| إلى محمود درويش |
|---|
|
|
| نشرة هلوسات البريدية |
|---|
|
بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب. |
مختارات متنوعة
الطبيعة الانسانية واليوتوبيا | الطبيعة الانسانية واليوتوبيا |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 21 تشرين الثاني 2007 الساعة 14:20 | ||
|
من كتاب "الانسان والفكرة" - احمد المهنا - القدس العربي عرف التاريخ العديد من اليوتوبيات. ويقوم جوهر اليوتوبيا علي تصور امكانية تغيير المجتمعات استنادا الي مثل عليا يؤمن بها الناس بحماسة واخلاص، مما يؤدي الي ايجاد العالم السعيد والحر والعادل والمتناسق. كان هذا التصور موجودا في صميم الفكر السياسي اليوناني وما زال الكثيرون يؤمنون به الي يومنا هذا [1] . ويشكل التماهي بين اليوتوبيا وبين القمع، من وجهة نظر تاريخ الأفكار السياسية، الاكتشاف الأساسي في القرن العشرين. ففيه وحده تجلي بمنتهي الوضوح ان اليوتوبيا مهلكة بكل ما للكلمة من معني اذا ما اتخذت موجها للسلوك [2] . قبل القرن العشرين لم تمتلك أي من اليوتوبيات فعلا القدرات التي تمكنها من تحقيق ذاتها. أما في هذا القرن فقد امتلكت قدرات مكنتها من تجربة نفسها بواسطة التكنولوجيا الحديثة. اذ هيأت هذه الأخيرة آلية تجسسية لا يمكن الافلات منها، وقوة قادرة علي القمع بكل نجاح، وفي العمق، ودون ان تترك للأفراد تلك المساحات من الحريات التي كانت مؤمنة فيما سبق بفعل قصور فعالية السلطة. والي جانب القدرات التكنولوجية فان أنواع اليوتوبيا التي جربت نفسها في القرن العشرين تختلف عن نظيراتها في العصور القديمة والوسطي في ناحية جوهرية تتعلق بالموقف من الطبيعة الانسانية. وقد أمكن نشوء هذا الاختلاف أو التميز بفضل الفلسفة الحديثة، ذلك ان الفهم العلمي للدين سمح بولادة اعتقاد -من نوع ديني أيضا-بقدرة الانسان علي أن يحل نفسه محل الله، وبالتالي أن يفعل كل شيء حتي يصبح تحقيق المستحيل ممكنا، والتغيير الجذري لوجه المجتمع والانسان متاحا. يتوضح هذا الاعتقاد علي نحو خاص لدي ماركس. وهو داعية المشروع الاخلاقي الكوني الأكثر جاذبية في القرن العشرين. ان جوهر نظريته يتمثل في امكانية الانسان علي أن يعيد خلق ذاته بشكل مختلف عما كانه علي الدوام: يرتد عذاب الفرد الي تمزقه بين ما يريد وبين ما هو عليه في الأرض. وأصالة ماركس تكمن في قلبه لهذه المفارقة من مجال الطبيعة الانسانية الي مجال التاريخ. فحتي ذلك الوقت كان الفلاسفة يؤمنون بأن سر الانسان انما يكمن في وضعه كمخلوق مركب من خير وشر. أما ماركس فقد جعل ذلك مسألة تاريخية، ظرفية، أي مسألة قابلة للحل. وعلي الرغم مما بين الشيوعية والنازية من بون شاسع فهما تلتقيان في الايمان بامكانية اعادة خلق الانسان خلقا جديدا بالكامل. كلتاهما تنفيان الخطيئة الأصلية عن الطبيعة الانسانية. وقد أحل هتلر في كفاحي محل أوامر الكنيسة فكرته التي تنص علي دعوة الناس لوضع حد للخطيئة الأصلية الحقة