ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow إنهم يسرقون في التلفزيون!
إنهم يسرقون في التلفزيون! Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
22 تشرين الثاني 2007 الساعة 15:52
مقالات تتحول إلى «روبورتاجات مصورة» وتحقيقات تخرج منها مسلسلات
دمشق: سعاد جروس - الشرق الأوسط

بات الصحافيون يشعرون بامتعاض شديد، وهم يرون افكارهم وقد تبناها زملاؤهم الإعلاميون في التلفزيون وجمّلوها وحوروها، وأعادوا تدويرها، وقدموها في برامجهم كأنها آتية من بنات افكارهم دون اعتراف للصحافيين الذين يكدون بجهد على الورق بفضل أو بجميل. يعترف التلفزيونيون من ناحيتهم، بأنهم لا يستطيعون العمل من دون العودة إلى الصحيفة واعتمادها مصدراً أساسياً لهم لتحضير برامجهم، وهذا طبيعي. لكن الصحافيين يجيبون بأن ثمة فرقاً بين السطو الكامل، والاقتباس المموه أو الاستفادة وجمع المعلومات مع طلب الوحي. وإن كانت الصحافة المكتوبة والتلفزيون لا يستغني أحدهما عن الآخر، فلماذا يخجل الإعلاميون، في غالب الأحيان، من الإفصاح عن مصادرهم المكتوبة، والتعالي لدرجة نكرانها الكلي.

يقول بيار بورديو في كتابه «التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول»: «أحد المشاكل الكبرى التي يطرحها التلفزيون هي العلاقة بين التفكير والسرعة. هل يمكن التفكير أثناء اللهاث بسرعة؟ وهكذا حصل التلفزيون على مفكرين (على السريع)، عندما أعطى مجال الحديث لمفكرين أجبرهم على أن يفكروا بسرعة متزايدة. مفكرون يفكرون بأسرع من ظلهم».

مشكلة السرعة حولت العلاقة بين التلفزيون والصحافة إلى علاقة انتفاعية، الغلبة فيها حكماً للتلفزيون كونه الأوسع والأسرع انتشاراً. ففيما تعمل الصحافة بتأن زمني يستهلك على الأقل 24 ساعة بين تحضير المواد للنشر والطباعة، تدور عجلة البث التلفزيوني كالمطحنة في عملية محو وتسجيل يومي للذاكرة. فكل نشرة أخبار تمحو ما سبقها لتسجل أحداثاً جديدة، تتطلب مجموعة من البرامج المواكبة تحليلاً وتفسيراً. وتحت ضغط الوقت، لا مناص من اللجوء إلى الصحافة، سواء من جانب الاستعانة بالأفكار، أو في اختيار الأشخاص المناسبين لتحليل ما وراء الأخبار. فلا يمكن لأي معد برامج أن يبدأ يوم العمل من دون الاطلاع وبشكل آلي على عناوين الصحف والمقالات المكتوبة.

خالد جمالو معد ومخرج برامج في التلفزيون السوري يقول، إن خبراً صغيراً في جريدة قد يكون موضوعاً لقصة تلفزيونية تتابع حيثياتها على الأرض، قراءة الصحافة أمر أساسي لأي مشتغل في الإعداد التلفزيوني. الكتابة أكثر جدية ورسوخاً، والمعد الجيد هو الإعلامي المتابع. إن الصورة وحدها لا تكون مؤثرة، مثلما تكون عندما تقترن بكلمة بليغة ومعبرة. واللغة الجيدة لا تأتي إلا من ممارسة الكتابة. ويشير جمالو إلى أن الصحافة لا تزال الأكثر احتراماً ومصداقية.

حدود اعتماد الإعلاميين في التلفزيون على الصحافة لا تقف عند متابعة ما يقال، أو التمكن من تغطية الجوانب التي لم يتم تناولها، بل يصل الأمر إلى تحويل تحقيق صحافي كامل أو مقالة رأي إلى حلقة تلفزيونية. تحكي صحافية سورية تفضل عدم ذكر اسمها، كيف دعتها قناة فضائية عربية للمشاركة في برنامج ثقافي حول تأثير لغة الكتابة والدردشة في الموبايل والانترنت على اللغة العربية، لأنها سبق وتناولت هذا الموضوع في الصحافة. تقول الصحافية إنها سرت كثيراً بالدعوة، لما يعنيه لها ذلك من اهتمام بما كتبته، لكن سرعان ما انقلب سرورها انزعاجاً لدى بدء الحلقة وسماعها المذيعة تتلو أجزاء من كتاباتها خلال الحلقة، مكررة الأفكار والأسئلة ذاتها، دون الإشارة إلى المصدر أو الكاتب الأصلي الذي حل ضيفاً على الحلقة. تقول الصحافية، «شعرتُ بأنني انتهك وعملي يُسرق أمام عيني، لا بل وتَطَلَب مني المشاركة، لأكون شاهدة زور على سرقة نفسي».

علي سفر، معد ومخرج برامج تلفزيونية، يروي حادثة مماثلة لدى سؤاله معدة برنامج، عن المراجع التي اعتمدت عليها. فجاءته بمقالة صحافية وتبين أنها اعتمدت عليها بشكل كامل في كتابة نص الحلقة، وهذا خطأ مهني، قبل أن يكون سرقة لجهود الآخرين. خالد جمالو يقول بتهكم: غالبية العاملين في التلفزيون أشباه أميين، وإذا استفادوا من قراءة ما يسرقونه، فهذا أمر جيد، المشكلة أحياناً، أنهم يسرقون دون قراءة.

تختلف الآراء حول وصف الاستفادة من المقالات بالسرقة، فمن شروط المعد التلفزيوني أن يكون متابعاً، وان يقوم بعملية بحث للإحاطة بالموضوع الذي سيتناوله.

مراسل يعمل في تلفزيون عربي تحدث عن زميل له في المكتب الرئيسي، كيف يقوم بإعداد برنامجه، بأنه يبحث في الانترنت، وإذ أعجبه تحقيق أو قصة إخبارية، يعمل منها حلقة تلفزيونية، يقوم بذلك بحرفية وبراعة، فلا يكتفي بأخذ الفكرة، بل يعيد إنتاج المادة تلفزيونياً، فيقوم بالاتصال بالكاتب والدردشة معه، ثم طلب المساعدة للحصول على خلفيات ما كتبه، ويحصل منه على أرقام هواتف الأشخاص الوارد ذكرهم في التحقيق، فيتصل بهم، ليكونوا ضيوفاً في الحلقة.

علي سفر يقول، إنه لا يمكنه ممارسة عمله كمعد دون الرجوع إلى الصحف، فهو بالأساس صحافي. والصحافة تكون أحيانا ملهمة للأفكار، وأحياناً كثيرة مزود معلومات. والعكس صحيح، فالعلاقة بين الصحافة والتلفزيون تبادلية، لكن ذلك لا يبرر السرقة.

ما قد نعتبره سرقة يراه البعض استسهالاً، أو طرحاً لأفكار شائعة، في هذا يقول بيار بورديو، إن «الأفكار السائدة والشائعة هي تلك التي يتقبلها الجميع؛ تافهة مبتذلة، تقليدية وسطحية، شائعة ومشتركة؛ لكنها هي أيضاً تلك الأفكار التي عندما نتلقاها يكون قد تم قبولها بالفعل، بحيث لا يكون هناك محل لطرح مشكلة التلقي والإدراك بعد ذلك».

سمر شما صحافية ومعدة برامج، ومديرة القناة الأولى السورية سابقاً، ترى أن شكل ونوع وحجم الاستفادة من الصحافة له علاقة بطبيعة البرامج. فالإخباري منها يختلف عن الوثائقي أو عن الندوات وبرامج التوك شو. وبالتالي فإن توصيف الاستفادة يختلف. من حيث المبدأ، لا ترى شما أن استفادة المعد التلفزيوني من الصحافة المكتوبة أمراً سلبياً، بشرط تحقيق الأمانة الصحافية، والإشارة إلى المصدر، واحترام جهود الصحافي. ومن زاوية أخرى، ترى أن الاستفادة مما يكتب في الصحافة شيء ايجابي، ويعطي بعداً أعمق للعمل التلفزيوني المحكوم بالسرعة.

ويعزو علي سفر، الاستسهال إلى الكسل، أكثر من ضيق الوقت. وهذا الكسل يتحول إلى سرقة غير مكتملة الأوصاف، ويصبح هذا أوضح في التلفزيونات الرسمية، أكثر من نظيرتها المستقلة.

بينما تبدي شما أسفها، لأن كثيرا من المعدين غير مثقفين، بينما الإعداد يعتمد بالأساس على حصيلة ثقافية تملك القدرة على التحليل، وتكون معيناً في ابتكار الأفكار والإبداع.

يلاحظ خالد جمالو أن طبيعة العمل في المؤسسة الرسمية لا تفسح المجال ليبرز المتميزون مهاراتهم، ما يؤدي إلى الاستسهال ناهيك عما تفرضه طبيعة العمل التلفزيوني الصعبة، فالمعد يسير خلف الكاميرا، بالإضافة لصعوبة التنقل مع المعدات والفنيين. كل ذلك يمنح شعوراً مختلفاً، يجعل التلفزيون اقل رشاقة وأكثر سطحية تحت وطأة الزمن المحدود بالمدة والموعد. بينما الصحافة أرشق في الحركة، لأن الصحافي يقوم وحده بالعمل وعينه التي ترصد الحدث، كما أن مساحة النشر تحددها أهمية الموضوع، وأحياناً تميزه وعمق التحليل، والمقالة الصحافية تصمد لأيام عدة، وربما يستمر تداولها لشهور. الكلام عن الفروقات بين طبيعة العمل في التلفزيون والكتابة الصحافية، التي تتطلب جهداً استثنائياً في البحث والتفكير والابتكار، يلفت النظر نحو الهوة الواسعة بين أجور الصحافيين وأجور الإعلاميين. إذ لا بد للصحافي أن يشعر بالإجحاف، خاصة حين يرى كتاباته وهي تترجم إلى صور مرئية، يتقاضى عليها العاملون في التلفزيون أضعاف ما يتقاضاه من الصحيفة، ليس هذا وحسب، بل أن الشهرة التي يوفرها التلفزيون، وما يجلبه من فرص وحظوظ عمل أوفر، يكفي لتعميق الشعور بالغبن لدى الصحافيين، ما يدفع الكثيرين منهم للحاق بركب التلفزيون.

علي سفر تحدث عن أن التلفزيون السوري حاول في السنوات الأخيرة تطعيم كوادره بعناصر صحافية شابة سعت لتقديم شيء مختلف، بالإضافة إلى استقطاب عدد من الصحافيين المحترفين لتقديم أعمال ذات أفكار مبتكرة، يتكامل فيها العمل التلفزيوني مع الخبرة الصحافية الراسخة، لكنها محاولات اغلبها لم يكن موفقاً.

من جانبه يرى خالد جمالو، أن الصحافيين الذي جاؤوا إلى التلفزيون، لم يفلح اغلبهم في ترك بصمة خاصة. فالتلفزيون لعبة لها قواعد وأسرار، لا يمكن النجاح فيها، إذا لم يتم التقاط خفايا هذه اللعبة، عدا عن كون التلفزيون مكاناً خطراً للفساد بسبب الضوء المسلط عليه.

تهمة «الاستفادة» من المواد الصحافية المكتوبة ونكرانها، لا تقتصر على البرامج، بل تطال أيضاً المسلسلات. في جلسة دردشة صاخبة، وجَّه صحافي سوري اتهاماً صريحاً لكاتب سيناريو تلفزيوني بأنه سطا على ارث زميلة صحافية، وحوَّل تحقيقاتها الاجتماعية التي أثارت ضجيجاً في سورية قبل عدة سنوات إلى نصوص مسلسلات درامية، دون ذكر لتلك الزميلة التي توارت عن الساحة الصحافية. هذا الصحافي رفض التصريح عن اسمه لاعتبارات كثيرة، منها عدم وجود نص قانوني يصنف هذا النوع من (اللطش) على أنه سرقة، ولو أنه قام بتوجيه اتهاماته صراحة على صفحات الجرائد، ربما سيجد نفسه في موقع المتهم بالقدح والذم والتشهير.

يذكرنا هذا بما أثير منذ سنوات حول أعمال الفنان السوري ياسر العظمة، بأنه يلطش أفكار الزوايا الصحافية الساخرة، ويحولها إلى لوحات درامية كوميدية في سلسلة برنامجه الشهير «مرايا»، وهو ما صار يتلافاه الفنان العظمة بالكتابة في شارة البرنامج أن الأفكار هي (مما قرأ وسمع وشاهد)، لكن هناك من رأى فيها جملة فضفاضة.

قاصة وصحافية وكاتبة زاوية ساخرة، قررت العمل بكتابة السيناريو التلفزيوني، بعدما كثرت سرقة أفكار زواياها الساخرة. وجدت انه من الأفضل أن تقوم هي بكتابتها للتلفزيون، على الأقل تضمن حقها المادي والمعنوي.

المشكلة برأي علي سفر، أنه لا توجد مؤسسات معنية بمتابعة مثل هذه الحالات وتوصيفها بشكل ملائم، للتفريق بين ما هو سرقة وما هو استفادة، لأنه ببساطة لا أحد معني بالدفاع عن حقوق الملكية الفكرية.

خالد جمالو يرى تحقيق ذلك مستحيلاً في التلفزيون، حيث تضيع المعايير في ظروف العمل التلفزيوني. لذا فإن ذمة التلفزيون واسعة، ويصح فيها كل شيء، كما يضيع فيها كل شيء، بما فيها السرقة. إلا أن سمر شما، تعتقد أن المشكلة ليست في غياب قوانين لحماية الملكية، بل في غياب تقاليد لاحترام جهود الآخرين. وبما أن الأمور على هذا النحو من الفوضى التي تجد مبرراتها في شرط الآنية والسرعة في مواكبة الحدث، فإن الحديث عن الرداءة والسطحية يصبح نافلاً، كما تصبح الاستفادة أو السرقة سيان من الصحافة المكتوبة، وتعد أمراً مشروعاً، والأسوأ من ذلك أن يكون دليلاً على جدية وعمق السرقة، لمجرد أنهم يُتعبون أنفسهم في القراءة. أما ذلك المحرر الصحافي البائس الذي قد يمضي أياماً وأسابيع وحتى شهوراً في البحث والاستقصاء لتدبيج مقالات مميزة، حسبه شرفاً أن يكون جندياً مجهولاً، يقرؤون له وينشرون أفكاره، ويصعدون على أكتافه، وأكتاف الصحافة المكتوبة التي كلما وردت سيرة الإعلام، فرحوا بالحديث عن تراجعها أمام التلفزيون.

المصدر: الشرق الأوسط

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم