|
|
مختارات متنوعة
الذين هبطوا من السماء | الذين هبطوا من السماء |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 17 تشرين الثاني 2007 الساعة 14:57 | ||
|
ليس للعنوان أدني علاقة بأساطير الأطباق الطائرة والكائنات الفضائية أو بكتاب أنيس منصور الشهير في ذلك الشأن؛ بل الأمر يتعلق ببشر حقيقيين هبطوا من فضاء الإنترنت واستطاعوا أن يجدوا لأنفسهم مكاناً بين الشعوب التي تستوطن مصر هذه الأيام!
ولا بد للمراقب أن يندهش من ظاهرة اتساع الوطن المصري الواحد لشعوب متعددة، ثلاثة علي الأقل لاتتماس ولا تتمازج إلا نادراً. ومصدر الدهشة أن هذا البلد بالذات اختصاصي في التذويب والتوحيد، ابتلع غزاته علي مر التاريخ وأذابهم في خلطته، من الهكسوس والليبيين والفرس إلي ضباط الحملة الفرنسية الذين لم يصلوا إلي الشواطيء المصرية حتي وقعوا في عشق نسائها ووقع رجالها في عشقهم! لكن شيئاً ما حدث في مصر في ربع القرن المبارك الأخير، وضع الأسوار بين الشعوب المصرية، فأصبح هناك شعب الصورة الذي يستوطن الكاميرا في الاحتفالات الرسمية والمسلسلات التليفزيونية، وموطنه الأصلي المنتجعات الشاطئية والمدن المغلقة ببوابات حول عنق القاهرة، وهناك شعب العمال والمهنيين وصغار التجار والزراع من فلول الطبقة العمالية وشرائح الطبقة الوسطي الكسيرة، بالإضافة إلي شعب باطن الأرض الذي فقد زعيمه بإعدام التوربيني مغتصب الأطفال في الأنفاق وفوق القطارات وتحت الجسور. وقد تم اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمنع اختلاط الشعوب الثلاثة أو تحرش أحدها بالآخر، فمعازل الشعب الأول محروسة جيداً، وعندما يضطر بعض أبناء ذلك الشعب لقطع نطاقات الشعب الثاني توضع السواتر المعدنية علي الجسور حتي تخفي وراءها رثاثته، وعندما لايكون هناك مفر من افتتاح مدرسة من مدارس الشعب الثاني يتم تجليد الجدران البائسة بقماش الخيامية، وفرش الأرض بالسجاد، بينما يأتي المفتتحون بأطفالهم معهم من مدارس الشعب الأول، ليحلوا محل أطفال الشعب الثاني غير المدربين علي الابتسام! ونادراً ما يفرض الشعب الثاني أو الثالث ظهوره في مفاجآت غير محسوبة، كأن تغرق باخرة حجاج أو قارب مهاجرين، أو أن يتجبر التوربيني علي شعبه التحت أرضي، وفي مثل تلك المناسبات يكون من الضروري أن يتحرك قادة الشعب الأول، يستعرضون الجثث ويأمرون بالدفن ويعودون إلي معازلهم الآمنة تحت الأضواء، وهكذا. وكان من المتوقع أن يستمر الحال علي هذه الصورة لولا مولد شبكة الإنترنت ـ هبة الأمريكيين للشعوب غير المرئية ـ وقد كان المصريون سباقين إلي استخدامها، من دون رهان مسبق علي ما يمكن أن تفعله، بل ربما كان اليقين في الناحية الأخري، حيث تشكك الكثيرون في إمكانية تحسين شروط حياة الشعبين غير المرئيين في مصر من خلال جهود كائنات افتراضية! لكن الصيرورة التاريخية شيء والافتراضات المسبقة شيء آخر، إذ سرعان ما خرج شباب المدونين إلي العلن، وصاروا وقود مظاهرات الاحتجاج السياسي ممثلاً في حركة كفاية بتفريعاتها النوعية المختلفة، كما صارت لهم منتدياتهم ومقاهيهم. ويبدو أن شعب الإنترنت اكتشف أن ما يريده أكبر من حركة احتجاج سياسي ضد الشعب الأول، يقودها شيوخ منهكون من آباء الشعب الثاني، لأن هذا الأخير لايتمتع بالانسجام الذي يؤهله للتصدي للشعب الأول. وهكذا بدأت حركة المدونين المصريين جهودها لتوحيد الشعب الثاني عبر مدوناتهم التي تحفل بالخروج علي قيم اللغة وفقهها لكنها تحفل أيضاً بالأسئلة الجديدة حول علاقة الإنسان بالعالم، وعلاقته بمكانه، الذي