ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الحداثة العربية من المدخل الغربي
الحداثة العربية من المدخل الغربي Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
22 تشرين الثاني 2007 الساعة 16:03
خطاباتها في مقالات الحداثيين العرب وتحولاتها بين قرنين من الزمان
القاهرة: د. محمد حلمي عبد الوهاب - الشرق الأوسط

ما إن وطأ الاستعمار بلاد الشرق الأوسط، حتى أدرك ساكنوه حجم التخلف الذي هم فيه عن ركب الحضارة الإنسانية وقد هبطت عليهم من علٍ. وما انفك المثقفون والمصلحون والمجددون منذ محمد عبده وحتى الآن، وطوال قرنين من الزمان، يتحدثون عن جدلية الأصالة والمعاصرة، العلمانية والأسلمة، حيث ظهرت قديما تيارات ثلاثة، أحدها يدعو للأخذ بثقافة الغرب كلية والقيام بقطيعة معرفية مع إرثنا الحضاري باعتباره سببا رئيسا في التخلف، والآخر يقع على النقيض من هذا الطرح تماما ويدعو إلى التمسك بالهوية الإسلامية في وجه التشدق بالمصطلحات والمفاهيم الغربية، فيما حاول الثالث على استحياء الجمع والتوفيق بين كلا التيارين دون أن يحرز نجاحا يذكر في هذا المجال.

ما إن وطأ الاستعمار بلاد الشرق الأوسط، حتى أدرك ساكنوه حجم التخلف الذي هم فيه عن ركب الحضارة الإنسانية وقد هبطت عليهم من علٍ. وما انفك المثقفون والمصلحون والمجددون منذ محمد عبده وحتى الآن، وطوال قرنين من الزمان، يتحدثون عن جدلية الأصالة والمعاصرة، العلمانية والأسلمة، حيث ظهرت قديما تيارات ثلاثة، أحدها يدعو للأخذ بثقافة الغرب كلية والقيام بقطيعة معرفية مع إرثنا الحضاري باعتباره سببا رئيسا في التخلف، والآخر يقع على النقيض من هذا الطرح تماما ويدعو إلى التمسك بالهوية الإسلامية في وجه التشدق بالمصطلحات والمفاهيم الغربية، فيما حاول الثالث على استحياء الجمع والتوفيق بين كلا التيارين دون أن يحرز نجاحا يذكر في هذا المجال.

في كتابه «العرب والحداثة.. دراسة في مقالات الحداثيين» يضع الدكتور عبد الإله بلقزيز أفكار هؤلاء، وسمات خطابهم، ومدى عقلانيته، ونقاط ضعفه وقوته، موضع تساؤل في محاولة جادة لإعادة كتابة تاريخ الحداثة في الفكر العربي المعاصر. وفي هذا الإطار، يميز الكاتب بين طوريْن رئيسين مرَّ بهما الفكر الحداثي العربي، الأول: يتمثل في نشأة خطاب الحداثة إبان القرن التاسع عشر، وانتهاءً بمنتصف القرن العشرين. والثاني: يطلق عليه طور النضوج الفكري للحداثيين العرب، الذي يتميز، على خلاف الطور البدائي الأول، بسريان النزعة العقلانية في شتى مفاصله الفكرية، وهو يبدأ من بدايات النصف الثاني من القرن العشرين، وحتى الآن. وقد اقتصر المؤلف في كتابه هذا على تحليل الطور الأول ويأمل التعرض للطور الثاني في جزء آخر يأمل في إصداره قريبا.

تتوزع اهتمامات المؤلف ما بين رصد الأطوار التي مر بها الحداثيون العرب، وما بين تحليل الخطابات السائدة تجاه الحداثة. وبديهي أن ينصب النقد في مجمله على خطاب الأصالة المناهض للحداثة، والذي وافق ظهوره بروز تيارات الإحيائية الإسلامية في الثلاثينيات من القرن الماضي.

