|
|
مختارات متنوعة
جلجامش مهد لهرقل الإغريقي وأثر في أرسطو وأفلاطون | جلجامش مهد لهرقل الإغريقي وأثر في أرسطو وأفلاطون |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | |||
| 22 تشرين الثاني 2007 الساعة 15:49 | |||
|
«أم الملاحم» في دراسة جديدة
كريم عبد - الشرق الأوسط ينتمي صلاح نيازي لجيل الرواد في الثقافة العراقية المعاصرة، وهو من الشعراء القلائل الذين لم تغوهم إغراءات الشعر ليبقوا أسرى لهالة (شخصية الشاعر) الذي يجب أن لا يكتب شيئاً سوى الشعر! حيث ينهي الكثيرون حياتهم في هذا الفلك غير المؤكد في الغالب، دون أن يساهموا في أية نشاطات ثقافية أخرى يمكن أن تغني تجربتهم وتجعل هاجس الشعر لديهم أكثر واقعية! لقد استطاع نيازي ومن خلال مساهماته النقدية وترجماته لبعض أعمال شكسبير وجيمس جويس، أن يكوّن لتجربته الأدبية أساساً معرفياً جاداً، ساعده في ذلك ثقافته الإنجليزية وعيشه الطويل، ما يقارب النصف قرن، في بريطانيا. وضمن هذا السياق يأتي كتابه الجديد «فن الشعر في ملحمة كَلكَامش»، الصادر اخيراً عن (دار المدى) ليغني المنحى المعرفي والنقدي في تجربته الثقافية. وهو ثمرة جهود متواصلة من البحث في المكتبة البريطانية عن أصداء هذه الملحمة الخالدة وتأثيراتها في الأدب الإنساني القديم والحديث. ورغم أن متن الكتاب ينطوي في الأساس على قراءة نقدية لجماليات الملحمة والتأمل في حيثياتها اللغوية والتاريخية، إلا إن المقدمة التي جاءت في ما يقارب العشرين صفحة، تنطوي على مداخل موجزة ولكن مهمة، في تأثيرات الملحمة على الأدب الإنساني قديماً وحديثاً وخصوصاً الأدب الأوربي، اعتماداً على أحد عشر مرجعاً إنجليزياً هي عينة من عشرات الدراسات الأوربية التي تناولت ملحمة كلكامش من مختلف الوجوه الجمالية والفلسفية والتاريخية. الشاعر الألماني المعروف ر. ع. ريلكه هو أحد الذين سحرتهم الملحمة، حيث يقول في رسالة له عام 1916 ( ملحمة كَلكَامش مذهلة، أعتبرها من أهم الأمور التي يمكن أن يصادفها الإنسان.. لقد أغرقت نفسي فيها، فخبرت في تلك الكسر الهائلة من الألواح المفخورة، أنظمة وأشكالاً تنتسب إلى الأعمال المجوَّدة التي أنتجتها الكلمة الساحرة على طول تاريخها )ص5، وكانت الملحمة من النصوص الشرقية التي شغلت دارسي الأساطير والنقاد الغربيين حيث حاولوا إيجاد تفاسير متعددة لتلك التشابهات بين عوالم كلكامش والملاحم والأساطير الإغريقية والرومانية بدءاً بهوميروس مروراً بقصص فرسان القرون الوسطى في أوربا وليس انتهاءً بدانتي. يقول روبيرت تيمبل: «ملحمة كلكامش أساس معظم ثقافتنا دون أن نُدرك ذلك، فالبطل كلكامش هو النموذج الأصلي لهرقل الإغريقي.. فمبدأ القصص الزاخرة بالبطولة تتحدر أصولها الأولية إلى ملحمة كلكامش، وإلى الملاحم السومرية الأخرى حوالي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد» ص10 ومن المدهش أن تيمبل في كتابه (هو الذي رأى كلَّ شيء) قد فسر الملحمة تفسيراً فلكياً، يقول: «ملحمة كلكامش مفعمة بالألغاز والطقوس المثيرة. إنها - في غالبيتها - مكتوبة بالشيفرة، فهي من ناحية تشبه قصصا دنيوية زاخرة