ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow «جنوب الحدود، غرب الشمس»: حياة ناقصة
«جنوب الحدود، غرب الشمس»: حياة ناقصة Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
15 تشرين الثاني 2007 الساعة 15:24
ابراهيم حاج عبدي  - الحياة
حين تقع رواية يابانية بين يدي القارئ يتوجس قليلاً، ويتردد في المجازفة بقراءتها. مبعث هذا الشعور هو أن الأدب الياباني ليس شائعاً في العالم العربي كما هي الحال، مثلاً، مع التكنولوجيا اليابانية الرائجة والتي تتمتع بجودة عالية، وسمعة طيبة. نحن نعرف اليابان أكثر من خلال ماركات السيارات والأدوات السمعية والبصرية، والأجهزة الإلكترونية. أما الأدب الياباني فيكاد يكون غائباً، إذ قلما تغامر دور النشر العربية بترجمة نتاج ثقافة بعيدة ومختلفة، كالثقافة اليابانية.

هذا الحاجز الوهمي يتبدد مع رواية «جنوب الحدود، غرب الشمس» للروائي الياباني هاروكي موراكامي الصادرة أخيراً بترجمة صلاح صلاح عن المركز الثقافي العربي (بيروت، الدار البيضاء - 2007) . من الصفحات الأولى يكتشف القارئ بأنه إزاء نص سهل، سلس، ولدى الغوص في المتن يجد أن المضامين والأفكار، كذلك، قريبة من مشاعره ورؤاه. فالأدب الصادق، وإن كان مغرقاً في المحلية، يخترق الحدود والحواجز، ويعثر على المتلقي أينما كان، ولعل المثال الأبرز في العالم العربي هو غابرييل غارسيا ماركيز الذي تتسابق دور النشر العربية على نشر أعماله.

عنوان الرواية «جنوب الحدود، غرب الشمس» هو عبارة عن توليفة ابتدعها خيال الروائي، ليختزل، بهذه الاستعارة الذكية، مزاج بطل روايته، ومخاوفه ورغباته وآماله. «جنوب الحدود» هو عنوان أغنية لنات كينج كول، بينما «غرب الشمس» هو اسم لمرض هستيري يعاني منه الفلاحون في سيبيريا. «فلاح وحيد في تندرا سيبيريا. يحرث الأرض كل يوم ولا يرى شيئاً على مد البصر سوى الشمس والأفق الممتد بلا نهاية محيطاً به من الجهات الأربع. يلقي بمحراثه ذات يوم، ويبدأ بالسير نحو ارض تمتد غرب الشمس، من دون طعام أو شراب، حتى ينهار على الأرض ويموت. تلك هي هستيريا سيبيريا».

هاجيمي، بطل رواية موراكامي، يعاني من هذه الهستيريا، لكن بطريقة مختلفة. فهو يكره الملل، ويبحث عما يعطي لحياته معنى أعمق. وهو يحلم، أيضاً، باكتشاف ما وراء «جنوب الحدود». هذه الأغنية التي كان يعشقها منذ الصغر بقيت معلقة في ذاكرته كتعويذة غامضة، تولد لديه الفضول، وتدفعه نحو حل اللغز الموجود «جنوب الحدود». إنها الأغنية التي رسمت، بصورة لا واعية، مسارات القدر. ولئن كان المقصود بـ «جنوب الحدود» في الأغنية هو «المكسيك». لكن التأويل لدى البطل يحمل كثيراً من الرموز والدلالات. هي كناية عن الرغبة والأمل والطموح «كنت مقتنعا بأن شيئاً رائعاً يكمن جنوب الحدود».

