هل وجدتَ كتاباً؟ - حسن عباس
أن تجد كتاباً لا تعرف عنه أي شيء، بمحض المصادفة، لهي فرصة جميلة للدخول الى عالم جديد، عالم يرسم الكتاب الموجود أبعاده. نجد الكتب عادةً في المكتبات، او عند الاصدقاء، او ربما على ناصية طريق ما، إذا ما صادفنا بائع كتب متجوّلاً اراد ان يعيد الى بيروت بعضاً من رونقها المفقود: تجارة الكتب القديمة و/او المستعملة. لكن الآن هناك فرصة اخرى لولوج عوالم بعض الكتب، من طريق المصادفة، بأن يتم اللقاء بالكتاب في فرن أو محل للثياب أو مقهى أو سيارة تاكسي او على قارعة الطريق، او اي مكان عام آخر قد يخطر في البال.
هذه الفرصة الجديدة توفرها "دار الساقي" التي اطلقت، لمناسبة سنة بيروت عاصمة عالمية للكتاب، مشروعاً ظريفاً وهادفاً في الوقت ذاته، يقضي بنشر مئتي كتاب، موزعة على خمسين عنوانا مختلفا، في أماكن عامة بيروتية مختلفة. كل الكتب الداخلة ضمن هذا المشروع هي من اصدارات "دار الساقي"، والتنفيذ موكل الى فريق العمل في هذه الدار الذي سيخلف أفراده وراءهم الكتب بطريقة عشوائية، بهدف ان يجدها ايّ مرتاد للمكان حيث يُترك الكتاب.
يهدف المشروع الى "تحويل عادة القراءة الى سلوك شعبي"، كما تقول مديرة العلاقات العامة والتسويق في "دار الساقي"، هناء بسمة. الهدف طموح الى درجة كبيرة. هو لن يتحقق بالتأكيد من خلال هذا المشروع، ذلك أنه هدف لا تقوى على تحقيقه وزارات دولتية، لأننا في زمن لم يعد فيه من وجود للمعجزات والخوارق، وهو يحتاج لانجازه الى سياسات عامة تتبناها الدولة اللبنانية في خطط عشرية على اقل تقدير. ولكن ان يتحقق هذا الهدف على مستوى مئات معدودة من اللبنانيين او حتى عشرات منهم، لا بل حتى على مستوى فرد واحد، لهي مساهمة نبيلة في الارتقاء بالمستوى المعرفي والثقافي المتردي للبنانيين. عندنا شجر الزيتون، ونطل على البحر، لا بل ان شاطئنا طويل، وثقافتنا لا تخلو من الانفتاح، فلماذا تطبع اسبانيا من الكتب اكثر مما تطبعه الدول العربية جمعاء؟ ولماذا يقرأ الاسبان اكثر مما نقرأ؟ الجواب عن هذين التساؤلين برسم السلطة السياسية اللبنانية التي لا تعرف من السياسة الا المناكفات والمصالح الشخصية.
على واجد الكتب التي بدأت "دار الساقي" بتوزيعها على الاماكن العامة، ان يتخلى عن أنانيته، فما وجده يجب ان يجده شخص آخر من بعده. "قرا ومرّقو لغيرك" (اقرأه ومرِّره الى غيرك)، هي توصية "دار الساقي" لمن يجد احد كتبها الموزعة، وهي توصية مطبوعة على الاعلانات الدعائية الورقية المرافقة للمشروع. تتضمن محتويات الكتب مواضيع مختلفة من شعر وروايات وسياسة، الى كتب مخصصة للاطفال وغيرها. وقد حرص القائمون على المشروع على اختيار كتب لا يكون حجمها كبيراً لتسهيل مهمة قراءتها، وبغية تسريع تداولها ووصولها الى اكبر قدر ممكن من الافراد. كما حرصوا على اختيار كتب ذات محتوى سهل، وغير متخصصة، لان المشروع يتوجه الى عامة الشعب. كل الكتب الداخلة في المشروع هي كتب باللغة العربية، لان المشروع يهدف في احد ابعاده الى تشجيع اللغة العربية، اضافة الى تشجيع عادة القراءة.
لن يحتار واجد الكتاب كثيراً حول ما وجده. فقد أُرفقت بالكتب استمارات تظهر منها عبارة "لقيت كتاب؟". وفيها شرح لطبيعة المشروع: "هذا الكتاب تركناه هنا ليقع بين يديك. تقرأه ثم تتركه بدورك في مكان آخر ليقع بين يدي قارئ آخر. يمكنك التواصل مع من سيجد الكتاب من بعدك وذلك بتسجيل اسمك ورقم هاتفك. كما يمكنك أيضاً الاتصال بـ"دار الساقي" لتسجيل اسمك ضمن لائحة الذين وجدوا الكتاب… مفاجأة سوف تكون في انتظارك في نهاية المشروع".