ولما تبعها من نتائج مستمرة، ولأن يقدموا للخالق الكلي القدرة كائنات قوية كما أرادها هو وكما خلقها أصلا . وهو يعني بالخطيئة الأصلية الحقة فكرة محرفة مفادها بأن المسيح جاء لتخليص اليهود، الوحيدين الذين يرزأون تحت الخطيئة الأصلية بينما الشعوب الأخري بريئة. ان نفي الخطيئة الأصلية يعتبر أمرا خاصا بكل ايديولوجية ترمي الي كمال الانسان. وفي النازية، كما في الماركسية اللينينية، يجد الانسان نفسه غير كامل وتعيسا لأسباب ظرفية وعرضية: فباستطاعته اذا ما اراد واذا ما اكتسب الوسائل أن يحقق مثله. هذه هي ميزة اليوتوبيات الشمولية التي عرفها القرن العشرون. أما اليوتوبيات الأقدم عهدا فان ابعدها خيالا كان ينطوي علي احساس باشكالية الطبيعة الانسانية. تقوم فرضية الخطيئة الأصلية علي واقعة ازدواج الطبيعة الانسانية. فقدرات صنع الخير وابداء الغيرية وصنع الشر واظهار الأنانية والعنف.. هذه كلها صفات ترتبط بالانسان، انسان كل العصور. وتعبر الأديان السماوية عن فرضية الخطيئة الأصلية من خلال قصة آدم. وآدم مخلوق من طين الأرض ومن نفخة الله في روحه :أي ان طبيعته التكوينية قائمة علي استعدادات مشتركة للخير والشر. والاسلام، مثلا، يعبر عن هذه الرؤية في آيات قرآنية عديدة: ونبلوكم بالشر والخير فتنة والينا ترجعون (الأنبياء / 35) ، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا (لقمان/34)، ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (السجدة/13)، وأخيرا هذه الآية الحاسمة: ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها الشمس(7/8). مهما تكن التفسيرات التي اعطيت لفرضية تفاحة آدم فان لها معني أساسيا يكمن في انتقال الانسان من السماء الي الارض، من الحلم الي الواقع، ومن الصفاء الي عالم يشوبه الفساد. قد نجد الأساس الواقعي الذي تقوم عليه هذه الانتقالة في فرضية الكينونة المزدوجة للطبيعة الانسانية. أو قد نجدها في استحالة انسجام القيم في هذا العالم الذي يقع تحت دائرة ادراكنا. فبعض القيم او المثل العليا لا تستطيع الا ان تتعارض مع بعضها الآخر. ان فكرة الكل المتكامل، الحل النهائي، أو الجنة التي تتعايش في اطارها كل الأمور الخيرة هي فكرة غير قابلة للتحقق. بعض الفضائل الكبري لا تستطيع أن تتعايش بعضها مع بعض. هذه حقيقة مفهومية. قدرنا أن نختار، وكل اختيار قد تتبعه خسارة لا تعوض. العدالة الصارمة بالنسبة لبعض الناس قيمة مطلقة، لكنها لا تنسجم مع قيم أساسية غيرها ليست أقل أهمية مثل الرحمة أو العطف كما يبدو في بعض الحالات الواقعية. كما أن الحرية المطلقة للذئاب هي الموت للحملان. الحرية المطلقة للقوي والموهوب لا تنسجم مع حقوق الضعفاء والأدني موهبة في العيش اللائق. قد تفرض المساواة الحد من حرية اولئك الذين يرغبون في السيطرة. ودون هامش من الحرية لا قدرة لنا علي البقاء كآدميين بما للكلمة من معني، ولكن قد يصار الي تقليص الحرية افساحا في المجال للرفاهية