الحلفاء في الحرب ضد الإرهاب، ولهذا فإنه لأمر حاسم أن يشعروا أنهم جزء من المجتمع. وقال أيضاً إن العمل الدعائي يجب يؤكد على ما يجمع باقي المجتمع مع المسلمين، بما في ذلك المسلمين المحافظين الذين يميزون أنفسهم عن الأكثرية، لكنهم لا يمارسون العنف.

كنا نتمنى، ونتوقع أن نسمع مثل هذا الكلام من سياسي يساري مثل السيد سيوَندال. على أية حال، ففي الدانمارك لم نكن في السابق نسمع مثل هذا الكلام العقلاني إلا من أوساط الكنيسة، التي رغم وجود خلافات عقائدية بينها وبين الإسلام فإنها تنطلق من أسس مبدئية لا تقوم على الكسب الرخيص لأصوات الناخبين الذين يضخ الإعلام الدانماركي في رؤوسهم كل الصور المرعبة عن الإسلام. والحمد لله أننا نسمع الآن كلاماً عقلانياً من أوساط المخابرات. يا للمفارقة! المخابرات تفهم أكثر من الماركسيين! وتشجع على موقف عقلاني من المسلمين! سبحان الله؟

 المهم بالنسبة للمسلمين في الدانمارك، هو أن نحترم هذه العقلانية وندعمها ونوفر لها المصداقية، فنحن أول ضحية للإرهاب، سواء أكان إرهاب مخابرات بلداننا الإسلامية، أو إرهاب المتشددين المتحجري العقول بين الإسلاميين، أو الإرهاب الأمريكي والإسرائيلي، أو الإرهاب الذي تمارسه صحيفة اليولاندس بوستن تحت يافطة حرية التعبير. ونحن فعلاً أفضل الحلفاء لمن يريد مكافحة الإرهاب، أولاً لأن الإسلام والإرهاب على طرفي نقيض، وثانياً لأننا جزء من هذا المجتمع ولا يمكننا إلا أن نتصف بالولاء التام له، وثالثاً لأن الإرهاب حين يضرب فإنه يضرب كالأعمى فلا ضمانة لأحد بأنه لن يكون من بين ضحاياه.

 إننا نعرف أن صوت عاقل واحد لا يُسمع كثيراً حين يعلو صوت الإعلام المغرض وصراخ السياسيين الجهلة، ونعرف أن العاقل، لكي يُصلح ما يفسده غيره، قد يُدفَع دفعاً إلى ما لا يتناسب مع كونه عاقلاً. لكن مجرد وجود عاقل في زمن الجنون هو بشرى خير!

المصدر: موقع أخبار الدانمارك

أضف تعليقا

صورة التحقق
هذا السؤال للتأكد من أن المستخدم بشري وليس برنامج
Image CAPTCHA
Enter the characters (without spaces) shown in the image.