لمّ الشمل - فصل من رواية للكاتبة الإيرلندية آن إينرايت - ترجمة صالح الرزوق

 

هناك حقائق حول الطريقة التي مات بها ليام ،  كم تمنيت لو أنني لم أطلع عليها. كل الأشياء التي مرت في حياتي من المنسيات ، و لكن لا أستطيع أن أنسى هذه التفاصيل الصغيرة. لقد نسيت عيد ميلادي الحادي و العشرين ، و كذلك عيد ميلادي الثامن عشر ، حتى أنني نسيت جميع ليالي رأس السنة ما عدا اثنتين ، و نسيت كيف كان يبدو شقيقي الميت و هو بعمر تسع أو عشرة سنوات أو إثنتي عشرة سنة ، غير أنني لن أنسى أبدا الحقائق الثلاثة الصغيرة التي أخبرني بها أشخاص لطيفون من برايتون عن الجثمان الذي سحبوه من البحر.


أولا ، كان ليام يرتدي سترة صفراء فوسفورية عندما وافته المنية ، مثل التي يرتديها عمال الخطوط الحديدية و راكبو الدراجات.


ثانيا ، كان يحمل معه في جيوبه حجارة.


ثالثا، لم يكن يرتدي سرولا داخليا تحت الجينز ، و لا حتى جوارب تحت حذائه الجلدي.


حركة المد و الجزر في برايتون سريعة ، و تصل إلى مسافات بعيدة. و قد ارتدى السترة حتى يكون تحت الأنظار عندما يهبط في المياه. و هكذا يمكن العثور على جثمانه بسهولة. إن ليام ، الذي يعجز عن ترتيب علبة أعواد ثقاب ، كان في هذه المناسبة ، شديد الترتيب.


الأحجار تفصح عن نفسها.


و لكن غياب السروال الداخلي دفعني للبكاء. لم يكن ليام منضبطا ، و لكنه دائما نظيف ، و مع أنه عاش في أماكن مشبوهة كثيرة ، كان هناك باستمرار مياه جارية ، و كان على وجه الدوام يعلم أين توجد أقرب مغسلة للملابس. و كان يستعمل نوعا زهريا قديما من الصابون له رائحة صناعية ، و لكن ليست لدي فكرة ما اسمه. و أتذكر أنني وقفت في سوبرماركت أشم ألواح الصابون من وراء أغلفتها الورقية ، حتى توصلت إلى نوع بلا رائحة كي لا تمتد يده إليه. كان يضع على شعر رأسه شامبو أسود فاحما ، و ينظف لثته بالليسترين. و كان يرش مضادات للفطريات في كل الزوايا و يطلب توفير مسّاحات مبلولة قرب دورات المياه. كان ناعما كالحرير. و كان مضاد التعرق الذي يستخدمه قادرا على تذويب الدهان.


لقد تخلص ليام من سرواله الداخلي لأنه لم يكن نظيفا. و تخلص من جواريه لأنها لم تكن نظيفة. ربما تبادرت إلى ذهنه ، حينما فاضت المياه الباردة على حذائيه  أفكار معقمة.


أنا أعلم ، و أنا أكتب عن هذه الأشياء الثلاث : السترة و الحجارة و عري شقيقي تحت ثيابه ، أنها تتطلب مني أن أتعامل مع حقائق. لقد حان الوقت لأضع نهاية للحكايات المتبدلة و للأحلام التي تستيقظ . و حان الوقت لأبحث عن نهاية لقصة غرامية ، ثم أقول عما حصل في بيت أدا ، في السنة التي وصلت بها إلى عمر ثمانية أعوام و بلغ فيها ليام حدود التاسعة.


**  


هذه هي غرفة أدا الأمامية المفضلة في برودستون ، الباب مدهون بأبيض ناصع ، و لكنه يصفّر مع الزمن. من الداخل ، للغرفة ورق جدران بلون الغبار الزهري. و هناك الكنبة المفتوحة و كرسيان بمساند ملفوفة قاسية ، و لكن أدا وضعت صفا من الوسائد الممتازة على الأغطية السوداء ، و عوضا عن لوحات على الجدران ترى صورا في إطاراتها و هي موقعة و مأخوذة من مسرحيات. كانت الغرفة بعكس الشارع ، لذلك هناك : أباجورات بلون بيج و ستائر دانتيلا ، و من السقف و حتى الأرض ستائر أخرى لها لون مسرحي أحمر. و أول شيء تراه حين تدخل هو النافذة ، إنها تلقي ظلا قاتما على جميع الأشياء الأخرى ، باستثناء المرآة الموجودة فوق خزانة، حيث أنها تعكس شريحة مضيئة من الغرفة. ينفتح الباب إلى الداخل و هو قريب من باب الصالة ، لذلك يجب أن تدخل مباشرة لترى من هناك : شارلي نائم على الكنبة – و أحيانا ببيجامته – أو أدا تقرأ و هي في الكرسي الملفوف قبالة النافذة من أجل الإضاءة. أو أن السيد ناجينت جالس في الكرسي الملوف الآخر ، و لو أنه يوم ( جمعة ) تكون أدا في المطبخ تضع البسكويت في الصحن ،  لكنها لا تنظر إليه.