الاجتماعية وتأمين الطعام للجائعين والكسوة للعراة والمأوي للمشردين، وافساحا في المجال لحرية الآخرين من أجل تطبيق العدالة والانصاف في حقهم. كما ان النزعة المتطرفة لتصفية كل انواع اللامساواة تتعارض مع الحرية ومع العدالة. وقد رأينا كيف ان استخدام الشيوعية سلطة الدولة لتصفية اللامساواة الاقتصادية انتهي الي تحطيم أساس الحياة الاقتصادية الحديثة. لقد ثبت في النهاية ان امكانية حل نهائي وهم، ووهم في غاية الخطورة. فاذا اعتقد المرء فعلا بامكانية حل كهذا من المؤكد ان أي ثمن لن يكون باهظا جدا للحصول عليه. بعض المتنبئين المزودين بالسلاح يسعي وراء انقاذ البشرية، والبعض الآخر يريد انقاذ العرق الذي ينتمي اليه فقط بسبب خواصه الأرقي والأرفع. لكن مهما اختلفت الغايتان فان الملايين يذبحون في الحروب او الثورات، في غرف الغاز والمجازر والابادة الجماعية، وكافة الأساليب التي سوف تذكر الأجيال بالقرن العشرين. نتائج اليوتوبيات الشمولية طعنت في الصميم امكانية حل نهائي. فليس هناك اجراء أو بنية تكون قادرة علي تغيير الانسان، وعلي تحويله تحويلا كاملا. فكل محاولة من هذا النوع مصيرها الفشل. ليس ثمة من تنظيم اجتماعي سياسي قادر علي الزعم بامكانية تغيير الطبيعة في الانسان، كما تعتقد بذلك الايديولوجيات المعاصرة (الشيوعية، النازية وانواع من الفاشية). ان كل سياسة تعلن الحرب علي الكينونة هي حرب تتسبب بخلق الارهاب. ولقد أمكن القول بأن الشمولية الشيوعية لم تكن تمرد الخير علي الشر، بل تمرد الخير علي الكينونة، باعتبار أن الشر موجود في الانسان، انه بمثابة بذرة غير قابلة علي الذوبان. ان العالم لم يعرف داعية اخلاقيا اكثر تشددا من كانط، الا أنه نفسه قال في لحظة اشراق : من نسيج الانسان الفاسد لم يصنع أبدا أي شيء مستقيم . نزلت النازية من اليوتوبيا الي حيث يجب أن تكون: في الحضيض، بل انها في الأصل يوتوبيا مضادة أو جحيم. انها علامة مرهقة، ومقلقة، علي الانحطاط الذي يمكن أن ينحدر اليه جنس البشر. في التطبيق تساوت الشيوعية مع النازية. ولكن خارج التطبيق حافظت اليوتوبيا الشيوعية علي مكانة ما في مكتبة اليوتوبيات التاريخية، وهي مكتبة تعبر عن عظمة الطاقة البشرية علي التخيل . وليس هذا هو موقع البحث عن الأسباب الكامنة وراء ذلك، غير انه تمكن الاشارة علي الأقل الي ان المشكلة التي واجهها ماركس تقع في صلب ذلك التوتر الدائم بين الواقع والمثل الأعلي، أو بين الضرورة والحرية. ان عبقرية ماركس تكمن في مواجهة مشكلة شبه مستحيلة، وفي تركها عند وفاته اكثر صعوبة مما كانت عليه حين وجدها. لقد بينت أعمال ماركس، طيلة حياته، ان العمل الانساني تحدده الظروف أكثر مما كان الانسان يتصور، وان التحرر الانساني بدوره ممكن أكثر مما كان يحلم به [3] . والمثل العليا، التي تأخذ بنظر الاعتبار الطبيعه الانسانية، هي شيء آخر غير اليوتوبيا. انها بالذات ما يجعل الانسان انسانا، أي كائنا أخلاقيا يشرع