موراكامي، الذي تتصدر رواياته قوائم الروايات الأكثر مبيعاً في العالم، يتناول في هذا العمل سيرة فرد ياباني مذ كان طفلا إًلى أن يبلغ الأربعين. هذا الفرد - بطل الرواية، هو هاجيمي الذي يسرد حكايته بضمير المتكلم وبصيغة الماضي. يقول في مستهل الرواية «يصادف عيد ميلادي 4 كانون الثاني (يناير) 1951 الأسبوع الأول من الشهر الأول من السنة الأولى من منتصف القرن العشرين. أظن أن هذا سبب تسمية والدي لي (هاجيمي) أي (البداية) باليابانية. غير ذلك كانت ولادة طبيعية مئة بالمئة. كان والدي يعمل في محل سمسار بورصة ضخم، وأمي ربة بيت عادية... كنا نقطن في بلدة صغيرة هادئة». وفي حين كانت العائلات تملك طفلين أو ثلاثة، إلا انه كان وحيداً في عائلته. «كنت أعاني من عقدة نقص جراء ذلك»، وكان يلاقي صعوبة في عقد الصداقات، وفي العثور على شخص يتفهم حالة الوحدة التي يعيشها، إلى أن عثر في المدرسة الابتدائية على شيماموتو، وهي، بدورها، طفلة وحيدة لأسرة تعيش في الجوار.

يسهب بطل الرواية في سرد وقائع طفولته، وفي شرح المعاني التي تنطوي عليها مسألة «الطفل الوحيد»، وهو يملك فلسفة خاصة في هذا الجانب. ويتحدث عن عشقه للموسيقى، وعن تعلقه بالكتب، ويركز على تفاصيل علاقته البريئة مع شيماموتو التي كانت تعرج قليلاً، «وكانت لمسة يدها مختلفة عن لمسة أي يد عرفتها في حياتي». ينتقل هاجيمي إلى طوكيو للدراسة الجامعية. هنا يختلف إيقاع الحياة. يخوض علاقات غرامية، ويعمل، بعد التخرج، مدققاً لكتب المناهج المدرسية. يتزوج من فتاة ثرية وينجب أطفالاً. يساعده والد زوجته في افتتاح بارين للموسيقى، بدلاً من عمله الرتيب. ينجح في عمله الجديد، ويجني ثروة طائلة، وعلى رغم أن حياته تسير بلا معوقات لكنه يشعر بأن ثمة شيئاً ناقصاً لا يفلح في تحديده بدقة. إنه «في انتظار غودو». الصحافة تكتب عن نجاحه، ويبدأ أصدقاء الطفولة بالتوافد إلى باره، ومن بينهم شيماموتو، «الطفلة الوحيدة» التي كانت تدرس معه في المرحلة الابتدائية. ففي مساء ماطر، تحصل هذه الزيارة غير المتوقعة. وعند رؤيته لوجه يحتفظ بقسماته في ذاكرته كوشم عنيد، تستيقظ المشاعر الغافية منذ ثلاثين سنة، إذ يعثر البطل، أخيراً، على ضالته التي طالما افتقدها «حين أنظر إليكِ أشعر بأني أحدّق بنجم بعيد مبهر، لكن الضوء آت من قبل عشرة آلاف سنة.

ظهور الحبيبة الغائبة يهدد حياته المستقرة «لا اكترث إلى أين سينتهي بنا الأمر. كل ما اعرفه أني أريد الذهاب معكِ إلى هناك. وأبدأ ثانية». وفي الصفحة قبل الأخيرة، يهجس «كنت أعيش في الفراغ من قبل، وأجبرت نفسي على التأقلم. والآن، أخيراً انتهيت من حيث بدأت، وأفضل لي أن أتعود على ذلك. لا أحد سينسج أحلاماً لي. لقد حان دوري لأن أنسج الأحلام للآخرين. هذا ما علي فعله. ربما ليست لهذه الأحلام قوة، لكن إذا كان لحياتي أي معنى، فهذا ما عليّ فعله».

يصوغ صاحب «الغابة النروجية» روايته هذه برشاقة، وهو يدوِّن بذكاء ما يريد قوله سواء تعلق الأمر بالسرد أم الوصف أو الحوار. وعلى رغم رصده، من خلال أحداث هذه الرواية، لملامح من حياة اليابان المعاصرة، إلا أن براعته تتمثل بالغوص في دواخل البطل، والإحاطة بذلك الغليان الذي يفور في نفسه. يصغي إلى صوت أوجاعه وآلامه، ويرسم الحنين المقيم في زوايا روحه العطشى. فنمط الحياة الرخية الهادئة التي عاشها هاجيمي بقي مبتوراً، وهو نفسه لم يكن ليتوقع أن بركاناً مفاجئا سيهدم حياته الأسرية الآمنة. لكنه اقتنع، أخيراً، بأن حياته ستكون عديمة المعنى من دون تلك الفتاة الجميلة العرجاء التي ظهرت له كنجم مشع في ليلة حالكة.
حين تقع رواية يابانية بين يدي القارئ يتوجس قليلاً، ويتردد في المجازفة بقراءتها. مبعث هذا الشعور هو أن الأدب الياباني ليس شائعاً في العالم العربي كما هي الحال، مثلاً، مع التكنولوجيا اليابانية الرائجة والتي تتمتع بجودة عالية، وسمعة طيبة. نحن نعرف اليابان أكثر من خلال ماركات السيارات والأدوات السمعية والبصرية، والأجهزة الإلكترونية. أما الأدب الياباني فيكاد يكون غائباً، إذ قلما تغامر دور النشر العربية بترجمة نتاج ثقافة بعيدة ومختلفة، كالثقافة اليابانية.

