قيمة الغائب : قصائد أخرى دافئة لمديحه المرهش - صالح الرزوق
لا توجد خلف قصائد السيدة مديحة المرهش مفردات بسيطة أو مضامين قوية ثقيلة مثلما يقول الناشر في تمهيده لكتابها ( مني تغار نون النسوة ) . و ليس هناك أيضا إيحاءات رومنسية بالمعنى الكلاسيكي و الشرعي للمصطلح ( كما ورد في تقديم الناشر لكتابها أنا المولودة في برج القوس ). إنها تعوم على بحر من المخزون الضائع الذي تبنته الوجودية فيما مضى ، و هي تصور الخراب المادي بشكل حرية للجسد و المعنى ، حرية تامة و غير مشروطة ، حزينة في نفس الوقت لأنها لا تعلم شيئا عن الأساس الأنطولوجي لمبدأ المحاكاة. إن الميثاق الحزين في مجمل هذه القصائد عموما ليس بسبب العلاقة مع الطبيعة و هي تحتضر و انعكاسات ذلك على الوجدان ، و لكن لأسباب قهرية و مادية ، و تترك علامة على الجسد و الكلمة قبل الفحوى.
ثم إن التناظر الدلالي الذي تصر عليه بين الكلمات و العالم ، أو مفردات نثر العالم طرا ، يشير إلى نوع من الاستهتار الوجودي المقصود ، بمعنى أنه يهمل ما يدخل في دائرة الوعي و لصالح أفكار شاردة و مستعصية ، نفكر بها دون أن نتأملها أو نعيها ( و هذا هو تحديدا اللاشعور إن شئت الاحتكام إلى فرويد) .
من الناحية التقنية تبدو غالبية القصائد غير بعيدة في تكوينها ، بمعنى أنها لا تلتزم بنظام القصيدة ، و لا طريقة تسلسلها ، أو حتى تركيبها للصور و المعاني. و هي متطابقة في كل قصيدة مع كل بيت شعر. فالقصيدة هنا هي الخطاب و التمهيد له ، و هي كذلك وحدة البناء العضوية .
و بالإذن من جاك لاكان ، ربما كانت السيدة مديحة تحاول أن تكتب قصيدتها الواحدة و المتصلة باستخدام أسلوب التكرار ثم الهروب منه عن طريق التحويل. و هذا لا يعني بالضرورة أنها ترزح تحت أعباء الصورة الجزئية المفككة ، و إنما هي مسحورة بقيمة الغائب ( الأب و القانون ) ، و ما يدل عليه من " رومنسيات " بيتية تحول الحياة إلى انتظار عاطفي لا يُسمى و لا ينضب.
و أعتقد أن هذه المجموعة مثل سابقتيها تتألف من قصيدتين.
الأولى مشروع قيد الإنجاز ، و الأخرى أفكار عن مشروع هو ليس على المحك حتى الآن.
إن في هذه القصائد القصيرة قدرٌ غير يسير من الإشارات إلى عالم الشعر ، و أنا مدين لكم بتوضيح آخر.
تختزل السيدة مديحة المرهش قصائدها إلى مستوى بيت من قصيدة ، من دون بحور الشعر و بلا قافية ( بكلمة أخرى من غير قواعد ).
و إنها حين تصر على تفكيك البنية المتماسكة إلى كسرة من مرايا تتعاكس مع ذاتها ، تعمد إلى دب الفوضى في عالم الصور و في عالم المعاني ، و في نفس الوقت تتنكب الدرب الصعب ، و هو إقحام الفوضى على الألوان الأساسية . إن الشعر حسب تعريفها شخصيا و بالحرف الواحد : " لحظة ثائرة من غفلتي بك / ترتقي أعتاب مشاعري ...". ص 5 / قصيدة شعـري ، و هو كذلك : " مجاز و انحناءات في الأفعال ، و انسدال للمبتدأ " ص 37 / قصيدة رقص . إنه دليل على قران ميمون و قسري بين الذات و الموضوع ، ثم التجربة العاطفية و فقه اللغة.
هذه المجموعة و هي تتحدث عن الخيانة بلغة العشق، و عن الواقع بصورة الفانتازيا، و عن الجزر الآمنة برموز قوامها الزوارق الشراعية التي تعصف بها الرياح، تضعنا بين قوسين ( كقراء ) و ( كشعراء ). إنها بذلك لا تقبل من القارئ أن يستهلك ضميرها الأنوثي الذي يفتك بالعالم ، تمهيدا لتدمير الذات و فناء الطاقة التي يضمرها لمغزى أو فحوى هذه التجربة. و هي تبرهن على ضرورة أن يتكبد مشاق أو مهام ( شاعر ) محايث، شاعر ينام في الظل و يمارس دوره على أكمل وجه في إعادة الكتابة ، و إعادة ترتيب المعاني.
فعلا إنه إحساس بناء يلغي صورة كل من الجسد الفني و الموضوعي ، و يضعهما فوق الصراط العسير ، و لماذا لا نقول على شفير الهاوية ، حيث اليد العليا تكون للعقل التواصلي الجمعي ( كما يحب أن يقول هابرماز عن التخاطب ).
لا شك أنها قصائد في مرحلة البحث عن ذاتها ، كشعر أولا ، و كتجربة اجتماعية و وجدانية في ماسوف يلي، و هي أيضا بحث منهجي لا يعوزه الشك ، و لا فن الوجود.
- للشاعرة مديحة المرهش ثلاث مجموعات ، إثنتان من منشورات دار كنعان بدمشق و هما : ( طعم البنفسج الذي كان 2005 ، مني تغار نون النسوة 2007 ) ، و الثالثة منشورات دار ألف بدمشق و نيقوسيا و هي ( أنا المولودة في برج القوس ، عام 2009 ).
صالح الرزوق - 2009



أضف تعليقا