لنفسه ولا يخضع للقوانين الطبيعية الصارمة كبقية المخلوقات. وقد لا تتحقق المثل العليا بالكامل ولكن ليس هناك بديل منها لتحديد الاتجاه وتوليد الطاقة. وعلي اية حال فان المثل العليا هي مجال الجانب الأخلاقي في وظيفة المثقف. وهو الجانب الذي قد تكون الروح الدينية أفضل تجسيد له: نعني بالروح الدينية ذلك النداء الملح بأن يكرس المرء نفسه لهدف أبعد من مجرد ارضاء شخصه. وفي هذه الوظيفة، بشكل خاص، يقع الافتراق بين الثقافة والعلم. فالعلم لا أخلاقي لأن موضوعه لا يدخل في نطاق الأخلاق، اذ ان قيم الخير والشر لا تمت بصلة لكيفية عمل العلم. لكن اذا كانت كيفية عمل العلم بعيدة عن مجال الأخلاق فهل ينبغي ان يكون العلم عامة متحررا من الاسترشاد بالأخلاق؟ العلم والثقافة ان التمييز بين الناس والاشياء، أو بين الانسان والطبيعة، هو نتاج وعي حديث تسبب به ظهور العلوم الطبيعية . كانت الثقافة العالمة في العصر الأوروبي الوسيط بالجملة دينا ولاهوتا. مع ولادة العلوم الطبيعية ، وتخصصها بفهم الطبيعة، انفصل العلم عن اللاهوت. الخطوة التالية كانت انفصال الثقافة ذاتها عن الدين، وتخصصها بفهم الانسان: هكذا ظهرت الفلسفة الحديثة وعلوم الانسان والمجتمع، كما انبثقت الآداب والفنون الحديثة. هذه التحولات مثلت القطيعة الأبستمولوجية (المعرفية) مع نموذج الوعي الاسطوري القروسطي. ويعبر عنها بالمتقابلة: عقل - اسطورة. والاسطورة بالمعني الانثروبولوجي الحديث لم تعد تعني الخرافة او الأكذوبة وانما هي البنية الرمزية المعبرة عن نسق القيم في المجتمع. وبعبارة اخري فان الاسطورة بمعناها التقليدي هي قصص عن موجودات فوق طبيعية تقع بصورة عامة في تاريخ غير زمني وتفسح المجال في بعض الأحيان لطقوس واحتفالات ذات طابع سحري او ديني. أما الاسطورة بمعناها الانثروبولوجي الحديث فتشمل انماطا واسعة من الفاعلية الخيالية الجماعية. وهذه الأنماط تعتبر اسطورية او أساطير بمقدار ما تلجأ الي الانفعالية والخيال أكثر مما تلجأ الي العقل والمحاكمة. وتتخذ هذه الأساطير الخاصة بزماننا صورتين متمايزتين: فبعضها يقع في ماض غير متعين علي وجه التقريب (اسطورة العصر الذهبي) وبعضها الآخر، علي العكس، يتجه نحو المستقبل (الاساطير السياسية). عموما هناك، علي الأقل، مكون دائم للفكر الانساني يغذي الاسطورة: انه الرغبة في الهروب من اليومي [4] . ولذلك فان الجانب الاسطوري قابع في الثقافات الانسانية القديمة والحديثة. ولكن بينما تهيمن العقلية الاسطورية علي المجتمعات التقليدية، أو الهجينة المعاصرة (فلم تعد هناك مجتمعات تقليدية خالصة)، فان تأثيرها يضعف في المجتمعات الحديثة. اجمالا يمكن القول بأن الوعي الاسطوري هو كل ما يناقض الوعي التاريخي او الواقعي المحسوس. لقد تحرر العلم نهائيا وكليا من الاسطورة لكن هذا لم يحدث مع الثقافة. صحيح ان العقل المعلمن الحديث استطاع ان يحقق فتوحات كبري في تمييز الاسطورة عن التاريخ الواقعي، وهذا هو جوهر امتيازه عن العقل الاسطوري. ولكن الوعي الاسطوري يواصل حضوره علي مسرح التاريخ، بوجوه واشكال ومضامين عديدة، حتي في المجتمعات المتقدمة. وهذا بينما ما يزال الوعي الاسطوري يشكل فضاء المجتمعات المتأخرة. ان تناقض العقل والاسطورة لم يحل تداخلهما أو تشابكهما او تبادل المواقع بينهما. فالاسطورة يمكن ان تكون عقلا، والعقل قد يتحول الي اسطورة، كما تختلط هذه بذاك. يتابع اكتافيو باث مراحل التحول من الاسطورة الي العقل في تاريخ المسيحية فيكتشف انها عند ولادتها كانت دين خلاص، ابتكرت فلسفة مع آباء الكنيسة، ثم صارت غيبيات، ومع الاصلاح (الذي استبطن تحولات علمية وثقافية كبري) انتقلت من الغيبيات الي النقد، ومن الطقس الي الأخلاق [5] . ويجمل مفكر آخر تحول المسيحية من الاسطورة الي العقل بمرحلتين أساسيتين: بدأت معادية للحضارة ترقب انتهاء الدنيا وتدعو الافراد لتكميل انفسهم استعدادا لملكوت الله غير عابئة بأي محاولة لاصلاح شوؤن الدنيا. ومع حركة الاصلاح الديني شرعت المسيحية في التحول من دين انتظار نهاية العالم الي دين بذل الجهود لتغيير العالم [6]. القومية في اوروبا تقدم نموذجا آخر لزواج الاسطورة والعقل. لقد تدخلت الاسطورة تدخلا حاسما في مجريات تطوير الاحساس القومي أو الوطني بالانتماء للدولة -الأمة. والدولة - الأمة او الدولة القومية هي صيغة الكيانات السياسية في العصر الحديث. والديمقراطية التي توصف بأنها قمة العقلانية تحتاج الي مسرح للتطبيق هو دولة - امة تلعب عناصر اسطورية دورا مؤكدا في تشييدها. وعلي العكس من ذلك يمكن ان ينقلب العقل الي اسطورة. فالعلمنة، التي هي عنوان تناقض العقل مع الاسطورة، تحولت هي نفسها مرارا الي اسطورة. روبسبير أقام معبدا لدين العقل في كنيسة نوتردام. ومن مجابهة سلطات خنق حرية الفكر انقلب هدف العلمنة في نماذج عديدة الي خنق حرية الفكر، كما حدث خلال الثورة الفرنسية، وأمثلة المنظومة الاشتراكية السابقة. اذا كانت الاسطورة بوجه عام هي عقل الفضاء القروسطي، فان انقلاب العقل الي اسطورة كان وجها مخيفا من وجوه الحداثة او انحرافاتها. وعادة ما يقال لنا بأن التفكير النقدي هو السلاح الأمضي في مواجهة أسطرة العقل. لكن هناك من يقترح شكلا جديدا من الاسطورية ، متوافقا نوعا ما مع العلم، ومانعا لاحتمالات أسطرة العقل، ونقديا ايضا علي طريقته. وبعد طرافة هذا الاقتراح، فان اهميته تكمن في كونه يمثل مقاربة لمفهوم الثقافة في المجتمع الديمقراطي الحديث أو هو تفسير لها بين تفسيرات اخري ممكنة. صاحب هذا الاقتراح هو المفكر الأمريكي نورثروب فراي. ويأتي الاقتراح في سياق تصور او رؤيا للعالم. يري فراي ان عالم الثقافة هو عالم خلقه الانسان نفسه، وسيبقي هو دائما مركزه. ان ثقافته هي تجسيد لقيم ( لرغبات، لآمال، لمخاوف) مجتمع ما. و الالتزام هو موقف الانسان تجاه هذا العالم. يتمثل الالتزام في كل ما يربطنا بالمجتمع الذي نعيش فيه، بعالم ثقافتنا، وكل ما