يستمر المشروع الى نهاية سنة بيروت عاصمة عالمية للكتاب، أي الى 22 نيسان 2010، حين تقوم "دار الساقي" بجمع الاستمارات المرفقة بالكتب لتقويم المشروع، ولتقديم "مفاجأة"، لم يتم الاعلان عنها، الى واجدي الكتب. بالطبع، فإن الاعلان عن "مفاجأة" في نهاية المشروع سوف يساعد في تداول الكتب الموزعة على اشخاص مختلفين وابقاء المشروع قائماً، بما ان استمراره يخضع لاستمرار عملية تداول الكتب.
نحن في سعي دائم الى ايجاد اشخاص يشتركون معنا في الاهتمام ببعض الموضوعات، لان التواصل مع الآخر هو جزء من طبيعتنا الإنسانية. ألم يفرّق ارسطو قديماً الإنسان عن الحيوان من خلال طبيعته الاجتماعية؟ الآن هناك فرصة سانحة، إذ يمكن أي شخص يتقاطع مع الحركة العشوائية لواجدي الكتب التي وزعتها "دار الساقي"، ان يتواصل مع آخرين يشتركون معه في اهتماماته، بما ان الاستمارة المرفقة بكل كتاب تتضمن معلومات عن قراء الكتاب. فقراءة الكتاب نفسه، تخلق مواضيع مشتركة بين الأفراد، "علّ النقاشات المشتركة تؤدي الى خلق حالة ثقافية عامة، ونشاطات مشتركة وأشياء أخرى" كما توضح مديرة العلاقات العامة والتسويق في الدار. تعتبر ظاهرة ما يمكن تسميته بـ"الكتاب الرحالة" ظاهرة ذات دلالات واسعة يأتي في مقدّمها تفوّق غيرية الانسان على انانيته، واقتناعه بأن الافكار التي نحتفظ بها لانفسنا تفقد كثيراً من رونقها واهميتها، لأن ما يسبغ عليها هذه الصفات هو مشاركة آخرين لنا فيها. تنتشر هذه الظاهرة بقوة في الغرب، ويتم تناولها تحت اسم Book Crossing، وقد بدأت في الولايات المتحدة الاميركية بمبادرة من رون هورنبايكر المقيم في ميسوري، لتنتقل العدوى من هناك الى معظم دول العالم. والعدوى لها موقعها في هذه الظاهرة، بل هي جوهرها، فهدفها يتمثل في نقل عدوى القراءة والمعرفة بين البشر.
في لبنان، هذه الظاهرة خجولة جداً، فلا نعرف نموذجاً من الكتّاب الذين ينسون كتبهم وراءهم ليجدها القراء، على عكس الحالة في الغرب حيث هناك نماذج كثيرة من هؤلاء الكتّاب. هناك مبادرات فردية تمّت، كمبادرة الشاعرة جمانة حداد المتأثرة بهذه الظاهرة، حين اختارت ثلاثة كتب عربية لثلاثة مؤلفين لبنانيين من مكتبتها و"اطلقت سراح" الكتب الثلاثة في ثلاثة اماكن بيروتية مختلفة (حديقة الصنايع، مقهى في وسط المدينة، دكان صغير في شارع الحمرا)، تاركة عليها اسمها وتاريخ تركها، وموجِّهة رسالة رجاء تقول في آخرها: "ثلاثة كتب مسافرة. ثلاثة أحلام. ثلاثة من أولادي، مصيرها منذ اليوم بين ايديكم. اعتنوا بها" ("النهار"، 2005/9/26). الآن، مع مبادرة "دار الساقي"، اصبح تبني الظاهرة مؤسساتياً، فهل تنتقل هذه العدوى المباركة لهذه الظاهرة الى دور نشر أخرى؟ بل الى فئات المجتمع؟
تبدأ علاقة القارئ مع الكتب بكتاب يقع عليه بالمصادفة، فيقرأه ويشعر بمتعة الخوض في موضوعات لم يتطرق اليها سابقاً، وبعدها تصبح قراءته للكتب عادة يومية تشكل جزءاً من معالم شخصيته. قراءة كتاب ربما تسفر عن رغبة دفينة لموضوع لم نكن على علم برغبتنا فيه، وتخرج الى العلن حباً مكبوتاً كان ينتظر الشريك. سيقرأ واجد احد الكتب الموزعة الكتاب بدافع الفضول، او لأي سبب آخر، ربما يكون اعجابه بغلاف الكتاب. وستكون امامه فرصة لاكتشاف صلته بعالم الكتب، صلة قد تضيف الى عاداته اليومية عادة القراءة، فنحتفي معه بولادة قارئ جديد
عن ملحق النهار الثقافي



أضف تعليقا