أحيانا بالنسبة له هي غير موجودة إطلاقا. أنت لا تعلم أين هي. نحن لا نتابع أدا التي تمتلك أسلوبا متميزا بما فيه الكفاية. و دائما لديها أمر تنشغل به. كانت أدا تحب كوب شايها ، و عندما تجلس أمام كوب الشاي بمقدورك أن تتبادل معها الأحاديث بقدر ما تشاء. وفي بقية الوقت كنا كأولاد من تلك الأيام ، " في نفس الجو ".


و هكذا أمضيت معظم وقتي و أنا أنتقل من غرفة إلى أخرى ، أبحث عن شيء ما أو أهرب من شيء ما ، و لكن من الصعب أن تحدد ما هو.


كانت أدا تقول لي : " ماذا تفعلين هناك ؟ ماذا تفعلين هناك ؟.


و كان يخيم على جو المنزل ضجر فظيع ، و لم أتكن من تخليص نفسي منه. كان الضجر يتلكأ عند الزوايا ، و في الممر الذي يقود إلى مستودع السيارات ، و في الباحة الصغيرة الخلفية.


و في هذ اليوم الخاص كنت أقف على الدرجات ، أو أجلس خلف طاولة الطعام ، أو كنت في الصالة ، مكبلة بالضجر ، و قبل أن يغمرني الضجر مجددا قررت الانتقال إلى الغرفة المفضلة.


و قد صدمني غرابة ما رأيت عندما فتحت الباب. كأن العضو الذكري للسيد ناجينت ، و الذي كان ينتصب من خارج فتحة بنطاله ، قد تطاول على نحو مدهش، و أزهر عند نهايته ليكوّن الشكل المعروف و الضخم لصبي ، ذلك الصبي كان شقيقي ليام ، و كما رأيت بعيني أخيرا ، هو ليس امتدادا لعضو رجل ، و كان يجلس على الأرض على نحو غامض أمامه ، إنه ولد في التاسعة من عمره ، و كان مصدوما ( طبعا كان مصدوما  لأنني فتحت االباب ). حتى أن العضو لم يكن ما خطر لي ، و لكنه ذراع الصبي العاري ، و قد صنع جسرا من جسده بينهما ، هو و السيد ناجينت. كانت يده مدفونة في الثياب ، و كانت يده تلتف حول شيء مخبأ هناك. إنهما لم يكونا شيئا واحدا موصولا من السوال المفتوح و حتى الكتف ، لقد كانا شخصين أعرفهما ، إنهما السيد ناجينت و ليام.


أحاول أن أتذكر كيف كان يبدو ، و لكن  من العسير أن تستعيد وجه شقيق لك من مرحلة الطفولة. و مع أنني أعلم أن هذا قد حصل على وجه اليقين ، لا أعلم إذا كنت أرى الصورة الصحيحة بالعين الثالثة التي في ذهني. إنها الإستطالة العجيبة لنهاية العضو المذكر لدى ناجينت ، الجسر اللحمي بين الرجل و الصبي . الآن تغلف الصورة أضواء صفراء ، و قد ألقت ظلالا طويلة و كثيفة ، كان السيد ناجينت يعود بظهره إلى الوراء قليلا ، و يداه على كلتا ركبتيه . أعتقد إنها ذاكرة مزيفة ، الآن هناك عقدة مقلقة من الأشياء و يجب أن أشق طريقي عبرها بصعوبة حتى أستوعبها ، و تستقر برأسي. و كذلك إنها عويصة و لا يمكن احتمالها . كان السيد ناجينت يميل إلى الوراء في الكرسي ، و ذقنه تستند على رقبته ، أما وجهه فيرتد إلى الوراء برضا  أو ألم. كان يبدو مثل مزارع ينشط قدميه.


