علمانية منقوصة وأصولية زاحفة - عمار ديوب
تصنّف سوريا بأنّها بلدٌ علماني، فهل بمنعها المؤتمر الثاني ([) للعلمانية في المشرق، يبقى للعلمانية أرض في سوريا؟ بالتأكيد الأمر سيثير الكثير من الشكوك، وأولها لماذا سمحت الدولة السورية بعقد مؤتمر العلمانية الأول عام 2007 ومنعته اليوم، لا سيما أن عناوين المحاضرات تأتي في السياق ذاته، وليس بها إشكاليات تثير في سوريا حساسيات سياسية أو دينية، بل إنها تناقش النموذج والتجربة التركية، كنموذج علماني، وهذا في الوقت الذي تشهد سوريا وتركيا أفضل العلاقات، رغم أننا نعتقد بضرورة التمهل في الحكم الايجابي على التجربة التركية وعلى العلاقات؟
إذاً هناك ما يثير الانزعاج من المنع، فالمنع يطال تظاهرة ثقافية وحوارية يشارك بها مثقفون سوريون وعرب، بدءاً من مفكر العلمانية في سوريا صادق جلال العظم، ومن تونس رجاء ابن سلامة ومن ليبيا محمد عبد المطلب الهوني، المفكك لظاهرة الأصولية، وهناك باحثون من فرنسا والعراق وهولندا، وكان سيحضر عشرات الاختصاصيين والمهتمين بالشأن العلماني، فهل سيكون ذلك المؤتمر مهدّداً لسوريا بطريقة ما؟
أعتقد أن أسباب المنع والسماح في سوريا، تعمل بدون استراتيجية، وتحكمها الفوضى، لأنّه لا حجة يمكن أن تبرّر منعا كهذا، في الوقت الذي يُسمح فيه بعقد ندوات وأمسيات ومؤتمرات دينية وتمارس الحكايا الدينية بطريقة غاية في التدخل بما هو شخصي، فمثلاً يسمع كل السوريين الفقراء من يأخذ «التاكسي» كوسيلة للوصول إلى عمله، الشيخ راتب النابلسي من إذاعة القدس، التابعة لأحمد جبريل المهتدي يومياً، وبدون أي استئذان. فالوجبة الإسلامية الصباحية يجب أن يسمعها غير المؤمن وغير المسلم والمسلم من غير أتباع النابلسي، والصغير والكبير والعربي والكردي، وو …، وهذا لعمري أسوأ ما أبدأ به يومي، وهناك من هم أسوأ ويُستخدمون في مناطق بعيدة ونائية عن قلب المحافظات، وهذا تدخل لا يمارى بسوئه وإيغاله في حياتنا.
كنّا سنحترم النابلسي، لو منع هذا البث، وأبقى حديثه في المسجد الذي يؤم الصلاة به، أمّا أن يلاحقنا من «سرفيس» إلى «باص» إلى «سرفيس»، فهذا بالتأكيد أسوأ ضرراً من عقد مؤتمر للعلمانية، هذا إن كان هناك من ضررٍ منه، ولو كان به ضررٌ، فهو لن يتجاوز أرجاء قاعة معزولة يعمّها النشاط في داخلها، ويسود الصمت بقية أماكن جامعة دمشق.
بعد هذه الواقعة، وطرح قانونٍ للأحوال الشخصية غير مدني وديني وتمييزي ضد المرأة، رفض العلمانيون الصيغة الأولى منه فتم سحبه، فطرحت الحكومة صيغة جديدة منه، ولم يُعمل على سحبها مجدداً رغم رفضنا الجديد لها، فهل من الممكن القول إن سوريا بلد علماني؟
في هذا يختلف الكثيرون، ولكنها بالتأكيد ليست بلداً دينياً، إذاً كيف سنفسر أوضاع العلمانية في سوريا وتراجعاتها المستمرة؟ ولماذا لا تتزامن العلمانية مع الديموقراطية والحريات العامة؟ وتتعقد المشكلة في أننا كنّا سابقاً نفتقد الديموقراطية، فصرنا الآن نفتقد العلمانية والحرية كذلك، وربما الأسوأ أن السوريين يبتعدون كلية عن السياسة المدنية ويسعون حثيثاً نحو الوعي الديني والأسطوري، والتطرف، عدا التفكير الأقلوي والتعصبي الذي يطال كل السوريين، بدءاً من السلطة مروراً بالشعب ووصولاً إلى المعارضة على اختلاف تلاوينها، التي تكاد تقتصر نشاطاتها على بيانات حقوقية، وعلى أهمية الأخيرة، فإنها ليست من اختصاصها في الدولة الحديثة، بل من اختصاص منظمات حقوق الإنسان والقضاء تحديداً.
