إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الوثيقة المنسوبة لعمر بن الخطاب في العراق وفي الأقطار الأخرى
الوثيقة المنسوبة لعمر بن الخطاب في العراق وفي الأقطار الأخرى Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
17 تشرين الثاني 2007 الساعة 15:20
عبدالله ابراهيم   الحياة

أورد المسعودي في كتابه»مروج الذهب» وثيقة مهمة جداً، أكد أنها تعود إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب. ومع أن أفكارها وأحكامها شديدة الشبه بما كان شائعاً خلال عصر المسعودي في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) فإن تأكيده على أنها متصلة بصدر الإسلام، وأنها مكتوبة خصيصاً من أحد «حكماء» ذلك العصر، جواباً عن سؤال وجهه إليه عمر بن الخطاب، يضفي عليها أهمية استثنائية لأنها تكشف النظر إلى العراق باعتباره مركزاً قد تشكّل في وقت مبكر جداً، وقد ركّبت عناصر الوثيقة طبقاً لأيديولوجيا التمركز الثقافي المتأخرة، ومضمون الوثيقة يوافق مناخ التفكير السائد في العصر العباسي، بعيداً كل البعد عما كان شائعاً في عصر صدر الإسلام.

تكشف ما سنصطلح عليه بـ «وثيقة عمر»جملة من الأمور الأساسية، ولعل أهمها على الإطلاق أن»الحكيم» المجهول الذي كتبها وبعثها إلى عمر، كان ينظر إلى العالم على أنه ثلاثة عوالم، أولها: العالم العربي، وفيه: الشام، ومصر، والحجاز، والمغرب، والعراق، والجزيرة، وثانيها: العالم الإيراني، وفيه: الجبال، وخراسان، وفارس، وخورستان، وثالثها: الهند، والصين، وبلاد الروم. وهو التقسيم التقليدي الشائع آنذاك: دار العرب، ودار الإسلام، ودار الحرب. لكن نظرته كانت ترتب هذه العوالم بحسب أهميتها، وأهمية البلدان فيها. وهذا يكشف أن هذه الوثيقة تضع العراق في المركز، ثم تنضّد البلاد الأخرى إلى جانبيه شرقاً وغرباً، فهو المركز بالنسبة اليها كما سيتضح.

ويسند المسعودي الخبر الخاص بـ «وثيقة عمر» إلى «ذوي الدراية» الذين ذكروا أن الخليفة الراشدي الثاني حين فتح العراق، والشام، ومصر، وبلاداً أخرى، كتب إلى حكيم من حكماء عصره: «إنّا أناس عرب، وقد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن نتبوأ الأرض، ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره التربة والأهوية في سكانها». فكتب إليه ذلك الحكيم إن «الله قسّم الأرض أقساماً: شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، فما تناهى في التشريق فهو مكروه لاحتراقه وناريته وحدته وإحراقه لمن دخل فيه، وما تناهى مغرباً أيضاً أضر سكانه، لموازاته ما أوغل في التشريق، وهكذا ما تناهى في الشمال أضّر ببرودته وقرّه وثلوجه وآفاته الأجسام فأورثها الآلام، وما اتصل بالجنوب وأوغل فيه أحرق بناريته ما اتصل به من الحيوان، ولذلك صار المسكون من الأرض جزءاً يسيراً، ناسب الاعتدال، وأخذ بحظه من حسن القسمة».

