ليست أكثر من رحيل لا تعوزه الحيطة - ابراهيم زهوري

- 1 -
قد لا نعرفهم ... ربما ,
وربما كانت جدتي
في مسك ندمها وحيدة
تجدل ثوبها عنبا
من فيض ما اكتمل
من حروف نسلهم
وهي ترسم بيدها اليمنى
عناقيد الوداع
تحت ظل وغصن ...
سراب يمضي
و صور رقعة حرب  مذعورة ,
أو ربما مصباح  أمي


من غابات المنفى صيفا
يتوسد’دهشة الأزرق
في الشوك البري ,
ومن ضلوع التنهدات
شتاء  الدروب  الضيقة
توصد’ الأبواب كيفما اتفق
على مكان  آخر
يهرع’ خلف  العصافير
موسيقى موت وصلاة ,
وربما كان دمها
يرف بأجنحة دوار البحر
وأظافر النوايا شبح’ منزل على هضبة ..
يحتسي الملابس القديمة
فما للصراخ حينا
وكي تهطل الغربة مطرا
كخوف الطلقات
على أحذية المنبوذين حينا آخر ,
وربما كان آخر المؤونة وجهي ..
بضع خوذ مثقوبة
وحزمة’ خجل بخس ,
ﺇدمان’ الظمأ في ليل دمعتين
ومسافات وردة موؤودة .
-       2 –
بحجم خوفنا النقي
تأتينا دون غيرنا
ولم ننتظرها ....
ترتب مواعيدها كما تشاء ,
تكبل سماء الله بقفص اللعنات
وترّحل الشمس الى آخر كهف
يدرك مر كبوتنا الأزلية ..
تقطع ما اكتمل من نسلنا
وترتق ماسورة لهب
بعيون طفلة تبكي
ولا تريد أن تنام ,
هي آخر الأرض
تحتوينا رغما عنا ..
رملا أشيب وغبار ,
أشلاء ناصعة
وطيف العادي أمنيات
لم تنجز بعد ,
الموت هو أول الطريق
ونهاية البدايات
والسيف مهرج عرافة يتزين ...
يرقص في بلاط ,
لعله يباغت وضوح مناكبنا ,
هنا سلمت عجوز ألواحها
واستدارت
وهنا اعتنقت مدافن المآذن
من عمرنا
ظلال لحظتين وحجر ,
فزع الظهيرة
وكمان الغسق
مآل أسود في جبين سحابة ,
وهنا مرصوفة
بقايا ما اقترف المساء ببغيه ....
للواحد دمه فينا
فناء اللغة ,
خرائط البيوت تتساقط
ونوافذ الظلمة
ووجه تبغ الليل محنة ...
لا النبوة أصبحت للبلاغة مدنا
ولا الغرباء في توقهم ﺇلهام المواثيق
طريقا يوغل هول الزمان ,
هو نفير حبل أيامنا
التي عشناها في رداء ضيق
الى يوم المعاد ,
هو تشابك مرثيات يقظة
وعناق طفل
وأقدام حانات حداد ,
هو المصبوغ بركامنا
باب مقهى يفوت
وضجيج مسراتنا
لم تمهلها طراوة أجفان
تحت التراب تترقب ,
هذا المعروف من وقتنا ..
قربان قمح كان
وقمر مجاز محنك نادر الكلام .
- 3 -
حيث كانت الطيور
وأيام الأطفال
ولحظة تقيس مسافات
ألف شمس في سبع سماوات ,
كنت انتبه الى حياتي
تستلقي على نفسها وترحل ,
الكتب معكرة
وأشجار الطريق
بلون الصدأ
والأشياء الجميلة
ريح دروب مرنة
تتأخر كلما صدقت ركبتي
وهي تصنع ساعتي الأخيرة
والخوف يفتح يديه
ستائر اجتماع العتمة ,
لم تعد التلال صبر الزيزفون
ولا الأصوات همس مدن النحل
ولا الأناشيد ترفع كأسها
فوق رعشة القلب
للخالدين جرعة ماء
ولا الأرض واثقة من قوس بابها
وهي كلما تلمست برقا ترتجف
وتجرؤ على البكاء ,
مثل عاصفة زحفي
تتنكر لتراتيل العتبة
في ليل لايزال منخورا حتى الفجر ,
أتبادل العناق وخبز السهل
خلف النجوم التي
ولدتني في النهار عشر مرات وأكثر ,
ألطخ هوائي
بقميص الغجر وأخرس ,
لامكان لي
حين يأتي الشتاء
ولا الضوضاء في الطريق
سرير ملابسي ,
ثمة عشب
لا تختاره الأحذية
قد يكون حيث توجد الكلمات
وقد يكون
ابنا لفقاعات الهواء بلا أحفاد ,
أيهما رغم مدائح التجاعيد أتذكر ..
جبل بلا آهات
و خنوع غيم القصص
ووحل غروب دافئ ...
بالحيلة العابرة واﻹعجاب ..
ناعما يغمر دمي
اقتراب الدالية ألواح كل الاتجاهات ,
قبلة شال أبيض
وأحراش مجالسنا المهجورة
وأسلاك جراح الموقد ..