قد يكون هناك بعض الحساسيات من بعض المفكرين المشاركين في المؤتمر، ولكن ما هي وظيفة المثقف، فهل هو عضو في حزب سياسي ما؟ هل هو وزير في دولة؟ أو… إن مهمة المثقف أولاً إنتاج تصورات فكرية نقدية وتجاوزية للواقع، وليست مهمته تبرير الواقع والتذلل للسلطة وللطوائف أو الدعوة لسيادة نمط مفوّت من الوعي؛ الذي يثبّت النزعة القطيعية والدونية والتمــييزية والذكورية أو التدين بمعناه الأصولي أو السياسي. أبداً، المثقف إما أن يكون عضوياً لقضايا التطوّر وإما أن يكون مفككاً لها، ومندمجاً في أيديولوجـيا السلــطة أو الطوائف، أو المنافع الشخصية، فيكون عمله اختصاصياً، بلا طعم ولا فائدة في الشأن الثقافي والسياسي العام. وهنا أميّز بين الاختصاص في الشأن العام والاختصاص في العمل أو العلم، فهذا شرطه الأول الاختصاص، والأول صفته الأساسية الموضوعية والتجاوز والتغيير. إذا كنت أناقش هنا، بعض أبعاد منع عقد المؤتمر، فكلامي يأتي من زاوية تراجع العلمانية في سوريا، البلد الذي عُرف تاريخياً بكونه وريث حضارات سابقة، وفيه تجلت أهم الحركات القومية في الخمسينيات، والتي لعبت دوراً هاماً على مستوى العالم العربي بأكمله، فهل يعقل أن يمنع مؤتمر لبعض العلمانيين، والمرأة في سوريا ساوت الرجل في الانتخابات منذ الاستقلال.
منذ بعض الوقت منع نصر حامد أبــو زيد من دخــول الكـويت، وكان السبب في ذلك تشدّد برلمانيين أصوليين فيــه، فهل في سوريا ما يشــبه ذلك، هل تدخل بعض المشايخ بطريقة ما لمنع تحـقّق ذلك؟ لا أعــلم ذلك! وإذا ما وجد شيء من ذلك، فهو تدهور خطير في سوريا، ولا يفسر إلا بزيادة تدخل الدين السياسي في سوريا، وأن سوريا ذاهبة نحـو مزيد من الأصولية، وبالتالي ليس من مستقبل علماني فيها، وبذلك نضحي بكل تراث سوريا العلماني حاضراً وماضياً.
أخطأت الحكومة السورية بمنع المؤتمر، وعليها وضع استراتيجية للثقافة والصحافة والتعليم والسياسة والدين الشعبي، تفصل فيها بين هذه القضايا وبين الدين السياسي، والابتعاد عن التعامل الفوضوي بهذه القضايا، فسوريا ليست بمنأى عن خطورة التطرف الديني، فهل نعتبر من الجزائر والعراق ولبنان؟
([) كان سيعقد في 12 و13 قبل بضعة أيام.
المصدر: جريدة السفير



طرطوس
للحقيقة فإن ما يقوله السيد خليل صارم قريب جداً من الحقيقة نعم لقد فإن الأحزاب وهي في حقيقة الأمر وعبر تقديم أطروحاتها في كافة ميادين الحياة الوحيدة القادرة على تكوين البديل الحقيقي للفراغ .
أقول أن الأحزاب عبر تخبطاتها الداخلية ونزاعاتها هي من أفسح المجال للفراغ لكي ينمو سواء عبر خروج معظم العقلانيين من هذه الأحزاب وهي التي أرادت ذلك عبر ألية محاصصة داخلية تبقي على الإنتهازيين .
خروج العقلانيين من الأحزاب كان السبب الاساسي وراء الفراغ وكان للتطرف والأصولية أن يملئ هذا الفراغ ..
ما الذي بعد هذه الأصولية ...الواضح أن الحامل الحقيقي لهذه الأصولية هي أحزاب متطرفة دينياً وحركات تعبر عن التطلع الأصولي وعندها فالخراب لسوريا.
أما عن منع المؤتمر فإن هذا المنع يأتي ضمن خيارات عشوائية لا تقيم وزناً إلا لخيارات من يقوم بالمنع الشخصية ..فكما يبدو أن التخطيط والتمنية الثقافية الشاملة بعيدة كل البعد عن خيارات الحكومة التي تهرول لإرضاء صندوق النقد الدولي و تطبيق وصفاته لإنعاش إقتصاد كبار التجار
اعقد المؤتمر مهم جدا
ارحب بكم في لبنان مكانا لعقد المؤتمر ......