هذا الحاجز الوهمي يتبدد مع رواية «جنوب الحدود، غرب الشمس» للروائي الياباني هاروكي موراكامي الصادرة أخيراً بترجمة صلاح صلاح عن المركز الثقافي العربي (بيروت، الدار البيضاء - 2007) . من الصفحات الأولى يكتشف القارئ بأنه إزاء نص سهل، سلس، ولدى الغوص في المتن يجد أن المضامين والأفكار، كذلك، قريبة من مشاعره ورؤاه. فالأدب الصادق، وإن كان مغرقاً في المحلية، يخترق الحدود والحواجز، ويعثر على المتلقي أينما كان، ولعل المثال الأبرز في العالم العربي هو غابرييل غارسيا ماركيز الذي تتسابق دور النشر العربية على نشر أعماله.

عنوان الرواية «جنوب الحدود، غرب الشمس» هو عبارة عن توليفة ابتدعها خيال الروائي، ليختزل، بهذه الاستعارة الذكية، مزاج بطل روايته، ومخاوفه ورغباته وآماله. «جنوب الحدود» هو عنوان أغنية لنات كينج كول، بينما «غرب الشمس» هو اسم لمرض هستيري يعاني منه الفلاحون في سيبيريا. «فلاح وحيد في تندرا سيبيريا. يحرث الأرض كل يوم ولا يرى شيئاً على مد البصر سوى الشمس والأفق الممتد بلا نهاية محيطاً به من الجهات الأربع. يلقي بمحراثه ذات يوم، ويبدأ بالسير نحو ارض تمتد غرب الشمس، من دون طعام أو شراب، حتى ينهار على الأرض ويموت. تلك هي هستيريا سيبيريا».

هاجيمي، بطل رواية موراكامي، يعاني من هذه الهستيريا، لكن بطريقة مختلفة. فهو يكره الملل، ويبحث عما يعطي لحياته معنى أعمق. وهو يحلم، أيضاً، باكتشاف ما وراء «جنوب الحدود». هذه الأغنية التي كان يعشقها منذ الصغر بقيت معلقة في ذاكرته كتعويذة غامضة، تولد لديه الفضول، وتدفعه نحو حل اللغز الموجود «جنوب الحدود». إنها الأغنية التي رسمت، بصورة لا واعية، مسارات القدر. ولئن كان المقصود بـ «جنوب الحدود» في الأغنية هو «المكسيك». لكن التأويل لدى البطل يحمل كثيراً من الرموز والدلالات. هي كناية عن الرغبة والأمل والطموح «كنت مقتنعا بأن شيئاً رائعاً يكمن جنوب الحدود».

موراكامي، الذي تتصدر رواياته قوائم الروايات الأكثر مبيعاً في العالم، يتناول في هذا العمل سيرة فرد ياباني مذ كان طفلا إًلى أن يبلغ الأربعين. هذا الفرد - بطل الرواية، هو هاجيمي الذي يسرد حكايته بضمير المتكلم وبصيغة الماضي. يقول في مستهل الرواية «يصادف عيد ميلادي 4 كانون الثاني (يناير) 1951 الأسبوع الأول من الشهر الأول من السنة الأولى من منتصف القرن العشرين. أظن أن هذا سبب تسمية والدي لي (هاجيمي) أي (البداية) باليابانية. غير ذلك كانت ولادة طبيعية مئة بالمئة. كان والدي يعمل في محل سمسار بورصة ضخم، وأمي ربة بيت عادية... كنا نقطن في بلدة صغيرة هادئة». وفي حين كانت العائلات تملك طفلين أو ثلاثة، إلا انه كان وحيداً في عائلته. «كنت أعاني من عقدة نقص جراء ذلك»، وكان يلاقي صعوبة في عقد الصداقات، وفي العثور على شخص يتفهم حالة الوحدة التي يعيشها، إلى أن عثر في المدرسة الابتدائية على شيماموتو، وهي، بدورها، طفلة وحيدة لأسرة تعيش في الجوار.