بالأحداث، ومن ناحية أخرى تفسح المجال للكهنة والعلماء أن يخفوا معانيها الأعمق بواسطة استعمال التورية Double entendre والمرموزية Symbolism ). يأخذ تامبل كمثل على ذلك ما تذكره الأسطورة من أن ثلثي كلكامش من مادة إلهية وثلثه الآخر من مادة بشرية، فيرى أن (كلكامش ينتسب إلى كوكب عطارد الذي كان يراقبه البابليون باهتمام بالغ الإفراط). كانوا يعرفون أن عطارد حين يجري في السماء فإنه لا يقطع كل نطاق البرج. إنه في الواقع لا يقطع إلا ثلثيه، كما تحدث تيمبل عن ( تأثر الشاعرين الإغريقيين هوميروس وهيسيود بملحمة كلكامش وبالعقد والرموز المثولوجيا المتعلقة بها) وأيضاً فقد كُتبت مقالات عديدة بهذا الشأن، حيث يقول ك.جوردون ( يفسر حلول كلكامش بين أيدي الأيجيين - على بحر إيجة - كثيراً من العلاقات الوثيقة بين الملحمة والأعمال الأدبية المبكرة، المتمثلة بالمجموعة الهرقلية، لدى هوميروس وهيسيود. لقد كانت ملحمة كلكامش التحفة الرئيسية والأكثر تأثيراً قبل العصور السابقة للتوراة ولهوميروس..). ويشير تيمبل كذلك إلى مقالة كتبها جورج هيلد عام 1983 تناول فيها التشابهات بين الملحمة وأفلاطون، موضحاً «ان بذور النظرة الأخلاقية الغائية تلك، الشبيه بنظرة أفلاطون وأرسطو يمكن العثور عليها في ملحمة كلكامش». يتطرق تيمبل أيضاً إلى كتاب ( نجوم بابل ) لمؤلفه الألماني ورنر بارك ( الذي ترجم الملحمة وشرحها شرحاً وافياً جداً، حاسباً إياها قصيدة فلكية. يبين بارك في بعض الحالات كيف أن كلكامش له صلة ببرج الشعرى ORION وأدرك أيضاً أن تحركات عطارد MERCURY المعقدة هي جزء من القصة ) ص9. أما نيازي فيقول:«هذه النظرات وسواها ... تومئ إلى حقيقة واحدة هي أن الملحمة معبأة بالرموز والألغاز، وهذا أحد وجوه ثرائها. ويبدو أن هذا الاهتمام الشديد بملحمة كلكامش لا يمكن أن يوجد لولا مَلكَة التأليف وبلاغة التوقيت، أي التقنيات..»، ثم يتطرق إلى القراءة السايكولوجية التي قدمتها الباحثة الألمانية كلوجير المتخصصة والحاصلة على الدكتوراه بـ (اللغات السامية وتاريخ الأديان) وهي تلميذة عالم النفس السويسري الشهير كارل يونغ الذي «حثها على بحث موضوع كان أحبه منذ أن بدأ بحثه العلمي الأول في المثيلوجيا: كلكامش». درست كلوجير CLUGER ملحمة كلكامش من وجهة نظر سايكولوجية، وهي أول دراسة من نوعها، حيث اعتمدت في دراستها على نظريات يونغ لا سيما (في تحليل النص) .. على هذا فنحن لا نجد في كتابها، كما يقول Meier «إلا اقتباسات من كتب ومقالات تعطي الأسس الأركيولوجية والفيلولوجية لنص الملحمة) وسيرى القارئ في الكثير من هوامش الكتاب اللاحقة، بعضاً من تفسيراتها الطريفة». كما نجد أن الموسيقار لبويسلاف مارتينو ( 1890 - 1995 ) قد ألف عملاً موسيقياً بعنوان «ملحمة كلكامش»، حاول فيه إعادة صياغتها وتكثيفها محتفظاً بما هو أساسي وجوهري، خاصة فيما يتصل بتطلع البطل التراجيدي كلكامش إلى المعرفة والصداقة ومواجهة الموت. هذه الأركان الثلاثة للملحمة الخالدة عالجها مارتينو محققاً التأثير النفسي الدرامي عبر الصور النموذجية الأولى التي تتسع دلالاتها لتشمل كل كائن بشري. صحيح أن