|
يا أيتها الدنيا سيكون لنا صولات وجولات, لقاءات وحوارات, مشاجرات وعناقات...
أتجول عبر الفصول, أسابق أميرة الثلج وأنافس قلق الأشجار, شمس منسابة لطالما أحببتها تأتي من زمن تريث الفراشات في زنابقها... أتجول في مساءات مكررة دون أن ألقي عليها التحية, وأضواء المدينة تفصح عن قسماتها ليحدق كل منّا بالآخر بإلفة بريئة تستلقي على طول الشوارع لترتاح. أقطع الجهات السبع غريبا أينما اتجهت, ما بين سماء الله وأرضنا الملطخة برموز سرمدية وطلاسم قدر لم أفهم مبتغاها إلا عندما عرفتكِ...
في رأسي فكرة, هي ومناف وأنس وعماد أعز أصدقائي, منذ زمن الغيوم, عندما كان باستطاعتي الوصول إلى القمر بكلتا يدي وتدويره بأصابعي كيف أشاء, فكرة عن فوضى مؤنسة, جزر مباركة وحكايا غريبة محصورة بين جبال الدنيا الخفّاقة وبحر بملائكته الحارسة, بحر يشاركني صفاء معلق بين الوقت والياسمين... فكرة هي أنتِ. أتجول وأراقب حب الله في أخاديد المدينة المبتسمة, في روح كل طفل وليد, في ولادة عسيرة لكل نبع من رحم الصخور, في دمدمة الألوان وطقطقة الفستق الحلبي, في الغابات وسباق الأشجار, وكيف تتعالى أشجار الحور منتصرة, في حديث الجبال المتحفظ عن طيور قهرت قوانين الطبيعة والجاذبية متشبثة بعناد هواء يصدّع ملامح الأشياء... غيوم تسرد الحكايا عن جذور عانقتها مرة في زمن لا يعلم عمره سوى صدى متكسر لا يسمعه أحد. أتجول على مكنونات ذاكرة الكتب, كتب تتكلم عن محاربين قدامى, محاربين لا يقهرون وأبطال متفردون يسكنون مكانا أعلى من الجبل. بساتين من ورود بعضها يخبرنا عن أسماءها, ورود شظّتها اللغة بأسماء غريبة, تلك الورود كالرجال القليلي الكلام, أقلها كلاما كان أفضلها وأجملها وأسحرها, شممت عطرها وشذاها وتعلمت أسماءها التي تنمو رغما عن السواد بكل ما تتصف من حياة مستقلة وكفاح صامت مثابر للبقاء, إنها من أؤلاءك المحاربين ولا ريب, فقد رأيتها تصارع هدر الرياح وتجهم العواصف, لا عجب أن تكون غاضبة لاهثة وشائكة أحيانا حينما يبني الشتاء جُدره إلى أن ترص صفوفها ثانية في ربيع عصي على الوصف.
ومع آهات حرّة تخرج من عمق الإنسان بلا انقطاع, تحمل فرط السعادة والفرح ما بين سرور وغبطة, آن لي أن أقول: فلتعلمي يا حبيبتي أنه عندما عرفتك علمت أنه لا وجود للجنة كما تصفها الكلمات... فالجنة أجمل بكثير منير الدهني
|