ﺇخلاص الضعيف لحكمة تهلك ,
لحب يدحرج الألم ويعيش ..
لطفل حين يحيا
يضرب تاج اﻹقحوان
بأصابع متسخة ...
التراب معبده
وقمح اﻹحتجاج حقل محراث يمتلأ
وخلف ظهري سلال الأبدية تبتسم
وتختبئ رغم وداعها أسوار أعياد .
-4 –
هي التي تنام
بدهشتها
ثلاث قبرات
تغوي أغنية ...
قطرة ضياء واحدة ﺇثر واحدة ,
لا تلبث أن تدخل بيتها
من أول الشوق
وقد أضناه
ظلال أمكنة تتكئ
ولم تورق في الرماح بعد ,
تسكب الحكمة
من آخر شمعة
تتجول في الأرض
للمقربين
صلاة أحياء و غرف نجاة ,
التراب صباح العتبة
وزوال الخبز في خميس العنب
والتعب محال
مثل كف الفراشة
وحال الجيران شمس غاضبة
تندفع بالسؤال
من سيحيا بعدنا !!
والبحر عرفناه غابة المساكين ..
متراس أكاليل تبقى ,
لاتحبو الطرقات في أيامنا
ولايتطلع الفجر ,
ومن تابوت الفراق
ولدت مدنا
في انتظار عطش جديد ,
لم يكن صبرنا للتيه
نواح تحمله الريح أقنعة
ولم يكن في السماء
وجه أرواحنا يكترث ...
فوق بقايا حصادنا
ينمو ويتردد ...
خرجنا بخواء أمطارنا
نبحث عن صورة أسمائنا
بين طواف أوثان تجثو
وحنين الوقت الى دفتر السهل ,
لاشيء يبقى من أجلنا
حتى نقدس الأرض ...
حلال على المسافر
جهات العابرين نصيب
ودروب الانسان رماد رقاد ..
أمامنا يملأ الصدى
أطرافنا غزلانا رمادية ..
لاشي يبقى في تسكعنا ,
لا رايات الغدر المقدسة
ولا صخور قريتنا البيضاء ,
لا الأزهار على فستان البنفسج
ولا أواني الوفرة في دلو الجدار ,
قريبا تصيح بنا الدنيا
فوق البئر
مثل كنز جرح
يمر بحبال المساء ,
ايه يا وطني
تدنو من ذهولنا
وليس في اليد حيلة
لا القرميد الأحمر
يستيقظ
ولا عاليا
يحنو في الأسرار
متوجا شباك الحبيب .
- 5 -
في المنفى
أسّرة كثيرة
للنوم أساسا
ولمداعبة أصابعنا
التي تختلف
كلما ﺃنهكها تعب الانتظار
ﺇلى الكتابة
عن خشية الفراشة
ظل المعزين شرفة الغياب ,
في المنفى
يتحول اللاجئون
ﺇلى حديث الاستماع فقط ..
والمخّيم يمتد
مابين عتبة الياسمين
وسعال المتعبين
لنداء العودة في يوم الجمعة ,
اللغة منزوعة السلاح
والممكن رائحة الخيانة
والأفراح كأتراحنا
لم تزل جاهزة سما
تأتيه واطئة حمى اﻹنهيار ,
الوقت
يطارد لحمنا المكوي
بسياط جثة هاربة ,
ﺇنها أحجية قمر يئن
وأولاد صمت مشبوه
في الساعة الأولى وردة
وفي أيامنا تنهد برية تغرق
وشيب الدروب
ماء راكد في كهف .
في المنفى
كانت لنا حياة ..
تتعثر ربما ..
وربما كانت
تثقل كاهلها ونتورد ,
نشعل من أغطية كهولتنا
جبل اللعنات
وتهذيب البحر آخر الأرض ,
رئة الموتى
سطر المسافات
وألسنة الظامئ
صباح شفتين وﺃزهار احتفال ,
والطقس
مثل ليل غربتنا
حذاء دمعتين وأكثر ,
الشهداء
للمرة الألف
ليس قدرهم المنفى
ولا تسمي
موت الأحياء انتصار ..
كان مثل باب راحتنا للذل
وبقايا البنفسجة صحراء الأضرحة .
كان ركوع الصلوات
نهار حزننا
نحمله لخمر العواصم ..
احتفاء الذاكرة سجن المساء
وتوحش الطوابق
عواء شوارع
تشتري لدفة الملوك خواتم الحلوى ,
ملامحي
عكازة هادئة
على صدر الفراغ  ..
قطار خائب
ورصاص محنة تقترب وفتات ,
خوف بخس
يثمل حاضرنا كغربة المنبوذين ,
هطول الألوان
طهارة أفقين
ونشيد بيرق
يهز عباءته مرتاحا
عن قوافل النوايا
وعن أجنحة تبتل بالمناديل
وتمتلأ بهمس الجزر
وسفائن القراصنة وهموم البجع .


أضف تعليقا

صورة التحقق
هذا السؤال للتأكد من أن المستخدم بشري وليس برنامج
Image CAPTCHA
Enter the characters (without spaces) shown in the image.