|
|
مختارات متنوعة
هيجل : أبو اليمين واليسار! | هيجل : أبو اليمين واليسار! |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 26 تشرين الثاني 2007 الساعة 13:22 | ||
|
قراءة : عبدالله المطيري - جريدة الرياض
العنوان : فينومينولوجيا الروح. المؤلف : هيجل. محبط هذا الكتاب ومحفّز في ذات الوقت. محبط لأنك أمام كتاب مهم جدا في الفلسفة ولكنه منغلق وشديد الصعوبة، ليس هذا الحكم نتيجة لتجربتي الخاصة مع هذا الكتاب فقط بل هو مشترك عند أغلب من كتبوا عن هيجل الذي يذكر عنه ول ديورانت في "قصة الفلسفة" أنه يقول "لم يفهمني سوى رجل واحد وحتى ذلك الرجل لم يفهمني جيدا". ولكن هذا الكتاب محفز في ذات الوقت كونه يستثير التحدي لدى القارئ المهتم فقراءته شكل من أشكال المغامرة التي فيها المزيج المغري بين الصعوبة واللذة. أكثر من ثمانمائة صفحة من كتابة شديد التعقيد لا ألوم فيها المترجم لولا أن مقدمته التي تجاوزت المائة صفحة كانت في مواضع عديدة أعسر من متن الكتاب ذاته. أتحدث هنا عن د. ناجي العونلّي أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية، حاصل على الدكتوراه في فلسفة هيجل. ورغم عسر الترجمة إلا أن هذا العمل يعد إسهاما كبيرا للثقافة العربية. فتقديم هذا الكتاب المهم لأول مرّة للقارئ العربي فضل يستحق مقدمه الشكر الجزيل والثناء المستحق. هيجل فيلسوف مهم ففلسفته ذات أثر كبير في تاريخ الفكر البشري من عصر الأنوار إلى اليوم يكفي أن أذكر هنا بسرعة أن أطروحة فوكوياما حول نهاية التاريخ تستند تحديدا على فلسفة التاريخ لدى هيجل. كما أن فكرة صراع الحضارات كما عند هنتنجتون تجد تنظيرها الأعمق داخل فكرة الصراع الحتمي في فلسفة هيجل. وقبل هذا التأثير المتأخر كانت فلسفة هيجل قد ساهمت في إنتاج اليمين واليسار داخل الفلسفة الألمانية! نتحدث عن أسماء كبيرة وشهيرة خصوصا في اليسار "الهيجليون الشبان" الذي يضم (شتراوس و فيورباخ و تيودور فشر وكارل ماركس). أما اليمين "الهيجليون الكبار" فيضم (فورستر وهوتو ومارهاينكه وشالر). بدأ الخلاف بين الجماعتين كما يذكر شتراوس بمشكلة حياة يسوع وتاريخ الإنجيل باعتباره تجسيدا لفكرة وحدة الطبيعة الإلهية والبشرية إلا أنه لم ينته إلى هذا الحد، فلم يلبث أن امتد إلى مجالات أخرى في الفكر والسياسة وهذا طبيعي ومتوقع. جورج فردريك هيجل ( 18311770) ولد في اشتتجرت بألمانيا و دخل في بداياته معهد "توبنجن" الديني وهو معهد بروتستانتي لتخريج القساوسة الإنجيليين. ولكن العكس حصل فقد أصدرت الكنيسة الإنجيلية في قرار خاص بعد وفاة هيجل بسنة أنه خطر على الدين ولم يسمح بإلقاء تأبين على ضريحه. اهتم هيجل مبكرا بالدراسات الكلاسيكية وتحمس كثيرا للثورة الفرنسية وأنشأ مع مجموعة من أصدقائه ناديا لبث مبادئ الثورة الفرنسية بين الطلاب، كان عمره تسعة عشرة سنة حين قامت الثورة وراح هو وزملاؤه يزرعون شجرة الحرية في ساحة الحي احتفالا بهذه الثورة التي غيّرت مجرى التاريخ، قال هيجل عن الثورة بعد أربعين سنة من حدوثها "كانت إشراقة رائعة للشمس. كل العقول المفكرة رحبت بها. و رانت على الجميع أحاسيس بهيجة في ذلك الزمان. وراحت حماسة الروح تجعل العالم يرتعد قشعريرة. يحصل ذلك كما لو أننا في تلك اللحظة بالذات توصلنا إلى المصالحة الحقيقية بين الرب والعالم" . اشتغل بعد التخرج بالتدريس الخاص ولم يتعجل في إصدار مؤلفاته حتى تكتمل أركان فلسفته. تأثر بالفيلسوف شلنج حتى عد نفسه تلميذا له. تحصل بعد ذلك على الأستاذية بجامعة إيينا ثم انتقل إلى جنوب ألمانيا تحديدا في نورمبرج بعد خلاف شهير مع شلنج ثم عين بجامعة هيدلبرج ثم برلين. وهناك بلغ ذروة مجده وشهرته حتى أن الإيمان بفلسفته أصبح يرشح للوظائف العليا في الإدارة البروسية كما يذكر بدوي في موسوعة الفلسفة. مهمة الفلسفة عند هيجل يصنف هيجل عادة ضمن الفلاسفة المثاليين وهو أيضا يسمي نفسه بهذا الاسم. ولكن المثالية عنده تختلف عن الفهم السائد الذي يضع النظرة المثالية في مقابل النظرة الواقعية. فالمثالية بهذا الفهم تعني أن يضع الفيلسوف مقاييس ومبادئ خارجة عن الواقع ومفارقة له ثم يسعى لتغيير الواقع اقترابا منها. مهمة الفلسفة عند هيجل كما يوجز بدوي "ليست صرف الإنسان عن العالم الواقعي بل على العكس مهمتها أن تصلح ذات البين بين الإنسان والعالم الغريب الذي يشعر في البداية حين يقذف به فيه أنه غريب عنه. وإصلاح ذات البين هذا يتم بأن تبين الفلسفة للإنسان ما هنالك من تجانس بين ذاته وبين هذا العالم، هنالك يدرك العقل ذاته وسط العالم ويرى نفسه أنه فيه كما فيه غيره، فلا يشعر انه غريب عنه بل يتفهمه و يتعقله، وبتعقله إياه يصبح أليفا لديه". لا يعني هذا أن هيجل ضد تغيير الواقع ولكنه يعتقد أن هذا التغيير إن حدث فهو نتيجة لروح التاريخ. يقول هيجل موضحا العلاقة بين الثورة على مستوى الفكر والثورة على مستوى الواقع "هناك ثلاث فلسفات الآن: فلسفة كانط، وفلسفة فيخته، وفلسفة شيلنغ في هذه الفلسفات الثلاث تجسدت الثورة التي توصلت إليها الروح في ألمانيا في السنوات الأخيرة.. وفي تتابعها رأينا المجرى المتسلسل الذي اتخذه الفكر. وقد ساهم شعبان اثنان في صنع هذا الفترة الكبيرة التي نعيشها الآن من التاريخ العالمي. هذان الشعبان هما الشعب الألماني والشعب الفرنسي. في ألمانيا تجسدت الثورة في الفكر، وفي الروح، وفي المفهوم. وفي فرنسا تجسدت في الواقع الحي". فلسفة التاريخ ونتيجة لهذا التصور تأتي مقولة هيجل الشهيرة أن كل واقعي عقلي بالضرورة، وبعبارة هيجل التي وردت في كتابنا هذا "فينومينولوجيا الروح" ص 309يقول "العقل إنما هو الإيقان من كونه كل واقع". وهذه هي فلسفة التاريخ لدى هيجل وهي الفلسفة الأكثر شهرة. التاريخ لدى هيجل ليس رواية الأحداث لاستنتاج العبر والحكم، التاريخ الكلي الحقيقي هو التاريخ الفلسفي باعتبار أن العقل هو جوهر التاريخ. يرى هيجل أن التاريخ يتحرك وفقا لمقتضى العقل وأن الأحداث مهما بدت متناقضة إلا أنها تمثل في النهاية خطا متجها باستمرار نحو الحرية. و "مكر التاريخ" يعني عند هيجل أن التاريخ قد يستخدم أحيانا بعض الطغاة لتحقيق أهدافه دون أن يشعروا بذلك. أوضح مثال على ذلك نابليون بونبارت الذي اجتاح أوروبا بجيوشه في عمل مستبد ولكنه في النهاية خدم التاريخ عن طريق نشر مبادئ الثورة الفرنسية الداعية للحرية. يستدل هيجل على أن روح التاريخ تسير به نحو الحرية باستعراض تاريخي ساقه في محاضراته في فلسفة التاريخ فالتقدم نحو الحرية يجد دلالاته أولا في الانتقال من الطغيان الشرقي القديم الذي كان فيه فرد حر واحد والبقية عبيد (في مصر القديمة وفارس وبابل) ثم تم الانتقال إلى الجمهوريات والأرستقراطيات الجديدة في اليونان وروما التي زاد فيها عدد الأحرار ولكنه لم يصل إلى الغالبية. ثم جاء التطور في الأمم الجرمانية التي وعت حرية الفرد واستقلاله ن ومن هنا يعتقد فوكوياما أن التاريخ سينتهي في الحقبة الليبرالية لأن روحه، بحسب هيجل، الحرية قد تحققت. ويعتقد هيجل أن الحروب هي الفترات التاريخية الحقيقية فهي التي تستفز الشعوب وتحقق فيها الأمم قفزات هائلة لم تكن لتحدث لولا الحروب، بينما تعتبر فترات السلام خالية من المنجزات والأحداث الحقيقية. يبدو أن هيجل كان متأثرا بالأحداث المتوترة في عصره ولكن التاريخ بعد يقول إن الإنسان حقق في فترات السلم الكثير من التقدم والإنجازات ولكن في ظل الدولة الديموقراطية الحديثة التي توفر في داخلها أجواء من التحفيز والمنافسة تدفع الإنسان بالاستمرار للأمام. المنهج الديالكتيكي ترتكز فلسفة هيجل على منهج الديالكتيك أو الجدل وهو يعني أن التطور والتقدم في الفكر والطبيعة يقوم عن طريق تقابل الوضع الأول مع سلبه أي نقيضه ثم ينتج عن هذا تأليف بينهما يكون شيئا جديدا وهو من جهته ينتج ضده وهكذا. المنطق الديالكتيكي يرتكز على بديهية "أن كل شيء يتغير". هذا القانون ينطبق على الفكر والوجود ولا معنى للفصل بينهما عند هيجل بحكم أن الوجود عقلي بالضرورة. يرى هيجل أن الجدل الديالكتيكي يدرك التعارض في الوحدة ويدرج الموجب في السالب. وهذا المنهج يمكن من خلاله فهم تناقض الإنسان فالإنسان بالضرورة يحمل تناقضاته وهي التي تشكل مجمل شخصيته. يفهم هيجل التناقض فهما مختلفا فهو لا يعتقد أنه مستحيل أو شاذ بل هو موجود في نفس الأشياء، هو السلب في تعينه الجوهري، هو مبدأ كل حركة تلقائية، وما الحركة إلا مظهر من مظاهر التناقض. وهنا أقع على فكرة غريبة لدى هيجل سبق فيها فيزياء الكوانتم التي أثبتت أن الاكترون يمكن أن يكون في مكانين في نفس الوقت مما سبب بلبلة كبيرة في التفكير العلمي والفلسفي. يقول هيجل "الحركة الخارجية هي بذاتها هي وجود التناقض المباشر نفسه، فإن الشيء يتحرك ليس فقط بوصفه يوجد في لحظة ما هاهنا وفي الأخرى هاهناك، ولكن أيضا بوصفه هو في نفس الوقت ليس في نفس المكان. ماذا بقي من هيجل ؟ كان هيجل أحد رموز التنوير الكبار الذين عاشوا في عصر لم تكن البشرية فيه قد تحصلت على حرياتها التي تتمتع بها اليوم، حرية التفكير والتعبير والنقد إلا أن هؤلاء الرموز عملوا على هذا التغيير فهذا هيجل يؤلف في وقت عسير كتابا عن المسيح لينزع عنه ألوهيته في مجتمع ونظام سياسي يعتبر هذه الألوهية أغلى ما يملك. وقد كان معاصره وأستاذه الكبير كانط قد أصدر قبله كتابه الشهير" الدين في حدود مجرد العقل "ليتعرض بعده لتهديد مباشر من الملك. قد لا نستطيع اليوم تقدير هذه الأفكار تماما فقد اعتدنا على سماعها ولكنها في ذلك الوقت لم تكن كذلك. يعلق البروفيسور الفرنسي جاك دوندت، صاحب الدراسات المهمة عن هيجل، على هذه القضية قائلا" إن هذه الأفكار الكانطية لم تعد تصدم رجال الدين في عصرنا الراهن. فقد سمعوا بمثلها وأكثر!... ولكن مهما تكن درجة التساهل التي سمح بها التنوير الألماني، فإن أفكار كانط لها وقع الزلزال على معاصريها، وبخاصة تلامذة اللاهوت". إن ما يتبقى من هيجل هو ما يتبقى من فلسفة الأنوار، الفلسفة التي دعت إلى حرية الإنسان، وجعلت هذه الحرية هي معناه وهدف روحه. الفلسفة التي خلّصت الإنسان من الكثير من أفكار ومعتقدات عصور الظلام، فقد فكّت عنه قيوده وأغلاله التي طالما قيدته. ليس في هذا الكلام مبالغة شعرية، تكفي المقارنة بين أوروبا،الإنسان الأوروبي، بعد الأنوار بما قبلها. لقد تحول من الجهل والتخلف والإعاقة وعبادة رجال الدين والفقر والمرض والسلبية إلى العلم والتقدم والانطلاق والفردية والتحرر والغنى والانطلاق واكتشاف العالم. كل هذه المنجزات كانت نتيجة للفلسفة التي أعاد الإنسان العاقل ليكون مركزا للوجود والحياة. الفلسفة التي أسست للدولة الحديثة التي قامت على مبادئ حقوق الإنسان التي ذروة إنجازات عصور التنوير. لقد أنجز هيجل الكثير في ما يخص الدولة المدنية ومؤسسات المجتمع المدني والدساتير حتى عدّه البعض متطرفا في هذا السياق. لا تعني فلسفة هيجل العلمية اليوم شيئا فقد تخطاها العلم كثيرا ولكن رؤيته للإنسان والوجود والتاريخ لا تزال تستثير العقل والتفكير خصوصا في عصر يعتبر بمنطق هيجل عصر تاريخي بامتياز فهو يشهد الكثير من التحولات والحركة والحروب فهل التاريخ لا يزال يسير باتجاه الحرية كما كان يعتقد هيجل ؟. المصدر: جريدة الرياض
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|