لم يعد وطناً بالمعني القمعي التلقيني وغير الملموس. ولم يقو المدونون علي البقاء طويلاً في الفضاء الافتراضي، فخرجوا أخيراً إلي العلن في مجلات وكتب دورية جديدة، أبرزها حتي البوصلة التي صدر عددها الرابع مكرساً لمحور عن المرأة المصرية في أسئلة تطرحها النصوص حول الجسد والثقافة والسياسة. ويبدو أن سلطة الكلمة المطبوعة علي ورق تتحول مباشرة إلي ضفاف توجه الموجات الكاسحة علي الإنترنت في نهر محدد المسار، وهذا ليس سيئاً أبداً، فما أضافته المجلة لم يكن سوي القليل من الانضباط اللغوي، بينما بقيت أسئلة هذا الجيل الجديدة، بمفهومه للحرية الأكثر جذرية واتساعاً. الوطن والحرية مفهومان يتطابقان، عند هذا الجيل. ومع سينثيا فرحات الرسامة والمدونة نكتشف تعريفاً جديداً لهما: المشي في أمان! تقول: اتصلت بي صديقتي وقالت لي: تعالي نعمل حاجة مجنونة. قلت لها: خير! قالت لي: تعالي نتمشي في الشارع وتروي المدونة ما تعرضت له فتاتا الرابعة عشرة لأنهما ارتكبتا جرماً فادحاً؛ ابتسمتا للمارة فتعرضتا للتحرش. ومن يومها أصبح المشي أكبر نشاط يؤرقها بما يصاحبه من استعدادات قصوي منها افتعال الجهامة والتحفز، وأصبحت تحرص علي السفر إلي الخارج كلما تيسر لها ذلك لكي تمشي، فقط لكي تمشي وتبتسم للآخرين بحرية! وتحت عنوان وماذا عن الجسد تطرح المدونة زبيدة أسئلتها حول جسد المرأة التي اكتفت في نضالها بهدف توسيع الأسوار حوله لا إزالتها، وأصبح ما يعطي للمرأة من حقوق رهن بما يظنه الرجال عن جسدها، ذلك الغريب الذي كلموها عنه في طفولتها قبل أن تختبره. علي أن الاستشهاد بمدونتين لفتاتين هنا لايعني أننا بصدد ثورة نسائية ضد الرجل، إذ يكتب رجائي موسي: لماذا نحدق في النساء؟ وبارتكاز علي دراسات بارت، فوكو، لاكان، وسواهم، يدرس الواقع السياسي المصري من زاوية التحديق بالمرأة! الدولة التي لم تنشأ نتيجة لعقد اجتماعي تقوم علي جيش من المحدقين والبصاصين، وكان من نتيجة التحديق مولد نسوية الدولة عبر المجلس القومي للمرأة والطفل، وفي مقابلها هناك تحديقة الإخوان، وتحديقة الجماعات الأكثر تشدداً، وهناك أخيراً تحديقة الخارج القادمة من المؤسسات المانحة وسواها، ولكل تحديقة شروط يجب أن تحيا المرأة وفقها. وينتهي موسي إلي المأساوي في الأمر، وهو أن تستثمر السلطة والجماعات التحديق حتي يصير موضوعاً للمتعة واختباراً للسلطة والنفوذ، فترغب النساء في التحديق مثلما ترغب الجماهير في السلطة! نحن بصدد وعي جيل جديد غادر زمن التلقين والشعار والكلام الساكت، وخرج ببوصلته لتحديد إحداثيات الواقع بجهود عدد من المدونات والمدونين الشباب مع مجايليهم من باحثين جدد لمعت أسماؤهم مؤخراً، مثل شريف يونس، عمرو عزت، وعمرو عبدالرحمن. جيل يفكك منظومة القهر بالعودة إلي الجسد وحواسه، أصدق مداخل المعرفة وأكثرها إقناعاً. ومن شأن هذا أن يجبر الكسر في وعي الشعب الثاني علي الأقل، ويحاول بهذا الوعي الجديد أن يردم الهوة بين القوي السياسية التي يتبدي اختلافها أكثر ما يتبدي في التحديقة إلي المرأة. أما المفارقة المهمة، فتكمن في أن هذا الجيل القادم من فضاء الإنترنت، ليؤسس لمفهوم جديد للحرية ويدمج الأمصار في مصر واحدة، يؤسس في الوقت ذاته لصدع كبير في الكتابة السياسية والاجتماعية، ولن تلبث الهوة أن تبتلع الكتابة الديناصورية القديمة، كتابة الشعار التي تحدق بشراهة، وتخلو الساحة لأقلام توميء وتبتسم بألفة، فتؤسس لمجتمع وثقافة جديدين. نقلاً عن القدس العربي
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|