|
|
مختارات متنوعة
الرصافي .. الشاعر المعذب | الرصافي .. الشاعر المعذب |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 15 تشرين الثاني 2007 الساعة 14:49 | ||
|
كلما أنظر الى الترف الذي يعيشه الشعراء، أو على الأقل مشاهير الشعراء، في هذه الأيام، أتذكر الفقر وشظف العيش الذي عاشه شعراء الأمس. وأول من يرد منهم الى ذهني هو معروف الرصافي الذي كنت أراه وأنا صبي صغير يقضي وقته لابسا الغترة والعقال، جالسا على حافة الطريق في الأعظمية، لا يدري من أين سيأتيه عشاء اليوم. فبالضبط كان كثيرا ما يتوقف طعامه على ما يجود به الكرام من الجيران. كانت السكائر شحيحة في تلك الأيام، أيام الحرب العالمية الثانية، واعتادت مديرية التبوغ العامة على توزيعها بالتقنين. ويظهر أن مدير المؤسسة كان من عشاق شعر الرصافي فاستغل سلطته وخصص كمية لا بأس بها من السكائر المقننة للشاعر الكبير، الذي سارع بدوره الى بيعها بالسوق السوداء ليقتات من فرق السعر. وهكذا يمكن القول إن الرصافي عاش من الاتجار بالسوق السوداء. وكنا جميعا نعتبر ذلك أهون بكثير من المتاجرة بالوطنية. ولكن الأمور الآن انقلبت بالمعكوس كما نعرف. ومع ذلك فإن ما كان يكسبه من بيع السكائر لا يكاد يسد إيجار البيت، مما اضطره الى شراء طعامه وشرابه من سكر وشاي ودهن ونحو ذلك من دكان جمعة العطار بالنسيئة. وأصبح موضوع تسديد الدين للعطار سجلا من الخصام والعراك. وكثيرا ما أثقل الدائن في كلامه وتأنيبه للشاعر. كان يقول له: «لو كان عندك عقل كان شفت لك مهنة بيها خير وتوكلك خبز. لا أن تشتغل بالشعر». أخيرا قرر العطار اعتبار الشاعر معسرا وعاجزا فامتنع عن بيعه أي شيء. لم يستطع الشاعر أن يرد على هذا الظلم بغير أن ينفس عن مشاعره شعرا فقال: عجبا لأهل الأعظمية كيف لا يرضون جيرة جمعة العطار جاورته زمنا وكان جواره في منتهى الانصاف، شر جوار كان المنتظر من العطار وقد خلده الشاعر بشعره أن يفتح له دكانه ويقول له خذ ما تريد. ولكنه لم يفعل، ففي ذلك الزمن كان الناس حكماء ويعرفون أوادمهم ولم يعتبر الشعر أو قائل الشعر شيئا ذا بال. بقي الرصافي يعاني من الجوع والمرض. وعندما توفي في أواخر الأربعينات، لم يترك ما يكفي لدفنه فتبرع المحسنون بثمن كفنه وتابوته وقبره. ولكن مشكلة ظهرت بشأن دفنه. فقد تقرر أن يدفن قرب الإمام أبي حنيفة، ولكن خصمه الشاعر الزهاوي سبقه واحتل الركن المجاور للإمام. اتفق الجميع أن دفنه في جوار الزهاوي سيؤدي لنزاع وعراك يستمر ليوم الحشر. فعبروا الشارع ودفنوا الرصافي في الجانب الآخر بعيدا عن الإمام أبي حنيفة. وهكذا عاش هذا الشاعر مظلوما في حياته ومماته. المهم أن جمعة العطار لم يعترض طريق الجنازة ويقول، لا يدفن هذا الرجل حتى يسدد حساب السكر والشاي والدهن. المنصدر: الشرق الأوسط
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|