لا أعلم لماذا يجب على متعته أن تكون أفظع شيء أراه في الغرفة. الانعكاسات الداخلية منه. الضغينة التي يحرضها مثل رجل تمر في أمعائه الغازات السيئة ، أو رجل يسمع أخبارا مزعجة ، و مع ذلك لا تخلو من روح السخرية. إن الصراع فوق وجه ناجينت هو ما لم أحتمله. بين رجل لا يقر بمتعته و  آخر لا حيلة له من جرائها.


لقد عاشرت منذ ذلك الحين رجالا من هذا النمط – لا يمنحنون شيئا حتى اللحظة الأخيرة ، ثم ينوحون بعد ذلك ، و كأن شيئا مرعبا قد وقع لهم. إن المتعة التي تتحكم بهم هي أشبه بكمين ينصب لهم. و أنت تشعر بالملامة ، طبعا . أنت تشعر كأنك من اقترف الأخطاء كلها.


أقول لقد عاشرت " رجالا " و لكن أنت تدرك أن هذا نوع من الولع ،لأنني أقصد : عندما أعاشر توم ، تكون بهذا الشكل أحيانا حالته ، يشعر بالحنين  و هو يبتعد عن جسدي ، و بالبغضاء حينما يرتطم به للولوج ، و يقول  " علام أنت تنظرين ؟" ، أو أنه يقول أمام الأصقاء أثناء العشاء إنه يصل إلى الرعشة الأخيرة ، أو أنني لا أصل إلى الرعشة الأخيرة مع أنه يعلم أنني أصل إلى الذروة فعلا – أقله هكذا أظن – و فيما بعد أستوعب  أن ذلك هو ما يرغب به ، هذا ما كلن زوجي يرغب به على وجه الدوام ، و هو الشيء الذي أقدمه له ، إنها غريزتي النهلستية. و بهذه الطريقة كانت رغباته تهدر و هي تتقدم إلى الأمام . إنها تجري حتى نقترب من الكراهية . هما أحيانا صنوان. كنت أقول بصوت مرتفع : " ماذا فعلت لك ؟ ما عدا حبي لك ؟ ماذا فعلت لك ؟". سؤال يرى أنه أغبى من أن نعبرعنه بالكلمات.


أنا أدرك أن الرجال ليسوا جميعا هكذا. في مكان ما يوجد مئات الألوف من مايكل وايسيس يقودون أولادهم وبناتهم إلى دروس الساكسوفون أو دروس البيانو، و يتعايشون مع أفلام أمريكية باهتة ، حيث يكون الرجال رجالا  لكن بقلوب بسيطة. و أعلم أن هؤلاء الرجال موجودون ، حتى أنني قابلت بعضهم ، و لكن لم يكن بوسعي أن أحب أحدهم ، حتى لو حاولت . أنا أحب الذين يعانون ، و هم يبادلونني نفس الحب . و هم يحبون أن يروني جالسة على أثاثهم الإيطالي الأنيق ، و يحبون أيضا رؤيتي و أنا أبكي.


و أدرك كم هذا أمر سخيف. أنت لا تقتل أحدا بممارسة الجنس معه. أنت تقتله بالمدية  أو بالحبل  أو بالمطرقة  أو بالبندقية. أنت تخنقه بحباله. أنت لا تقتله بعضو الذكورة. الأمر  إذا  أنا أكرهك ، أنا أحبك ، أنا أكره – إنه حلم من القتل و الموت. و أنا أفهم ذلك بعمق ، و عندما يبتعد إثنان عن بعضهما ليغطا بالنوم ، يتلاشى الحلم ليوم آخر.


و هناك أيضا متعة االصبي و يجب أن نهتم بها. و هناك أيضا سؤال عن ماذا يكره ، و ماذا يحب. و مع أن ليام ، في ذاكرته أو خياله ، كان يبرز وجهه الاعتيادي ، و هو وجه مفتوح أبيض ناصع ، مع رموش سوداء فوق عينين واسعتين تبدوان بلون أزرق قاتم.


لقد دب الرعب في قلبه. و قبل أن يتوضح المشهد أمامي ، أتذكر أن أفكاري بدأت تدور. إذا هذا هو السر. الشيء المطمور في سروال الرجل.  هذا ما يحصل عندما يتمكن منه الغضب ، إنه يتطور بشكل صبي صغير بائس.


أتذكر ذلك أن الطقس قارس. أنت تتذكر البرد على بشرة خيالية لا يتطابق تماما مع بشرتك ، و هنا أرتعد ، كما أتذكر كثافة الهواء في ذلك اليوم و أنا في غرفة أدا الأمامية.


و كانت هنالك رائحة جيرمولين ( 1 ) ، و سوف تبقى بالنسبة لي ، و إلى الأبد ، رائحة أشياء تسير على نحو خاطئ.


و غالبا أفكر بناجينت و هو ينظر لي حينما علم أنني أقف على عتبات الباب. توقفت يد الصبي ( و بالتأكيد كانت تتحرك ) ، أما ناجينت ، الذي يميل بظهره إلى الخلف بسبب متعته العويصة ، استغرق الأمر منه لحظات ليستوعب ما يجري. و لدقيقة من الوقت ، رغب لو أن يد الصبي عليه ، و تصورها تتحرك ، مرة ، إثنتان ، إلى أن تعثّر ذهنه بالسكون العنيد ثم فتح عينيه ليرى أنني أقف هناك.


قال : " هلا انسحبت من هنا " ، و عندما سحب ليام يده البسيطة من فتحة سروال الرجل  شعرت أنني أفسدت الموضوع على كل من يهمه الأمر. أتوقف و أنا أكتب هذا ، أضع يدي على وجهي ، و ألحس البشرة المتقرنة من راحة يدي بلسان بنت صغيرة. أستنشق الهواء. أشعر بالغبطة الغريبة التي تنجم من الجسد . من أنني أنا.


لقد شاهدت كآبة فادحة في عيني ليام. ، منذ ذلك اليوم و على امتداد أيام لاحقة – و لكن حينما شاهدني ناجينت ، بنت صغيرة في بذة مدرسية ، و أنا أقبض على يد الباب ، كانت نظرة عينيه تنم عن تحسس طبيعي.


" هلا انسحبت من هنا ".


لقد فعلت. أغلقت الباب و أسرعت إلى دورة المياه في الطابق الثاني ، و كانت تحدوني الحاجة للتبول و لرؤية البول و هو يسيل مني ، لأن أنخس أو أخدش أو أحك عندما أنتهي ، ثم أشم رائحة أناملي بعد ذلك. على الأقل ، أفترض أن هذا ما صنعت لو أنني بعمر ثماني سنوات ، و لكن ربما فتحت الصنبور و نظرت إلى تدفق المياه ، أو مشطت بأطراف أناملي فوق الفقاعات التي تتكون على زجاج الحمّام ، أو أنني مشيت في الفراغ بذهن غائب ، و أنا أبتعد عن مقعد دورة المياه ، و الحمّام الأبيض ، المكتظ بالهواء عالى نحو مبهم.


نظرت إلى أولادي و اعتقد أنك تعلم كل شيء حينما تكون في الثامنة. ربما أنا على خطأ. أنت تعلم كل شيء عندما تكون في الثامنة ، و لكن الأشياء تكون مستورة عنك ، و مختومة ، و بطريقة ما يجب أن تجرح بها نفسك لتضع يدك على المحتويات. 

هوامش المترجم :


1 – الجيرمولين germolene : اسم تجاري لمادة مطرية ضد الجروح و التقرحات الجلدية. 

 


آن إينرايت : روائية إيرلندية مولودة في دبلن . تقيم فيها و هي متفرغة للكتابة. من مؤلفاتها : العذراء المحمولة ، التقاط صور فوتوغرافية ( قصص ) ، الشعر المستعار الذي يرتديه والدي ، ماذا تشبه ؟ ، متعة إليزا لينش ، لم الشمل ( روايات )، إنجاب الأولاد ، طقس الأمس ( ذكريات ). حازت على البوكير عام 2007 عن روايتها ( لم الشمل) . تعتبر الكاتبة كما ورد في الدايلي ميل :جريئة ، حاضرة البديهة و الذهن ، أصيلة و مبدعة ، و ذات أسلوب أخاذ. و هي تتعايش حاليا مع دائها العضال ، مرض السرطان.

 

الفصل الثاني و العشرون من رواية للكاتبة بنفس العنوان.

 

المصدر :  

The Gathering, novel by : Anne Enright , Vintage Books, 2007 . p.p. 141 – 147 .

 

أضف تعليقا

صورة التحقق
هذا السؤال للتأكد من أن المستخدم بشري وليس برنامج
Image CAPTCHA
Enter the characters (without spaces) shown in the image.