جوهر الأخلاق والنشوء والارتقاء - نوال السعداوي

قرأت فى الصحف عن قرار المجلس الأعلى للأزهر بمنع ارتداء النقاب فى مؤسساته التعليمية، وقرار وزارة الصحة ونقابة الصيادلة بمنع بيع غشاء البكارة الصينى فى الأسواق، فهل هناك علاقة بين تغطية النساء بالنقاب وبين التسيب الجنسى أو فساد الأخلاق؟


وإلا كيف تصبح التجارة بأغشية البكارة الصناعية بهذه الضخامة؟ كيف يصبح وجه المرأة عورة إن لمحه الرجال فقدوا عقولهم، وهجروا زوجاتهم المخلصات جريا وراء العذراوات؟ وما بال الشباب الصغار غير المتزوجين، غير القادرين على الزواج، الآلاف أو الملايين، العاطلين بلا أمل إلا الهجرة أو الانتحار أو التحرش بالنساء فى الشوارع أو وسائل المواصلات؟


كنت أحضر مؤتمرا نسائيا دوليا (٧ أكتوبر ٢٠٠٩) فى مدينة «سكوبجى» عاصمة «ما سيدونيا» حين قرأت فى الصحف الأجنبية عن المشكلتين: النقاب والتجارة بغشاء البكارة الصينى فى مصر.


فى الطائرة من سكوبجى إلى اسطنبول جلس إلى جوارى رجل تركى، دار الحوار بيننا حول أحوال تركيا ومصر، كان الرجل مؤيدا لنقاب المرأة، قال: النقاب ليس فريضة لكنه فضيلة، سألته عن العلاقة بين النقاب والفضيلة؟ هرش رأسه وقال: النقاب يحمى المرأة من عيون الرجال فى الشارع، سألته: هل أنت تنظر إلى النساء حين تسير فى الشارع؟


صعد الدم إلى وجهه وأطرق قليلا ثم قال: أنا لا أنظر إلى النساء فى الشارع لكن أغلب الرجال فى تركيا ومصر يفعلون ذلك، سألته: لماذا لا تنظر أنت إلى النساء فى الشارع؟ قال: لأن عندى أخلاق، قلت: يعنى أغلب الرجال فى مصر وتركيا ليس عندهم أخلاق؟


أطرق إلى الأرض وقال بصوت منخفض من تحت الضرس: نعم بكل أسف، قلت: يعنى المشكلة الأساسية هى انعدام أخلاق أغلب الرجال؟ قال: نعم، قلت: المفروض إذن تغطية عيون الرجال غير الأخلاقيين وليس تغطية النساء بالنقاب؟


بقى صامتا ولم يرد حتى غادرت الطائرة، فى القاهرة قرأت تصريحا لبعض رجال الدين يؤيدون ترقيع غشاء البكارة لأن الله أمر بالستر، أستاذة متخصصة فى الإسلام صرحت بأن المكتشفات الطبية مثل عمليات اعادة العذرية أو أغشية البكارة المستوردة الصناعية كلها ليست حراما، لأن الإسلام مع العلم الحديث، ومع الستر أيضا على البنات، ضحايا الاغتصاب فى الحروب أو فى الشوارع ليلا.


لكنى أخالف هذا المنطق الذى يشجع على الكذب، وبالتالى يتناقض مع جوهر الأخلاق، أتخيل نفسى فتاة عروسا فى ليلة الزفاف، فى جسدى غشاء بكارة مستورد صناعى، أرتعد خوفا من انكشاف أمرى، تصبح ليلة الفرح والحب فى حياتى هى ليلة الرعب الأسود، أكذب على زوجى فى أول لقاء حميم فى الفراش، فما بال بعد شهر أو سنة أو سنين؟


ولماذا أتظاهر بالعذرية؟ هل سلامة غشاء البكارة دليل على الأخلاق؟ أليست هناك فتيات مدربات على ممارسة الجنس دون تمزق غشاء البكارة؟


ألا تولد ٢٥ % من البنات دون غشاء، أو بغشاء مطاط لا ينزف دما ليلة الزفاف، أو بغشاء رقيق يتمزق لأسباب لا علاقة لها بالجنس، مثل ركوب الخيل أو الدراجة أو غيرها من الألعاب الرياضية؟


وأتخيل نفسى رجلا يكتشف ليلة الفرح أن فى جسد عروسه غشاء بكارة صناعياً مع خيط جراحة الترقيع، تكررت هذه الحوادث، وأصبحت ظاهرة اجتماعية ناتجة أساسا عن المفهوم الخاطئ لمعنى الشرف، أو الازدواجية الأخلاقية والكيل بمكيالين فى أمور الأخلاق، بل فى كل الأمور الأخرى، الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية على السواء، نحن نعيش فى عالم واحد يحكمه نظام عالمى لا ينفصل عن النظام المحلى، إنها الحضارة الرأسمالية الأبوية الاستعمارية العسكرية المدعمة بالأديان، قائمة على الازدواجية فى كل القيم، من مجلس الأمن فى الأمم المتحدة إلى غرفة النوم والحب بين الجنسين.