كلكامش كان ملكا، لكنه بالنسبة إلى مارتينو كان كل واحد منا دون حدود للزمان والمكان. (ص10). إن التقنيات التي استخدمها الشاعر في صناعته، هي من أهم موجودات الملحمة. وقد انتبه أكثر من ناقد إلى ظاهرة التخطيط الهيكلي لهذه الملحمة. تقول ستيفني بالّي: «بمهارة فائقة - خلق الشاعر - عملاً موحداً من عناصر مختلفة. وقد اتبع من أجل ذلك عدة أساليب. البطل كلكامش حاضر في الملحمة دائماً، وإن كان يقوم أحياناً بدور الشاهد الصامت إلى حكاية شخص آخر. تطورت قيمة التفتيش عن الصيت في البداية إلى نشدان الخلود في القسم الأخير من الملحمة». من علامات التخطيط المسبق لتأليف الملحمة، ان الألواح الأحد عشر قُدّم لها بالمقدمة Prologue تُعاد كخاتمة Epilogue في النهاية. وربما استخدمت أحلام كلكامش الثلاثة في اللوح السادس وأحلام أنكيدو في اللوح السابع لتصعيد التوتر، باستخدام تفسيرات خاطئة متعمدة تتنبأ بدنو الكارثة والموت، إلا أن المشاهدين يدركون أنها تفسيرات خاطئة. ومما يعطي تلاحماً خاصاً للملحمة، استعمال التعابير الجاهزة وعلى الأخص المدخل إلى الخطاب المباشر) ص18. بعد هذه الآراء وغيرها الكثير مما تضمنته مقدمة الكتاب، تأتي الدراسة الجمالية - النقدية لصلاح نيازي، حيث يقول: «كنت حريصاً منذ البداية أن أجيب عن كيفية القول لا عن دوافعه، عن تأثيره لا عن شرعيته، بكلمات أخرى كان الهم الأول والأخير أن أكشف عن موهبة الشاعر في التأليف قدر المستطاع: كيف كتب مثلاً رثاء كلكامش لأنكيدو ؟ كيف صوَّر الطوفان وما هي الأدوات والأجهزة التي استعملها؟ كيف صور الخوف، كيف صور خيبة الإنسان التامة. كنت أسعى لاكتشاف تقنيات هذا الشاعر الخصيب.. إن الفوائد التي يجنيها الباحث وكذلك القارئ غير المتخصص من قراءة الملحمة، عميقة فعلاً. حاولت من جانبي أن أكون عوناً لهما ما أمكنني ذلك. فلخّصت الملحمة أولاً حاولت أن أسرد الوقائع الأساسية للملحمة حتى يتابعها من لم يقرأها. اتخذ هذا السرد صيغة التحليل لأبتعد عن عادات بعض النسخ الانجليزية التي تجعل السرد إما بديلاً أو أساساً في الكتابة عن ملحمة كلكامش.. توقفت لبلوغ الغاية للكشف عن تقنيات الملحمة عند: 1 - رثاء كلكامش لأنكيدو. 2 - التشابيه في الملحمة. 3- انطباعات عن قصة الطوفان. 4 - من دلالة التكرار. 5 - الوزن الشعري في الملحمة. 6 - الأبواب. مستعيناً بكل تلك المراجع المهمة وبخبرته كشاعر وناقد استطاع نيازي أن يقدم لنا قراءة حيوية، قراءة تحليلية وليست أحكاماً معيارية، تاركاً للقارئ حرية التأمل والحوار. وإذا كان من الصعب في هذه المتابعة إيراد استشهادات من اجتهادات نيازي حول جماليات النص وبنيته الملحمية، لأن كل فصل في الدراسة يشكل مادة مترابطة، لكن من الضروري الإشارة هنا لفصل (الوزن الشعري في الملحمة)، حيث يبدي نيازي ثقافة عروضية ملحوظة وهو يقلب اجتهادات المتخصصين في هذا المجال، محاولاً تفكيك بعض الفقرات عروضياً للتوصل إلى جوهر الإيقاع في النص، وهذه محاولة ليست كثيرة الحدوث في القراءات النقدية العربية. المصدر: الشرق الأوسط
|
|||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|