سخافة
يعني مشكلتك صارت مع الدكتور النابلسي,الدكتور النابلسي بكل محاضراته و دروسه الملقاة على الراديو ما جاب سيرة العلمانية لا من قريب ولا من بعيد,كل همه إصلاح نفس الإنسان و روحه و التحلي بأخلاق الإسلام,في شي من هدول ضد العلمانية او غير العلمانية؟؟!.
و الدكتور النابلسي ما عم يجبرك تسمع له,يعني بكل بساطة اذا مو حابب تشفي نفسك و روحك من أمراضك النفسية فلا تضبط الراديو على درس النابلسي (و بتكون مفضل كمان).
و لعلمك!,الدكتور النابلسي يلقي درسه على مسمع سوريا (كلها) و ليس المكاري و التكاسي فقط,لإنك لا تدري من قد يستمع إلى درسه و ربما يكون علمانياً أيضاً.
نعم لعلمانية
العلمانية خير دواء لكل المجتمعات
العلمانية ثم العلمانية ثم العلمانية
وشكرأ
شكرا عمار على مجهودك واساندك
شكرا عمار على مجهودك واساندك الراي بالموضوع فالمراقب عن كثب للواقع السوري يشاهد تراجع الحالة الاجتماعية التشاركية لجهة العائلية الضيقة والطائفية المغلقة وللاسف كل هذا يحدث امام الجميع دون حراك وخاصة الاحزاب التي غدت عبئ على اعضائها ايضا لضعفها وعدم قدرتها على التطور
والمتتبع ايضا يشاهد تراجع الاصدارات العلمية والروائية لمصلحة الاصدارات الدينية والطائفية والغيبية وسط غياب تام للمنضمات المجتمع المدني والقادم اخطر
تقصير .
ماذا فعل العلمانيون .. ؟ هم يتحملون القسط الأكبر من المسؤولية ..لقد غابوا عن الشارع وعاشوا في أبراج عاجية .. نعم غابوا عن الشارع مفسحين المجال للأصولية المنحرفة كي تجتاحه وتعبث به .
كما نفهم أن العلمانية هي حالة تراكم ثقافي ووعي .. لنعد الى الوراء قليلا ً منذ سبعينات القرن الماضي والأحزاب العلمانية في حالة مراوحة وتلهي بإشكاليات أقل مايقال فيها أنها سخيفة .. غارقين في تنظير لايمت الى الواقع وهموم الشارع بصلة لنصل الى مرحلة تفكك الاتحاد السوفييتي حيث دخلت القوى الاشتراكية في حالة صدمة وغيبوبة ..ففي الوقت الذي كانوا فيها يبحثون في تبديل التسميات غارقين في جدل تافه كانت الأصولية المتشددة تتمدد مستغلة حالة الارتكاب
و الثغرات التي غرقت فيه القوى الاشتراكية والقومية في منطقتنا بينما كانت في بقية العالم تعيد قراءة الواقع الجديد .
مشكلة أخرى وقعت فيها القوى العلمانية وماتزال تراوح فيها وهي أنها استحضرت الرؤية والمفهوم بحذافيره وحاولت حشر الجميع فيه دون مراعاة لتفاوت ثقافة ووعي المجتمع عندنا ودون أن تدرس تماما ً واقع هذه المجتمعات لكي تخرج بمفهومها هي وبشكل ينسجم معه هذا الشارع .
يكفينا هروب من مسؤوليتنا .. لاشيء يمكن اسقاطه هكذا على الواقع .. وعلى القوى العلمانية أن تخرج برؤيتها ومفاهيمها بما ينسجم مع الشارع دون الانجرار الى حالة صدام عليها أن تقول هذه هي علمانيتنا وهكذا نفهمها .. عليها أن لاتغادر الشارع .. إن غباء النخب العلمانية المثقفة عندنا يكمن في أنها صنعت لنفسها شرنقة وتعالت على الشارع .. بالطبع لاننكر المحاولات الفردية لبعض كتابنا ومثقفينا لكنها لم تكن موحدة .
قبل أن نندب علينا دراسة أخطاء القوى العلمانية " المشتتة " والعودة مرة واحدة الى الشارع وعدم مغادرته مهما كانت الأسباب وقبل كل شيء عليها أن تقول لهذا الشارع أنها تحارب لأجل حرية المعتقد وأنها ليست ض د معتقدات الشارع لكنها ضد تحريف هذ ه المعتقدات واستغلالها وتسييسها لمصالح قوى مشبوهة ..فهل هذا ممكن .؟ لطفا ً عدم المكابرة والهروب من المسؤولية .
- خليل صارم / سوريا .
أضف تعليقا