نشرت كتابا علميا بعنوان المرأة والجنس منذ أكثر من ستين عاما، كشفت فيه عن الازدواجية الأخلاقية السائدة التى تتنافى مع الأخلاق أو الشرف الحقيقى، فالشرف الحقيقى له مقياس واحد يسرى على الرجال والنساء على حد سواء، يقوم الشرف الحقيقى على سلوك الإنسان اليومى، الصدق والإخلاص والوفاء بالعهد، الكلمة شرف وليس الورقة المختومة، تعلمت هذا المفهوم للشرف من أبى وأمى وجدتى منذ طفولتى.


الكذب والخداع والنفاق والسرقة كلها ضد الأخلاق والشرف، وليس تغطية رأسى بالطرحة أو ترقيع غشاء بكارتى بمشرط الجراح، أو خيانة زوجى فى الخفاء مع رجل آخر، أو قبول خيانة زوجى لى مع امرأة أخرى أو زوجة ثانية، أو الاستسلام للقهر أو الضرب أو الإهانة، أو أن أعيش عالة على زوجى، ينفق علىّ مقابل الطاعة والخضوع.


أول مبدأ فى الأخلاق هو المقياس الواحد الذى يسرى على جميع الناس دون تفرقة على أساس الدين أو الجنس أو الطبقة أو غيرها، إن كان مقياس الشرف للرجال يختلف عن مقياس الشرف للنساء فهذا يعنى غياب جوهر الشرف، والتمسك بالقشور والمظاهر، مثل نزول بضع قطرات دم ليلة الزفاف، وقد تفننت النساء والدايات والبلانات فى تزييف دم العذرية منذ نشوء قيمة العذرية وارتباطها بغشاء البكارة، كما تم الفصل بين غشاء العذرية والشرف فى معظم بلاد العالم، بما فيها بلاد تركب الأفيال، أو بلاد النيام نيام.


وإذا كان هذا الغشاء دليل شرف المرأة فى بلادنا فما الدليل على شرف الرجل؟ وهل يتعلق الشرف بسلوك المرأة الجنسى فقط، هل يتعلق الشرف بالنصف الأسفل من جسد المرأة فقط؟


ألا يتعلق الشرف بسلوك الرجل والمرأة فى كل أمور الحياة، بما فيها التفكير السليم والعقل المبدع، والصدق والإخلاص فى العمل وفى الحب وفى الزواج وكل شىء؟


بدلا من ترقيع غشاء البكارة فى أجساد النساء أليس الأفضل تغيير مفهوم الشرف فى عقول الرجال؟ بدلا من تشجيع الكذب والخداع فى علاقات الحب والزواج أليس الأفضل تشجيع الصدق والصراحة والشجاعة؟


مع تطور الإنسانية تطورت القيم الأخلاقية وتحررت من قيم الأسلاف العبودية، المتعلقة بالدم والنصف الأسفل من جسد المرأة، وليس العقل والذكاء والإبداع والسلوك اليومى، تطور الفكر الإنسانى وشمل الأخلاق وغيرها من أمور الحياة، بما فيها السياسة والاقتصاد والدين والفلسفة والطب والأدب والفن والتاريخ، تغيرت الثوابت كلها بما فيها ثوابت العلوم والتاريخ والأديان، سقطت نظرية دوران الشمس حول الأرض،


فالأرض هى التى تدور حول الشمس، وسقطت نظرية الخلق الواردة فى التوراة، تم اكتشاف هيكل عظمى فى إثيوبيا لامرأة إنسانة عاشت قبل أربعة ملايين سنة ونصف، مما يعتبر تطورا جديدا فى نظرية النشوء والارتقاء، أو علم أصل الأنواع، أصبح عمر الإنسان على كوكب الأرض يزيد على أربعة ملايين سنة، قرأت الخبر العلمى الجديد فى الصحف الأجنبية، باعتباره تطورا مهما فى نظرية النشوء والارتقاء، لكن الإعلام فى بلادنا العربية بما فيه الفضائيات أساء تصوير الكشف العلمى، ظهر على الشاشة رجال الدين المشايخ يعلقون على هذا الاكتشاف العلمى، ما علاقة رجال الدين بمثل هذه الاكتشافات فى مجال علم الفضاء أو علم الكون الجديد؟


هذا العلم الذى أنتج لنا الأدوات الحديثة التى نعتمد عليها فى حياتنا اليومية ومنها الكمبيوتر مثلا، كيف يستخدم المشايخ هذه الأدوات الحديثة من اختراع الملحدين فى الغرب المؤمنين بنظرية تنكر ما جاء فى الكتب السماوية؟


كل شىء فى بلادنا أصبح خاضعا لفكر المشايخ، أفتى بعضهم بأن هذا الاكتشاف الجديد يثبت خطأ نظرية داروين، لم يعرف هؤلاء المشايخ شيئا عن داروين سوى أنه رجل يهودى ملحد، ينكر المعلوم من الدين، ويقول إن الإنسان تطور عن القرود، مما يناقض ما جاء فى كتاب الله، الإنسان خلق من الطين.


تم إنكار الاكتشاف الجديد، تم تغييب العقل فى بلادنا، والمناقشة الجادة لحدث علمى مهم أصبح يشغل العقول فى العالم هذه الأيام الأخيرة، فى إحدى الفضائيات العربية أعلنت طالبة فى المدرسة الثانوية كانت تعد بحثا عن نظرية النشوء والارتقاء، أنها قررت التوقف عن البحث ما دامت النظرية خاطئة ملحدة.


أهناك دليل أكثر من ذلك على تحجيب العقل فى بلادنا تحت اسم الدين؟ ألا يحق لنا النضال لفصل الدين عن الحياة العامة بما فيها العلم والدستور والقانون والتعليم والإعلام؟


المصدر: المصري اليوم

تونس

تعاني نوال السعداوي من مشكلة كبيرة كحال الكاتب السوري فري دوم ايزابل فكلاهما بارعان في الثرثرة حول مشاكل المجتمع و كلاهما عاجزان عن وضع الحلول إلا أن الأخير في كتابه التكوين المغترب الفاشل اقترح حلاً جزرياً و شافياً ألا و هو إبادة أو إفناء التكوين و إعادة خلقه من جديد و استشارة المخلوقات في رغبتها أن تكون أو لا تكون !!! أما السيدة نوال السعداوي و لها كل احترام و تقدير فلم نعرف ما هو البديل لديها فهل تدعو السيدة نوال إلى الفوضى الجنسية مثلاً أم أنها تدعو كصاحبها فري دوم ايزابل في إحدى رواياته إلى طرد كل فتاة تدخل الثانوية و هي تمتلك غشاء بكارة حيث يصفه بقوله ( هذا الغشاء الرقيق هو غطاءٌ كثيف كالذي يغطي دكان المسلمين الأسود يحجب العقل و الحب و النور ) أو أنها تسايره أكثر برأيه إفناء الكون و الارتياح من قضايا الجنس و مشاكله ؟!
أنا لا أمانع مطلقاً أن تتطلع بناتي على كتب الدكتورة نوال على عكس نيتشه و كامل و فري دوم ايزابل و ماركس و غيرهم و غيرهم من الملحدين فعلى الأقل نوال لا تدعو إلى هدم مقدساتنا الاسلامية و تؤمن أن هناك إلهاً في السماء ... و نرجو من الدكتورة نوال أن تميز كتاباتها إيمانياً ليستطيع العامة الفصل بينها و بين من سبق و ذكرت من ملحدين ...

د . محمود شحاتة

you are a great woman ...your

you are a great woman ...your books changed my life...

تحية كبيرة وتسلم تمك يا ست

جوهر الأخلاق والنشوء والارتقاء - نوال السعداوي
حقيقةً مواجهتك للراكب التركي أعجبتني وأضحكتني ومن ثم قهقهتني من حشرك له بالحجة المحكمة
ثم تناولكي لموضوع الشرف والغذرية هام جدا ومفيد
كما موضوع الانثى آردي و تكذيبه لموضوع التورات كما تكذيبه لما بني على التوراة من أحجار دومينو ألغى الأديان ككل ومع الاخذ بعين الاعتبار ان كل دين بعد التوراة كان اوسم وارقى بالمظهر لان البشر واضعين الاديان اللاحقة كانوا أوعى واذكى وأرقى ولكنهم بارتباطهم بالتوراة نسفوا كل شيء (وهنا أنا أعتقد بأن بعد هذه الاكتشافات سيظهر دين جديد يلغي جميع الاديان السابقة ويتبرا منها ومن ثم ينشر وحي جديد يتلائم مع الاكتشافات الجديدة ويحاول ابقاء عقول المجتمع تحت نير الدين الجديد ومشايخه المصطفين الجدد وإذا صحّ ذلك فأنا قد أكون الأول السباق في التنبأ بالمستقبل البعيد)
ويا ست نوال المحترمة كم من المجتمع العربي أو الاسلامي سيقبل بقرائة هذه الأفكار أو القبول بها فأنا ومنذ فترة ليست ببعيدة أكتشفت نفس الأفكار التي أورتيها عن أصل الخلق الواردة بالتوراة وذلك بعد الاطلاع على ترجمة الالواح السومرية والبابلية والحثية متضمنة ملحمة جلجامش والمشابهة للتوراة وهي السبّاقة على التوراة ولكني لا أرى أحد من أصدقائي وأفتح الموضوع معه إلا وأقابل بالنفور ولولا أنني (ألحّق حالي) لكنت شتمت منهم بصفة ملحد فأنسحب وأُؤكد أن ديننا هو الدين الحق وأن العلم والتاريخ هو رجس من عمل الشيطان يتوجب علينا اجتنابه فتصوري يرعاكي الله
وشكرا

xxx

thank you very much for this article

أضف تعليقا

صورة التحقق
هذا السؤال للتأكد من أن المستخدم بشري وليس برنامج
Image CAPTCHA
Enter the characters (without spaces) shown in the image.