في سياق نقده الحاد لهذا التيار، يرى المؤلف أن مثل هذه الدعوات تعد بمثابة تراجع الوعي العربي من حالة اليقظة والتفاعل التي دشَّنها الإصلاحيون الإسلاميون الكبار، وعلى رأسهم كل من رائد التجديد في الدنيا والدين الإمام محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، وعبد الرحمن الكواكبي، إلى حالة التراجع الحضاري والتقوقع حول الذات والتذرع بأيديولوجيات الهوية والأسلمة، مع الانصراف الكامل عن الممكنات الأخرى والتي، بحسب الكاتب، يمكن أن تؤدي وظيفة الممانعة الإيجابية دونما تغريم المجتمع والثقافة بغرامة الانكماش والانكفاء والتشرنق على الذات. وفي كل الأحوال، يؤكد الكاتب ارتفاع المنسوب الأيديولوجي لدى الفريقين؛ حيث ذهبت أيديولوجيا الأصالة إلى «التشنيع على مدنية الآخر وثقافته واصمة إياها بالجاهلية، كما انتقلت من الدفاع عن الهوية في وجه الأجنبي إلى الهجوم على دعاة المعاصرة باسم الجهاد».

وفي مقابل ذلك، تحول الاهتمام بالحداثة من صعيد الإطار النظري إلى مستوى الآيديولوجيا، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام إفقار معرفي لفكرة الحداثة نفسها في السياق العربي، حتى بالنسبة للداعين لها، ومن ثم باتت الحداثة في مجملها عبارة عن مجموعة من الأفكار النخبوية التي تتخندق في خطاب النخبة الثقافية دون أن تجد لها رصيدا مؤازرا بين القطاعات الجماهيرية العريضة، ما اضطرها، في النهاية، إلى الانكفاء على الذات والاكتفاء بموقع الدفاع في وجه تيار الإحياء والتقليد المتجدد. على الرغم من أن خطاب الحداثة، بحد ذاته، ليس خطابا برَّانيا أو مفروضا من الخارج، حتى لو أرجعنا نشأته إلى الاحتكاك بأوروبا، إضافة إلى أن المطلوب حاليا وفي كل وقت مضى ليس التغريب أو «التغربن»، وإنما القيام بنقد تركيبي لخطابي الماضوية الزمنية (خطاب التيار الإحيائي)، والارتحال إلى الغرب (خطاب التغريب)، وعندها فقط، يبدأ تاريخ الحداثة العربية في احتلال الموقع الذي يليق به. وفي الواقع، لم يدخل مفهوم الحداثة الساحة العربية من باب الفكر أو الإنتاج النظري، اللهم إلا لدى القلة من الرواد الأوائل ممن كانوا مستعدين لتحمل أعباء السير في الاتجاه المعاكس. فمن اللافت للنظر في هذا الإطار، أن الحداثة قد طرقت الأبواب العربية من المدخل الأدبي والفني في حقول المسرح والشعر والرواية والسينما والموسيقى، ولم تستطع أن تؤلف تيارا عريضا على صعيدي الفكر والسياسة. وربما لهذا السبب، لا يزال سؤال الحداثة مطروحا على الوعي العربي.

غير أن الكاتب يُرجع هذا الأمر لسببين؛ أولهما: تجذر التيار التقليدي بقوة في المجتمعات الإسلامية، واندفاعه المتجدد الذي يتغذى من أعراض أزمة الدولة الوطنية الحديثة، بما تشمله من ظواهر الإقصاء والتهميش الاجتماعيين، فضلا عن فشل البرامج التنموية، والتصدعات الحادة في منظومة القيم. وثانيهما: هشاشة الحداثة العربية ذاتها وعدم قدرتها على الاستيعاب التام لفلسفة مثيلتها الغربية القائمة على تغليب عنصري العقلانية والنزعة الإنسانية؛ بما يعني تنزيل العقل منزلة السلطة المرجعية المعرفية الوحيدة في إدراك العالم الطبيعي والاجتماعي، وتكريس الإنسان هدفا نهائيا للتحرر والتقدم الإنساني. ووفق هذا التصور، تفرض الحداثة نفسها بطريقة عنيفة على المجتمعات غير الأوروبية، ما أدى إلى بروز ثلاثة أشكال من الممانعة الثقافية تتراوح ما بين: (1) الممانعة الحادة أو الشاملة، كتلك التي وقعت في النصف الأول من القرن التاسع عشر؛ حيث أبدت ثقافات متنوعة، من بينها: الصينية والهندية واليابانية والعربية-الإسلامية، مقاومة صلبة للحداثة الغربية. (2) الممانعة المتكيِّفة مع «اكراهات الحداثة»، وهي بمثابة فعل يجمع بين التكيف لإعادة بناء الذات والمقاومة الثقافية المتمسكة بالهوية التاريخية. وفي ظلالها ينفتح الباب للاستفادة من معطيات الحداثة وأدواتها، ولكن دون التسليم الكامل لمنظومتها الثقافية والأخلاقية بصفة خاصة. (3) الممانعة الثقافية اللاحقة أو البَعدية، حيث ارتد المجال الاجتماعي إلى تجديد أصوله المحلية بعد انتصار الحداثة في تلك المجتمعات؛ إذ شهدت مصر وإيران منذ السبعينات، بصفة خاصة، عودة الأيديولوجيات الرافضة لمضمون الحداثة بعد أن كانتا مركزين مهمين من مراكز الحداثة الثقافية الإسلامية. وبالمثل، حدث تراجع للحداثة الثقافية إبان عقد الثمانينات في كل من: تونس وتركيا وباكستان وإندونيسيا، مع تزايد وتيرة تأثير الحركات الصحوية الداعية للتمسك بالتراث الحضاري الإسلامي ونبذ كل ما يمت بصلة للحداثة.

وبحسب الكاتب، اشتركت هذه الممانعات الثلاث في التأسيس الثقافي لآيديولوجيا سياسية وطنية مناهضة للاحتلال، وتجاورت مع بعضها بعضا، ولم يكن بينها قطيعة حادة، مثلما اجتمعت على القول بأولوية العامل الخارجي على الداخلي في تفسير ضعف الأمة وهوانها، لذا كانت تصمت ضِمنا عن مثالب الداخل الإسلامي صمتا كليا أو جزئيا بدرجات متفاوتة. ويمكن القول إن الحداثة العربية قد مرت بمراحل ثلاث: أولها، مرحلة الميلاد أو التأسيس، وثانيها، مرحلة العنفوان أو السيادة، أما ثالثها، فمرحلة الانزواء أو التراجع. وفيما اتسم الخطاب الحداثي في المرحلة الأولى بالاندفاع الذي بلغ أحيانا حد التهور، فكان يتجرأ على نقد كل شيء يعتقد أنه أسهم في الانحطاط والتراجع الحضاري، بما في ذلك انتقاد الدِّين نفسه، ازدادت جرأة الحداثة العربية وثقتها بانتصارها في المرحلة الثانية، خاصة مع تولي التيار القومي العربي زمام السلطة السياسية.

وبحسب الكاتب، يمكن القول أيضا إن الحداثة قد تعرَّبت سياسيا في هذه المرحلة، وحصَّلت لنفسها شرعية داخلية وحازت بموافقة قطاع جمهوري عريض، الأمر الذي ساهم في نفي اتهامها بممالئة المستعمِر أو التماهي معه. وإنما على العكس من ذلك، شرع الحداثيون العرب في انتقاد القوى الإسلامية واتهامها بالتحالف مع النظم الرجعية والإمبريالية ضد قوى التحرر والتقدم الوطنية.

بيد أن دوام الحال من المحال، إذ سرعان ما تراجعت موجة الحداثة إثر نكسة 1967، والتي كانت مؤشرا على بداية انحسار المشروع القومي العربي. وعندئذٍ لم تجد الثلة الباقية من الحداثيين العرب ملجأً سوى الانكسار والتراجع، والسير في طريق التصالح مع الغرب الأمريكي، بل والدعوة الصريحة إلى التحالف معه من أجل إنقاذ الحداثة والديمقراطية من «الخطر الأصولي المتصاعد». ومع ذلك، اتسمت الحداثة العربية إبان طوريها الأول والثاني، بسيادة النزعة العقلانية على أطروحاتها وتوجهاتها. وكانت العقلانية الإصلاحية الإسلامية، والتي لم تكتفِ بإعادة إحياء الصلة مع أفكار ابن خلدون والشاطبي وابن رشد، أولى هذه العقلانيات النيرة التي سعت إلى تأصيل بعض موضوعات الفكر الليبرالي الأوروبي ذاته مثل: دفاع الإصلاحيين عن المدنية العصرية، ووجوب الانفتاح على ثمراتها، وعنايتهم بمسألة الدولة الوطنية، وتقديمهم رؤية حديثة للإسلام تصالح بينه وبين العصر أو بين الإيمان والعلم.

بيد أن مشروع العقلانية الإصلاحية هذا، سرعان ما واجه عوامل ثلاثة أدت في النهاية إلى إجهاضه كلية، وهذه العوامل هي: (1) انهيار المشروع السياسي الإصلاحي في كل من مصر وتونس والمغرب والدولة العثمانية خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

(2) انقلاب رشيد رضا على أفكار أساتذته، وعودته مرة أخرى إلى منظومة الخلافة وفقه السياسة الشرعية. (3) سقوط البلاد العربية في قبضة الاستعمار؛ حيث تغيَّرت الإشكاليات والأسئلة الفكرية، ولم تعُد الفكرة الإصلاحية مناسبة للتصدي لعنف الاحتلال الأجنبي وسياساته.

ولاحقا، ظهرت الموجة الثانية من العقلانية العربية والتي انفتحت على الثقافة الغربية منذ العقود الأولى للقرن التاسع عشر، وتمركز روادها في بلاد الشام أولا ثم في مصر إلى حين بروز اسم عبد الله العروي في المغرب باعتباره ممثلا الذروة في مدرسة العقلانية الحداثية، حسبما يقرر الكاتب. وفي تفسيره لازدهار هذه المدرسة الليبرالية العقلانية، يُرجع المؤلف ذلك لأسباب ثلاثة: أولها، عمومية الحاجة إلى المنظومة الفكرية الغربية. وثانيها، عدم رهان الحداثيين العرب على أوهام إصلاح الدولة العثمانية، ناهيك عن سعيهم لقطع الصلة بها. أما ثالثها، فيتمثل في حجم التأثير الإيجابي للحقبة الليبرالية في مصر وبلاد الشام، والتي امتدت ما بين الحربين العالميتين وأتاحت مساحة واسعة من حرية الرأي والتعبير على صفحات الجرائد والمجلات بصفة خاصة.

لكن، وفي النهاية، دخلت العقلانية الحداثية العربية نفق اضمحلالها منذ نهاية عقد السبعينات ولم تخرج منه حتى الحين، بل قد يمتد أفولها لفترة طويلة من الزمن. وفي كل الأحوال، فإن الرسالة الأساسية التي يخرج بها القارئ من هذا الكتاب تكمن في ضرورة الإصغاء إلى خطاب الحداثة العربي في كليته ومنظوميته الفكرية دون التعويل على مبدأ الانتقائية والتحزب الثقافي، مع وضعه في ميزان التقدير العلمي قبل الحكم عليه بأحكام أيديولوجية. وإن كان يحول دون ذلك أسباب شتى عسى يكشف عن مضمونها ويحلل بنيتها ويجيب عن تساؤلاتها الجزء الثاني من هذا الكتاب القيم.

المصدر: الشرق الأوسط

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم