|
|
مختارات متنوعة
في «المسألة العربية» والديموقراطية وبناء الأمة | في «المسألة العربية» والديموقراطية وبناء الأمة |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 25 تشرين الثاني 2007 الساعة 12:57 | ||
|
ياسين الحاج صالح - الحياة هناك استثناء عربي من الديموقراطية، يقول عزمي بشارة في كتاب له صدر مؤخرا، استثناء عربي وليس إسلاميا، أساسه وجود «مسألة عربية» غير محلولة (في المسألة العربيـــة، مقدمة لبيان ديموقراطي عربي، مركز دراسات الوحدة العربية، 2007.). ويعتقد المثقف والسياسي الفلسطيني الذائع الصيت أن «القضية العربية لم تحل كقضية قومية. ولا يمكن بناء نظام سياسي مستقر وديموقراطية بقضية قومية غير محلولة، فلدينا ليس فقط قضية قومية عربية غير محلولة، بمعنى أنها أكبر أمـــة في عالمنـــا لم تحظ بحق تقرير المصير، بل لم تحل فيها مسألة شرعية الدولة العربية القائمة». وفي مكان آخر من كتابه يقرر بشارة: «وما زالت القومية العربية أكبر قومية معاصرة مرشحة لأن تتحول إلى أمة/ دولة محرومة من حقها في تقرير المصير». لكن ماذا يعني حل المسألة العربية؟ وكيف نفهم «حق تقرير المصير» للقومية أو الأمة العربية المعاصرة؟ بشارة ليس واضحا أبدا في هذه النقطة الأساسية. وفي تلخيص لأطروحات كتابه قدمه في دمشق في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، قال ما يفيد بضرورة حل «المسألة العربية» في الوعي. لعل في ذلك تداركا لغموض فكرة حل المسألة العربية، بيد أنه تدارك غامض هو ذاته. وبينما يحصل أن يقول إن المسألة العربية «لا يمكن أن تحل دون مشروع سياسي وطني وأجندة ديموقراطية وطنية»، فإن أطروحة كتابه الرئيسية تقول العكس. هذا يسوغ نقدا وجهه برهان غليون لبشارة حول «وضع القومية في مواجهة الديموقراطية وفي مرتبة سابقة عليها». إلى ذلك أجرى مؤلف «في المسألة العربية» كلامه على «أجندة ديموقراطية» وطنية في سياق الاعتراض على «اختلاط الإصلاح السياسي بالتدخل الأجنبي والأجندة الاستعمارية، وذلك من دون مشروع سياسي ديموقراطي وطني مقابله». هذا كلام غير منصف في أحسن الأحوال. فطوال عقد الثمانينات، وقبل 11 أيلول طبعا، وقبل غزو العراق، بل قبل انتهاء الحرب الباردة، دانت الهيمنة لفكرة الديموقراطية في النقاش السياسي والثقافي العربي، وعقدت حولها مؤتمرات وصدرت كتب، بالخصوص من «مركز دراسات الوحدة العربية» في بيروت الذي صدر منه كتاب عزمي بشارة. وقبل ذلك وفي سبعينات القرن نفسه انتقدت مجموعات يسارية سورية مهمة «الشيوعية السوفياتية» و»الديموقراطية الشعبية»، وانخرطت في العمل الوطني المعارض على أرضية برنامج ديموقراطي ووطني، ونالها ما لا يعقل أن بشارة يجهله. لتعزيز أطروحته المركزية بنقض نقيضها، يقول بشارة: «ولو نجحت الدولة القطرية في تشكيل أمة مدنية على أساس الانخراط في مواطنة حقوقية هي الضمان ضد الاستبداد وليس العشيرة أو الطائفة، لكان وقع ربما فصل محمود، مهما بدا لبعض القوميين غريبا، بين قومية عربية ثقافية ينتمي إليها غالبية المواطنين في الدول العربية من جهة، وأمة سياسية قائمة على المواطنة في الدولة القطرية من جهة أخرى». ومرة أخرى يقترح تفسير إخفاق تحول الدول العربية إلى «أمم سياسية» بالمسألة العربية غير المحلولة، «فبقيت الاحتمالات قائمة [أي محصورة] بين قومية عربية ثقافية وسياسية في آن معا، وبين انتماءات سياسية عشائرية وطائفية بعضها عابر وبعضها عابر لحدود الدول». ويكرر المعنى ذاته في موقع آخر من الكتاب: «ولم تنجح الوطنيات المحلية بالتحول إلى هوية كهذه [هوية جامعة أو «صمغ قومي لاصق» بتعبيره] بل ساهمت في تكريس البنى والهويات العشائرية والطائفية». وبأسلوب تلميحي متواتر في كتابه الجديد، يضيف المثقف الفلسطيني: «ومؤخرا تحول الخوف حتى من الحرب الخارجية، أو العدوان الخارجي على بلد عربي، إلى خوف من أن تؤدي إلى احتراب داخلي. ولا يمكن الادعاء أن هذه الوقائع تقدم دليلا واحدا على نجاح في تثبيت وطنية أو قومية قطرية». بالفعل. ما من دليل مهما يكن صغيرا على «تثبيت وطنية أو قومية قطرية» في البلد المعني. ويبدو أن بشارة يفترض أنه لمجرد وجود «دولة قطرية» فإن نخب السلطة فيها ستجتهد من أجل بناء وطنيات أو «أمم مدنية» فيها. بيد أن هذا غير ضروري، ولا سند له من الواقع. إذ لم تبذل أية جهود، لا في هذا البلد ولا في غيره في المشرق، من أجل «تشكيل أمة مدنية». كما لم تبن أية مؤسسات عامة مستقلة، ولم يسمح بوجود أية سلطات أو حصانات اجتماعية مستقلة، أو ببروز أية شخصيات طبيعية أو اعتبارية مستقلة، عدا... الرئيس. طوت الزمان أعمار كان خلالها ثمة «شخص واحد حر» في البلد المعني، وحيثما استطاع مد نفوذه، بما يصادق على حكم استفزازي لهيغل عن «الشرق». وستستغني «نخب» هذه الدولة السلطانية المحدثة بالولاء للحاكم عن تعهد التماهي الوطني العام، بل إن ضيق القاعدة الرمزية للتماهي (الحاكم هو الرمز الوحيد) يجعله في حكم المستحيل. وطـوال عقـــود كانت الأولوية العليا لنخب السلطة في الدول المعنية، رافعة راية القومية قبل غيرها، تتمحور حول البقاء في السلطة «إلى الأبد». وتدفع هذه الأولوية تلقائيا إلى اعتبار المجتمع المحكوم مصدر خطر، ومن ثم إلى بناء الأجهزة الضرورية لاستباق هذا الخطر. وسيقتضي ذلك تفكيك «الأمة» لا بناءها. فكلما كانت «الأمة» أضعف وأكثر انقساما تيسر حكمها. فكرة «الأمة العربية» هنا قد تلعب، وقد لعبت فعلا، دور حجاب يغطي تفكيك المجتمعات المحلية وإضعاف شخصيتها. والحال إنه من بالضبط من أجل إضعاف النزعات العشائرية والطائفية، يتعين تقوية شخصية الدول القائمة. وأولا تقويتها ضد السلطة الشخصية لحاكم فرد مطلق. علما أن شخصنة السلطة في الحاكم من جهة، واشتغال الهويات الفرعية، العشائرية والطائفية، مكن جهة أخرى، ينتميان إلى العالم السياسي ذاته، عالم الدولة السلطانية المحدثة الذي لا مقام فيه للدولة كسلطة سيادية ممأسسة. (ومن هذا العالم أيضا التحول نحو ما سماه سعد الدين إبراهيم «الجملكية»، ومنه «الفتنة» المرهوبة كشكل أهلي مرجح للتنازع السياسي المكبوت). والقصد أن نقول إنه كما لا «ديموقراطية من دون ديمـــوقراطيـــــين»، في رأي بشارة الذي ينتقد نظرية كان زكاها غسان سلامة في كتاب مشهور، فإنه لا «أمة مدنية» دون «قوميين» حقيقيين. وليس من هؤلاء من يتحرك بين إيديولوجية قومية عربية لا تُلزِمه بأي شيء حيال مواطنيه وبين انتماءات أهلية دون المرور بالدولة. ثم، كيف نعزز القومية العربية كي تنتصب في وجه الطائفية والعشائرية؟ بتدريس مقرري «ثقافة قومية اشتراكية» في الجامعات بدل مقرر واحد؟ بمزيد من الخطابة القومية الصادحة؟ لا جواب لدى بشارة أيضا. والحال بينما لا تظهر العروبة في كتاب بشارة إلا كهوية، كـ»صمغ لاصق»، فإن أفضل ما في الحركة القومية العربية، مذ نشأت بين الحربين العالميتين، ليس الإعلاء المشروع من شأن العرب والرابطة العربية، بل إدراج ذلك في نزوع للتحرر والمساواة والعدالة، ارتفعت به عن سياسات الهوية. إن عروبة دون مشروع تحرري ومساواتي ليست عاجزة عن الوقوف في وجه الطوائف والعشائر، بل هي هوية جزئية تتعايش مع هويات جزئية أخرى. ولذلك، أي لأنها أمست معدومة الشخصية تماما، يستطيع اليوم عتاة الطائفيين انتحالها ورفع راياتها عاليا. ختاما، يمثل كتاب بشارة عودة إلى إشكالية المرحلة القومية في الخمسينات والستينات بعد جيل كامل هيمنت فيه إشكالية الديموقراطية. ورأيي أن الطرح الديموقراطي يعاني أزمة نظرية وسياسية عميقة، وأن الحاجة تلح إلى إعادة بناء تفكيرنا السياسي ككل لا العودة إلى إشكاليات فات أوانها. نقلا عن دار الحياة
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|