يسهب بطل الرواية في سرد وقائع طفولته، وفي شرح المعاني التي تنطوي عليها مسألة «الطفل الوحيد»، وهو يملك فلسفة خاصة في هذا الجانب. ويتحدث عن عشقه للموسيقى، وعن تعلقه بالكتب، ويركز على تفاصيل علاقته البريئة مع شيماموتو التي كانت تعرج قليلاً، «وكانت لمسة يدها مختلفة عن لمسة أي يد عرفتها في حياتي». ينتقل هاجيمي إلى طوكيو للدراسة الجامعية. هنا يختلف إيقاع الحياة. يخوض علاقات غرامية، ويعمل، بعد التخرج، مدققاً لكتب المناهج المدرسية. يتزوج من فتاة ثرية وينجب أطفالاً. يساعده والد زوجته في افتتاح بارين للموسيقى، بدلاً من عمله الرتيب. ينجح في عمله الجديد، ويجني ثروة طائلة، وعلى رغم أن حياته تسير بلا معوقات لكنه يشعر بأن ثمة شيئاً ناقصاً لا يفلح في تحديده بدقة. إنه «في انتظار غودو». الصحافة تكتب عن نجاحه، ويبدأ أصدقاء الطفولة بالتوافد إلى باره، ومن بينهم شيماموتو، «الطفلة الوحيدة» التي كانت تدرس معه في المرحلة الابتدائية. ففي مساء ماطر، تحصل هذه الزيارة غير المتوقعة. وعند رؤيته لوجه يحتفظ بقسماته في ذاكرته كوشم عنيد، تستيقظ المشاعر الغافية منذ ثلاثين سنة، إذ يعثر البطل، أخيراً، على ضالته التي طالما افتقدها «حين أنظر إليكِ أشعر بأني أحدّق بنجم بعيد مبهر، لكن الضوء آت من قبل عشرة آلاف سنة.

ظهور الحبيبة الغائبة يهدد حياته المستقرة «لا اكترث إلى أين سينتهي بنا الأمر. كل ما اعرفه أني أريد الذهاب معكِ إلى هناك. وأبدأ ثانية». وفي الصفحة قبل الأخيرة، يهجس «كنت أعيش في الفراغ من قبل، وأجبرت نفسي على التأقلم. والآن، أخيراً انتهيت من حيث بدأت، وأفضل لي أن أتعود على ذلك. لا أحد سينسج أحلاماً لي. لقد حان دوري لأن أنسج الأحلام للآخرين. هذا ما علي فعله. ربما ليست لهذه الأحلام قوة، لكن إذا كان لحياتي أي معنى، فهذا ما عليّ فعله».

يصوغ صاحب «الغابة النروجية» روايته هذه برشاقة، وهو يدوِّن بذكاء ما يريد قوله سواء تعلق الأمر بالسرد أم الوصف أو الحوار. وعلى رغم رصده، من خلال أحداث هذه الرواية، لملامح من حياة اليابان المعاصرة، إلا أن براعته تتمثل بالغوص في دواخل البطل، والإحاطة بذلك الغليان الذي يفور في نفسه. يصغي إلى صوت أوجاعه وآلامه، ويرسم الحنين المقيم في زوايا روحه العطشى. فنمط الحياة الرخية الهادئة التي عاشها هاجيمي بقي مبتوراً، وهو نفسه لم يكن ليتوقع أن بركاناً مفاجئا سيهدم حياته الأسرية الآمنة. لكنه اقتنع، أخيراً، بأن حياته ستكون عديمة المعنى من دون تلك الفتاة الجميلة العرجاء التي ظهرت له كنجم مشع في ليلة حالكة.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم