حصاد سورية الثقافي 2009 - مشهد قاحل لولا الفنّ والمبادرات المستقلّة - خليل صويلح

«أسمع جعجعةً ولا أرى طحناً». لعل هذه العبارة الشكسبيرية، تعبّر بعمق عن أحوال الشارع الثقافي السوري، عدا بعض الشذرات التي تتسلّل في الوقت الضائع، نظراً إلى غياب الخطط الاستراتيجية في بلورة مشروع ثقافي يتطلع إلى تأكيد هوية مغايرة تضع في حسبانها تحوّلات الخريطة الثقافية في العالم. توقّع بعضهم أن يكون مقترح «دمشق عاصمة الثقافة العربية 2008» عتبة ثقافية جديدة للاشتباك مع أسئلة اللحظة الراهنة، وخلخلة البنى القديمة والمستقرة لهذه الثقافة. وإذا بهذا المقترح يُطوى مباشرة، لنعود إلى مواقعنا القديمة، واعتبار ما حدث مجرد سحابة صيف عابرة. هكذا تبخّرت تطلعات حداثية في إحداث ثغرة في الجدار الصلب للثقافة الرسمية بقاعاتها الفارغة وهوائها المخنوق وخطابها التعبوي. نذهب إلى مهرجان شعري أو إلى ندوة فكرية، أو إلى ملتقى ثقافي، فنصطدم بالأسماء عينها، لتعيد الكلام الممجوج نفسه، كأننا نشاهد شريطاً بالأبيض والأسود من سينما أيام زمان. ربما كان عزاؤنا بما تقترحه الثقافة الأهلية في مبادرات فردية شجاعة، قد نجدها في مهرجان «جبلة الثقافي» أو Dox Box مثلاً، أو في «مهرجان السنديان». هذا المهرجان الذي تستضيفه سنوياً قرية صغيرة في الساحل السوري بميزانية بسيطة لا تعادل ما تنفقه مهرجانات كبرى على مائدة عشاء واحدة. المشكلة إذاً ليست في الميزانيات وحدها، بل في الذائقة التي تتحكم في صناعة الثقافة، وزاوية النظر إليها. هل هي صناعة ثقيلة أم مجرد واجب حكومي يدير عجلته المعطّلة موظفون كسالى؟ مات الشاعر علي الجندي، أحد أبرز رواد الحداثة، ليخرج بجنازته حفنة من المثقفين فقط، وغاب موسم المسرح القومي، ولم ينتبه أحد إلى أن أبواب «مسرح الحمراء»، أو «مسرح القباني» شبه مغلقة، عدا عروضٍ عابرة لا تغري المتفرج الحصيف، ومُنع عرض «طقوس الإشارات والتحولات» لسعد الله ونوس، بتوقيع المخرج وسام عربش في حلب، من دون أن يحتجّ أحد. ربما سنتوقف مع عروض مسرحية أخرى مثل «المرود والمكحلة» لعدنان عودة وعمر أبو سعدة، و«الشريط الأخير» لأسامة غنم. سيزحف جمهور كبير إلى قلعة دمشق لحضور حفلات زياد الرحباني بمبادرة من ورشة أهلية صغيرة، وستمتلئ الحدائق العامة والساحات بعروض «موسيقى الشارع» لفرق شبابية ترعاها جمعية «صدى». وستغصّ قاعة السينما في المركز الثقافي الفرنسي
منع عرض «طقوس الإشارات والتحولات» لسعد الله ونوس

لمشاهدة فيلم هالة العبد الله «هيه.. لا تنسي الكمون». وسنقرأ عن جوائز عالمية حصدها فيلم «الليل الطويل» عن نص هيثم حقي وإخراج حاتم علي، من دون أن نتمكّن من مشاهدة الشريط محلياً لاعتبارات رقابية على الأرجح. وسيحصد شريط جود سعيد «مرةً أخرى» جائزة أفضل فيلم عربي في «مهرجان دمشق»، ثم يذهب إلى المستودعات طويلاً قبل الإفراج عنه في عرض جماهيري. المحنة التي تعرّض لها أدب زكريا تامر في جامعة دمشق، إثر أطروحة جامعية عن الشخصية في أعمال صاحب «دمشق الحرائق» كشفت عن نظرة أصولية تغرق بها أسوار الجامعة. لكن الإجابة عن أهمية هذا المبدع ستأتي من القاهرة بتتويجه جائزة «ملتقى القاهرة الدولي الأول للقصة القصيرة». وسيحصد النحّات السوري المقيم في إسبانيا عاصم الباشا «جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة» عن نصه «الشامي الأخير في غرناطة ـــــ دفتر يوميات».
وحدها غاليريهات الفن التشكيلي عبّرت عن زخم في عدد المعارض: يوسف عبدلكي، أسعد عرابي، أحمد معلا، صفوان داحول، نذير نبعة، نزار صابور، سارة شمة، جبر علوان، مروان قصاب باشي... إضافةً إلى معرض «دمشق ـــــ باريس: رؤى متبادلة» و«ملتقى النحت الدولي»، كما نشير إلى حدث من نوع آخر، وهو ترميم منزل المغنّية الراحلة أسمهان في مدينة السويداء، وتحويله إلى متحف وفضاء ثقافي.

المصدر: الأخبار

أضف تعليقا

صورة التحقق
هذا السؤال للتأكد من أن المستخدم بشري وليس برنامج
Image CAPTCHA
Enter the characters (without spaces) shown in the image.