خطاب الايديولوجيا بين التاريخ وغيابه " العرب والدولة العثمانية " نموذجا (1) - ابراهيم زهوري
1-على سبيل التمهيد : نحو رؤية جديدة للتاريخ

نشأت الدولة العثمانية في منطقة الأناضول على تخوم الامبراطورية البيزنطية في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الميلادي , وكانت بدايتها امارة لبني عثمان لا تختلف كثيرا عن العشرات من امارات الغزاة على هذه الجبهة من حدود دار الاسلام . في تلك الفترة كانت دولة المماليك الفتية تحقق انتصارات مهمة في حماية العالم الاسلامي من غزوتين تعرض لهما من الشرق والغرب . وكان المغول قد اجتاحوا العالم العربي وقضوا على الحكم العباسي في بغداد سنة 1258م , ثم زحفوا على بلاد الشام ومصر . لكن المماليك بقيادة بيبرس أنقذوا هذه المناطق من القتل والدمار اللذين تركتهما جيوش هولاكو في طريق زحفها . فقد نجح المماليك في التصدي للمغول وحققوا انتصارا ساحقا عليهم في معركة عين جالوت سنة 1260م . استمر الحكم المملوكي على مصر وفلسطين أكثر من قرنين ونصف قرن
. لكن هذه الدولة التي شهدت توسعا وانتصارات عسكرية بارزة حل بها الضعف والانشقاق في القرون التالية . اما امارة بني عثمان فكانت النجم الصاعد منذ القرن الرابع عشر , اذ توسعت , بالتدريج على حساب الدولة البيزنطية من جهة , وبعض امارات الغزاة المجاورة من جهة أخرى . وقد استمر هذا التوسع في القرن الخامس عشر بعد مرحلة قصيرة من الضعف والانشقاق عقب حملة تيمورلنك على المنطقة . وتوج العثمانيون فتوحاتهم باحتلال القسطنطينية سنة 1453م , واستبدلوا اسمها باسلامبول أو استنبول لتصبح عاصمة الامبراطورية العثمانية . ففي حين كان العرب والمسلمون يخسرون الأندلس في أواخر القرن الخامس عشر , كانت الدولة العثمانية تعزز مكانتها كوارثة للدولة البيزنطية في منطقتي الأناضول والبلقان . أما دولة المماليك فكانت تعاني مراحل متقدمة من الضعف العسكري والسياسي والاقتصادي . لذا , عندما اكتملت أسباب الصراع بين الدولتين , لم يجد السلطان سليم الأول صعوبات كبيرة في القضاء على الحكم المملوكي وضم المشرق العربي الى امبراطوريته . فخلال ستة أشهر ربح هذا السلطان معركتين حاسمتين ضد الجيوش المملوكية . ففي 24آب 1516م جرت المعركة الحاسمة الأولى في "مرج دابق " بالقرب من حلب حيث قتل السلطان قانصوه الغوري , وتم بذلك ضم البلاد السورية . وبعد توقف وتحضيرات في دمشق لعدة أشهر , زحف الجيش العثماني على مصر عن طريق فلسطين وسيناء من دون أن يواجه مقاومة تذكر , والتقى المماليك في معركة " الريدانية " في 23كانون الثاني 1517م . وبعد هذا الانتصار الساحق للمرة الثانية على جيوش المماليك , لاحق العثمانيون فلولهم في الأقاليم , حتى ألقي القبض على طومان باي آخر سلاطينهم وتم شنقه على باب زويلة في القاهرة , فكان ذلك رمزا لنهاية دولة المماليك وبداية الحكم العثماني في مصر وبلاد الشام .
سلاطين الدولة العثمانية
ان الدراسات التاريخية التي تناولت العهد العثماني توزعت بين نمط من الكتابة يتحدث في اقتضاب عن " الحكم التركي ومظالمه " ومثل هذه الكتابات ملآن بالتعميمات النمطية التي تدمغ العهد العثماني كله بالاستبداد والقمع والتأخر . كما يوصف الحكم العثماني وادارته عادة بالفساد وانتشار الرشوة والمحسوبية وارهاب السكان المحليين وجباية الضرائب الباهظة . هذا النمط من الكتابة نشأ في اوائل القرن العشرين على ارضية نمو الحركة القومية العربية في بلاد الشام والتي واجه قياداتها قمع وملاحقة رجال السلطان عبد الحميد الثاني حتى سنة 1908م , ثم سياسة التتريك والمركزية الادارية التي اتبعها الشبان الاتراك عشية الحرب العالمية الاولى وخلالها . ووصلت ملاحقة رجال الحركات القومية العربية الى أوجها بعد نشوب ثورة الشريف حسين وأولاده سنة 1916م فنصبت المشانق في دمشق وبيروت وزج بالمئات في السجون لأتفه الشبهات . أما عامة الشعب فقاست خلال سنوات الحرب العالمية الأولى جراء التجنيد القسري للحروب بعيدا عن حدود الوطن ( السفر برلك ) , وجراء أعمال السخرة , كما عانى الناس انتشار المجاعة والأوبئة والجراد وغيرها من المصائب التي حلت بسكان المنطقة نتيجةالحرب . هذه التجارب القاسية الصعبة التي مر بها الاهالي في العقود الاخيرة من الحكم العثماني تركت بصماتها القومية على الذاكرة الجماعية لشعوب الدول العربية . هذه المعاناة وتلك التجارب هي التي غذت الكتابات القومية المعادية للاتراك وهي التي فسرت أوضاع المجتمعات العربية في القرون الطويلة التي ساد فيها الحكم العثماني . هذا النمط من كتابة التاريخ من منطلق قومي معاد للاتراك وحكمهم ظل يطغى على معظم الكتابات العربية في القرن العشرين .
في المقابل ظهر اتجاه معاكس عقب الحرب العالمية الأولى يسود كتاباته التباكي على زوال الخلافة الاسلامية وابراز محاسن الحكم العثماني الزائل قياسا بحكم الاستعمارين الفرنسي والبريطاني اللذين سادا المناطق العربية حتى منتصف القرن العشرين . هذا الاتجاه الذي ضعف وخفت صوته بعد استقلال الدول العربية عقب الحرب العالمية الثانية عاد وانتعش وبرز مع امتداد حركات الاسلام السياسي منذ الثمانينات . هذه الكتابات شبه التاريخية من هذا الاتجاه , على الرغم من ادعا ءاتها أنها جاءت لتنصف العهد العثماني وتكتب تاريخا متزنا وموضوعيا , فأنها وقعت أيضا في خطأ التعميمات النمطية من دون الاعتماد على دراسة وتحقيق جادين للمراجع والمصادر التاريخية . فأتباع هذه المدرسة يبرزون محاسن الحكم العثماني وايجابياته , ويضخمونها ثم يسكتون تماما عن المساوئ ونقاط الضعف . كما ان كتاباتهم تتسم بالتعميم من دون محاولة التمييز بين فترة تاريخية وأخرى , أو الانتباه الى الفارق الكبير بين حكم الولايات وأوضاع السلطنة في العاصمة العثمانية . أما الانتقائية ووضع تصريحات السلاطين والأسس النظرية للحكم في مستوى واحد مع السياسة العملية فحدث ولا حرج . وهكذا تظهر جلية بصمات الأيديولوجيا والموقف السياسي في هذه الكتابات الاسلامية بشكل لا يقل عن الكتابات القومية التي أشرنا اليها سابقا . وهكذا تغيّب الكتابات الأيديولوجية , قومية كانت أو اسلامية , حقبة طويلة من تاريخ المنطقة العربية خلال ما يزيد على أربعة قرون وتختزلها الى تعميمات نمطية . بهذا تصبح هذه الكتابات مكملة لكتابات استشراقية فجة تدمغ التاريخ العربي والاسلامي بالتأخر والتدهورمنذ أواخر العهد العباسي حتى قدوم الاستعمار الأوروبي الذي أدى الى عصر النهضة والتحديث .

2-المقدمة
تحاول هذه القراءة تبيان وتفكيك الآليات الداخلية للخطاب الديني الرسمي "المعتدل " حين يتناول التاريخ موضوعا للدراسة دون تأسيسه لحس نقدي تاريخي يتسم بالموضوعية وذلك بقراءة مبتسرة تبسيطية وان كانت تدّعي الرصانة العلمية الا انها أي القراءة نفسها تغرق في التباس واشكاليات متناقضة لم تحسمها بعد قضايا الفكر العربي منذ اطلالة ملامح عصر النهضة الى وقتنا الراهن .
فمعظم مساهماته أي الخطاب رغم فقرها التوليدي لروح العصر المراد تفكيكه أو الاحاطة بكل مكنوناته اي العوامل المختلفة والتركيبية التي تنتج وعيا معرفيا منتجا بدوره للتاريخ وتزّكي محاولة الخروج من مسألة التقليد في الكتابة التاريخية كاستنساخ يدور في حلقة مفرغة يشكل ويتشكل في التدهور الثقافي المهيمن الذي يرفض النقد ويغتال العقل ويؤسس لانفصام بين التاريخ والخطاب التاريخي .
إن الناقد يحتاج الى تحليل السياق التاريخي الاجتماعي الفكري الذي يحمل الحضانة الاساسية لمجمل الأفكار والأطروحات التي كانت سائدة في الفترة التاريخية المراد تحليلها حتى يلامس التحليل الموضوعية ما أمكن ويلتقط في ثناياه اللحظة التاريخية براهنيتها للزمان والمكان اللتان انتجتاه لتمثله وتجاوزه معا , ولا يمكن برأيي انجاز المقاربة التاريخية المتوخاة بشكل موضوعي دون الانخراط معرفيا في تحليل مفهوم " الخلافة الاسلامية " أو منطوقها التاريخي " الخلافة العثمانية " ذاته من جانبين : الممارسة التاريخية الاجتماعية للظاهرة والصياغة أو الصياغات الفكرية للمفهوم في تاريخ الثقافة الاسلامية والعربية حيث يأتي هذا الكتاب " العرب والدولة العثمانية " لمؤلفه الدكتور علي حسون الصادر عن دار الرؤية للطباعة والنشر في دمشق عام 2006 ضمن السياق الطبيعي للسياق الآنف الذكر . ومحاولتنا هنا تقتصر على تحليل الفصل الخامس من هذا الكتاب الذي يتناول كما يحب ان يعنونه صاحبه ببداية الضعف العثماني وبوادر التمردات المحلية في الصفحة 95 من الكتاب .

المتحف العراقي –بغداد



أضف تعليقا