وبعد أن انتهى الحكيم من مقدمته الجغرافية - المنطقية هذه التي تستعيد في تضاعيفها أفكار بطليموس وجالينوس حول تاثير المناخ في البشر، انتقل ليصف القطع المسكونة من الأرض، وعلى الوجه الآتي «أما الشام فسحب وآكام، وريح وغمام، وغدق وركام، ترطب الأجسام، وتبلّد الأحلام، أما أرض مصر فأرض قوراء غوراء، ديار الفراعنة، ومنازل الجبابرة، تحمد بفضل نيلها، وذمّها أكثر من حمدها، هواؤها راكد، وحرّها زائد، وشرّها وارد، تكدّر الألوان، وتجنب الفطن... وفي أهلها مكر ورياء، وخبث ودهاء وخديعة، إلا أنها بلد مكسب لا بلد مسكن، لترادف فتنها، واتصال شرورها. أما اليمن فيضعف الأجسام، ويذهب بالأحلام، أما الحجاز فهواؤه حرور، وليله بهور، ينحف الأجسام، ويجفف الأدمغة، ويشجع القلب، ويبسط الهمم، أما المغرب، فيقسّي القلب، ويوحش الطبع، ويطيش اللب، ويذهب بالرحمة، ويكسب الشجاعة، ويقشع الضراعة، وفي أهله غدر، ولهم خبث ومكر. ديارهم مختلفة، وهممهم غير مؤتلفة. أما العراق فمنار الشرق، وسرّة الأرض وقلبها، إليه تحادرت المياه، وبه اتصلت النضارة، وعنده وقف الاعتدال، فصفت أمزجة أهله، ولطفت أذهانهم، واحتدت خواطرهم، واتصلت مسرّاتهم، فظهر منهم الدهاء، وقويت عقولهم، وثبتت بصائرهم. وقلب الأرض العراق، وهو المجتبى من قديم الزمان، وهو مفتاح الشرق، ومسلك النور، ومسرح العينين، ومدنه المدائن وما والاها، ولأهله أعدل الألوان، وأنقى الروائح، وأفضل الأمزجة، وأطوع القرائح، وفيهم جوامع الفضائل، وفوائد المبرات، وفضائله كثيرة، لصفاء جوهره، وطيب نسيمه، واعتدال تربته، وإغداق الماء عليه، ورفاهية العيش به».

ما إن ينتهي حكيمنا من العالم العربي، إلا وينتقل إلى العالم الإيراني، ليستأنف أوصافه التبخيسية التي خصّ بها الشام، ومصر، واليمن، والحجاز، والمغرب، باستثناء العراق الذي ركّب له صورة تبجيلية شفافة. وهنا نلاحظ مرة أخرى ظهور أحكام القيمة السلبية، فـ «الجبال» تخشن الأجسام وتغلظها، وتبلد الإفهام وتقطّعها، وتفسد الأحلام، وتميت الهمم. وأما خراسان فتكبر الهمم، وتعظم الأجسام، وتلطف الأحلام، ولأهلها عقول وهمم طامحة، وفيهم غوص وتفكير، ورأي وتقدير. أما فارس فخصب الفضاء، رقيق الهواء، متراكم الماء، معتم بالأشجار، كثير الثمار، وفي أهله شح، ولهم خب، وغرائزهم سيئة، وهممهم دنيئة، وفيهم مكر وخداع. أما خوزستان فهي كدرة الأهواء، تفسد الأحلام، وتبلد الإفهام، وتخبث الهمم، وتستأصل الكرم، يساق أهله سوق الأنعام، وهم الهمج الطّغام». ثم يمر على»الجزيرة» ويتقدم بوصيته الثمينة للخليفة: «واعلم، يا أمير المؤمنين ان الله تبارك وتعالى قسّم الأرض أقساماً، فضّل بعضها على بعض، فأفضل أقسامها العراق، فهو سيد الآفاق، وقد سكنه أجيال وأمم ذوو كمال». وأخيراً في سطر واحد يجمل كل ما يتصل بدار الحرب: «وأما الهند والصين وبلاد الروم فلا حاجة بي إلى وصفها لك، لأنها منازل شاسعة، وبلدان نائية، كافرة وطاغية».

وقبل أن ننتقل إلى تحليل هذه الوثيقة، يحسن أن نردفها بجواب كعب الأحبار عن سؤال تقدم به إليه عمر بن الخطاب عن العراق، فكان جوابه: «يا أمير المؤمنين، إن الله لما خلق الأشياء ألحق كل شيء بشيء، فقال العقل: أنا لاحق بالعراق، فقال العلم: وأنا معك. فقال المال: وأنا لاحق بالشام، فقالت الفتن: وأنا معك. فقال الخصب: وأنا لاحق بمصر، فقال الذل، وأنا معك. فقال الفقر: وأنا لاحق بالحجاز، فقالت القناعة: وأنا معك. فقال الشقاء وأنا لاحق بالبوادي، فقالت الصحة: وأنا معك».