يساهم في سلامتها. في المقابل فان عالم الطبيعة، عالم الزمان والمكان، مصنوع من المعطيات الموضوعية المستقلة عن ارادة الانسان، وليس المرء فيه سوي عنصر بين عناصر اخري. وموقف العالم تجاهه هو الحرية: موقف تفحص متجرد للوقائع التي تحيط بنا. فلا توجد أي مسؤولية للعالم غير الوصف الدقيق لموضوعه. في اللغة تتجسد مواقف الالتزام والحرية في نمطين كبيرين من الخطابات يسميهما فراي العلم والاسطورية. يجعل العلم، المتمثل خاصة في العلوم الطبيعية، العالم موضوعيا، وهو يرفع التجرد والزهد الي صف الفضائل الأساسية، ويعترف بالتحقق التجريبي والتفكير المنطقي كحجتين وحيدتين. ويستعمل فراي مفهوم الاسطورية بمعني واسع: انه مجموعة الخطابات التي تعبر عن علاقة الانسان بالقيم. ان اسطورية ما هي نموذج ثقافي يعبر عن الطريقة التي يريد بها الانسان تشكيل واصلاح الحضارة التي خلقها بنفسه: ولهذا المعني يستخدم عادة لفظ ايديولوجيا (بالمعني الذي لا توضع فيه بتعارض مع العلم). فراي يفضل الجذر اسطورة الذي يوحي بأن هذه الخطابات هي، بصورة غالبة، قصص. ان الاسطورية هي نتاج الخيال وتعبير عن المثال، وهذا هو بالضبط عالم الثقافة نفسه. الاسطورية اذن هي التعبير الكلامي عن ثقافة ما. لا يمكن اختزال الواحد من هذين العالمين، هذين الموقفين، هذين النمطين من الخطابات، الي الآخر. لكن الفكر الانساني يطمح للوحدة. وقد نزع علي الدوام الي الحاق الواحد بالآخر: هذا الموقف تمكن أن يتخذ، عبر التاريخ، شكل الأنساق الايديولوجية الكبري، التي تخضع حرية المعرفة لالتزام القناعات، كما هو الأمر في المسيحية، او منذ عهد اكثر قربا، في الماركسية. هنا يبتلع الايمان المعرفة. كما توجد ردة فعل حديثة بصورة متميزة علي ثنائية الوضع الانساني: ارادة حذف الالتزام لمصلحة الحرية، حذف الاسطورية باسم العلم. ان العلم هو اصلا موقف ازاء الطبيعة، ولكن بما انه في الوقت ذاته واقعة اجتماعية فانه يصبح بدوره نواة اسطورية جديدة، اسطورية متناقضة داخليا، لأنها تؤكد، علي نقيض المسيحية والماركسية، علي اسطورة الحرية. تجعلنا هذه الاسطورة نعتقد ان أي التزام، أي ايديولوجية محكومة بالانقراض القريب الذي يؤمنه ضم العلم لميادين جديدة. وهنا تبتلع المعرفة الايمان. ما دام الانسان يعيش في العالم فانه يحتاج الي منظور وموقف العالم. ولكن بقدر ما خلق العالم الذي يسكنه، ويشعر بالمسؤولية تجاهه ويحس انه ملتزم بمصيره، الذي هو أيضا مصيره الخاص، فانه سيحتاج الي منظور وموقف المتخصص بأنماط الدراسات الانسانية. ان ثنائية الموقفين جذرية: الحرية مقابل الالتزام. فالعلم قليل الفائدة في الحوار بين الأنا والأنت، كما أن الاسطورة لا تنفع في علاقة الانسان بالأشياء الموضوعية. يسمي فراي اسطورية مغلقة تلك التي تأخذ بعين الاعتبار الايمان فقط. وفي المقابل فان اسطورية المجتمع الديمقراطي مفتوحة لأنها تعترف بالحضور المشترك للمعرفة والايمان، الحرية والالتزام، أو العلم والاسطورية: وهذه الأخيرة تتشكل من اساطير التزام متعددة تتولي الدولة مهمة الحفاظ علي السلام بينها. وهذه الأساطير محكومة بضوابط أخلاقية وعلمية: الرحمة، الاستقامة الفكرية، التوافق مع نتائج العلم. كيف تتجلي حسيا اسطورية ما ؟ في المجتمعات التقليدية تتمثل الاسطورية في الأساطير التقليدية ومختلف أشكال الممارسة الدينية. وفي المجتمعات الحديثة يضطلع بهذا الدور ما نسميه الثقافة، ومعها وفي وسطها الفنون، وبشكل اكثر خصوصية الأدب القصصي اكثر من سواه. ان الأدب والدين تنويعتان من الاسطورية مكيفتان لمجتمعات مختلفة. ان منظور الاسطورية المفتوحة لا يطابق منظور العلم، ولكن لا يتأتي لهما أن يكونا دوما في تناقض: فأحيانا يتمتعان ببعض وجوه الشبه، او ينزعان للتقارب، أو حتي يتقاطعان عرضا. والمتخصص بالدراسات الانسانية والاجتماعية يستخدم، كالعالم، التحقق التجريبي والتفكير المنطقي، غير أنه يضيف اليهما موقفه الخاص: الالتزام، وهو الأمر الذي يعتبر العالم نفسه، حسب فراي، حرا منه [7]. في النتيجة لا يبدو ان هناك ما يجمع بين اسطورية فراي وبين الاسطورة المتعارضة مع العقل أو العلم. علي العكس من ذلك تبدو استراتيجية نقدية مضاعفة لمواجهة انقلاب العقل الي اسطورة، خصوصا في صيغة محاكاة العلوم الانسانية للعلوم الطبيعية. وتمكن اضاءة هذه الاستراتيجية بقواعد ميخائيل باختين في الدراسات الانسانية. فهذه القواعد توضح الي حد ما نقاط التقاطع والافتراق في عمل كل من العلم والفكر: - اولا الاثبات البسيط للوقائع ومثاله الدقة. هنا يتم تجميع المعطيات المادية واعادة تركيب السياق التاريخي. - ثانيا التفسير بواسطة القوانين السوسيولوجية والنفسانية وحتي البيولوجية. وفي هاتين القاعدتين يقع التقاطع او الالتقاء بين منظور العالم والباحث الانساني. في القاعدة التالية والأخيرة يقع الافتراق. - بين المستويين الأولين يقع، بشكل من الأشكال، النشاط الأكثر أهمية للناقد والباحث في حقل العلوم الانسانية. انه التأويل كحوار، وهو وحده الذي يتيح استعادة الحرية الانسانية (أو الالتزام بتعبير فراي). فالمعني الذي يخرج به التأويل هو عنصر الحرية الذي يخترق الضرورة. انني محكوم بالحتمية باعتباري كائنا (موضوعا) وحر باعتباري معني (ذاتا). ومحاكاة العلوم الانسانية للعلوم الطبيعية تعني اختزال البشر الي موضوعات لا تعرف الحرية. ففي نظام الكينونة ليست الحرية الانسانية الا نسبية وخادعة. ولكنها في نظام المعني مطلقة من حيث المبدأ [8] . يبقي، بعد كل شيء، ان تناقض العقل والاسطورة لا يلغي تواصلا أو صلة ما بينهما. التساؤل حول معني الوجود البشري والغاية منه هو قوام هذه الصلة. غير ان تساؤل الاسطورة ينتهي الي السيطرة علي المعني بواسطة الايمان، فيلغي المعرفة. أما العقل فيبحث عن المعني من خلال الايمان والنقد، او ضوابط القيم وضوابط العلم، يجمع بين الايمان والمعرفة، ليستبقي التساؤل ما بقي الانسان. وثمة ما يسترعي التوقف في رؤيا فراي للعلم والثقافة. فهي تسلم بالمفارقة الجذرية بينهما: الحرية هي موقف العلم مقابل التزام الثقافة أو الفكر. وبعبارة اخري فان العالم، أو الباحث في مجال العلوم الطبيعية والدقيقة والتطبيقية، مجرد من الالتزام تجاه قضايا الانسان والمجتمع بينما هذا الالتزام هو موقف المثقف. والواقع ان رؤيا فراي تعكس تسليما بالمنحي الذي اتخذته الفاعلية العلمية في الحضارة الحديثة وهي فاعلية معزولة، علي العموم، عن الغايات الروحية أو الأخلاقية للانسان. ان انسان اليوم نادرا ما يتساءل، مثلا، عن جدوي الأموال الهائلة التي تنفق علي غزو الفضاء، بينما تستغرق ظروف الفقر والجهل والعنف وأعباء المعيشة غالبية البشر. ان انفصال العلم عن الثقافة واقعة حديثة. وهي تعبر عن خطوات عملاقة في تقدم المعرفة. ولكن لها جانبا سلبيا يتمثل في تحرر العلم من غايات التقدم الروحي. وفي استنكار هذا الجانب يقول الفيلسوف الالماني ألبرت اشفيتزر : أما اليوم فان الفكر لا يلقي عونا من العلم، وأصبح العلم يقف مستقلا قائما برأسه في مواجهة الفكر لا يحفل به. والمعرفة العلمية الحديثة جدا يمكن أن تقترن بنظرة الي العالم خالية من كل تأمل عقلي. ..وقديما كان كل رجال العلم مفكرين لهم شأنهم في الحياة الروحية العامة لعصرهم. أما هذا العصر فقد اكتشف كيف يمكن فصل العلم عن الفكر، وكان نتيجة ذلك أن أصبح لدينا علم حر، ولكن لم يكد يبقي لدينا علم يتأمل [9] . ان التزام المثقف، أو مسؤوليته تجاه قضايا الانسان والمجتمع، يحيل الي موضوع صلته بالناس أو الجمهور. المصدر: القدس العربي هوامش
[1] أشعيا برلين . نسيج الانسان الفاسد. ترجمة سمية فلو عبود . دار الساقي. الطبعة الاولي ص 1993 . انظر الصفحات 10، 14 ، 20 ـ 22 و28 . اعتمدنا في كتابة هذه الفقرة بصورة اساسية علي هذا المصدر والمصدر الذي يليه أدناه مباشرة . [2] شانتال ميلون دلسول . الأفكار السياسية في القرن العشرين . ترجمة د. جورج كتورة . المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع . بيروت . الطبعة الاولي 1994 . انظر الصفحات 7، 10 ـ 11، 103، و 204 . وانظر ايضا : فرانسيس فوكوياما ، نهاية التاريخ والانسان الأخير ، مركز الانماء القومي . بيروت 1993 . ص 291 . [3] كافين رايلي . مصدر سابق . ص 206 . [4] المجتمع الحديث في ابعاده الأساسية . مجموعة من المؤلفين . ترجمة وجيه أسعد . وزارة الثقافة والارشاد القومي ، دمشق 1983 . ص 90 ـ 92 . [5] شايغان . مصدر سابق . ص 66 . [6] البرت اشفيتزر. فلسفة الحضارة . ترجمة عبد الرحمن بدوي . دار الاندلس للطباعة والنشر والتوزيع. بيروت ، الطبعة الثالثة 1983 . ص 138 ـ 139 و179 ـ 184. [7] تودوروف . مصدر سابق . الصفحات: 87 ـ 88 و96 ـ 102. [8] نفسه ص 87 ـ 88. [9] البرت اشفيتزر. مصدر سابق . ص61 .
|
||
|
|
|
أكثر المواضيع قراءة هذا الأسبوع |
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|