تكشف هذه الوثيقة مجموعة من الإكراهات التي تهدف إلى تثبيت فكرة يستبعد أنها كانت موجودة في العقد الثاني من القرن الهجري الأول، والحقيقة فإن الشرعية الجغرافية والثقافية القائلة بمركزية العراق في العالم الإسلامي بدأت مع العباسيين، وإن كانت الفكرة موجودة في الفكر الإيراني القديم، لكنها نشطت، وقوّت حججها في القرنين الثالث والرابع، ولهذا فإن المسعودي من القرن الرابع - وهو الذي أورد ذلك - كان مشبعاً بأسس تلك الفكرة إلى درجة لم يشكّك بها، لكن النقد الداخلي لهذه الوثيقة سيضعف منطقها وحججها، وأول ما يلاحظ أن الوثيقة تتحدث عن بلاد المغرب بصفتها جزءاً من العالم الإسلامي، والحقيقة أنها لم تفتتح في خلافة عمر، ومحاولات عثمان بن عفان الأولية لم تفلح في فتحها إلى أن قام معاوية بن أبي سفيان، بعد انقضاء الخلافة الراشدية بعشر سنين، أي في عام 50 هجرية الموافق 670ميلادية، بتكليف عقبة بن نافع بأمر الفتح، وهو الذي بنى القيروان. ولم يستتب الأمر للمسلمين في المغرب، أو ما كان يسمى آنذاك بإفريقيا، بسهولة، فبعد أن عزل عقبة بن نافع جرى تمرد واسع، فما كان من الأمويين إلا إعادة عقبة ثانية. والسيطرة النهائية على هذه البلاد لم تتم إلا قرب نهاية خلافة عبد الملك بن مروان(65-86هـ 685-705م) حينما تم القضاء على «الكاهنة» التي تلقب بـ «ملكة البربر» حوالي سنة 83هـ (702م).

ليس ذلك فحسب، بل إن المصادر تورد أن عمر بن الخطاب نفسه منع عمرو بن العاص من الإقدام على فتح إفريقيا، فقد كتب إليه «لا تدخل إفريقيا، فإنها مفرّقة لأهلها غير مجمّعة، ماؤها قاسٍ ما شربه أحد من العالمين إلا قست قلوبهم» إلى ذلك فالمصادر كانت تصفها دائماً بأنها بلاد البربر. والأمر الثاني الذي له الدرجة نفسها من الأهمية هو الحديث عن خراسان وخوزستان وبلاد فارس والجبال، أو ما اصطلح عليه بـ «العالم الإيراني». فلا يمكن الادعاء أن هذه البلاد فتحت جميعها في خلافة عمر، ذلك أن الحدود الشرقية والشمالية لهذه البلاد تقع بعيداً في وسط آسيا. والصحيح أن أجزاء منها فقط فُتحت، وبعد مدة طويلة تم استكمال السيطرة عليها. وهنا يظهر الأمر الثالث الخاص بتقسيم كل البلاد التي أشار «الحكيم» إليها: دارالإسلام، ودار الحرب، كما هو واضح من وصفه للصين والهند وبلاد الروم بأنها «كافرة طاغية».

يرجّح أن هذا التقسيم متأخر، وقد عُرف بعد بزوغ التخوم الفاصلة بين الدارين المذكورتين. وعلى رغم أن هذه الطعون تضعف الأهمية التاريخية للوثيقة، لكنها لا تمس القيمة الأيديولوجية التي تتشبّع بها، فهي تريد دمج جملة من المعطيات المتفرّقة: الجغرافية، التاريخية، والثقافية، والعرقية، للإعلاء من شأن قضية معينة، ومع أنه لا يستبعد أن التنافسات والسجالات السياسية بين العراق وبلاد الشام ومصر والمغرب (وقد بدأت تتشكّل في بعضها كيانات سياسية) وجهّت هذه الوثيقة وجهتها المذكورة، وهي سجالات كانت حامية كما هو معروف في الأدبيات التاريخية، فإن معظم مضامينها مشتقة من المعلومات الجغرافية التي كانت بدأت بالشيوع في القرن الثالث الهجري.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم