|
تلمّس ابن خلدون للنهضة الأوروبية |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
01 كانون الأول 2007 الساعة 14:59 |
|
يعد ابن خلدون (1342-1406) بمقدمته، ومتن تاريخه، مؤرخاً للحضارة وواضعاً لأسس ما يمكن تسميته بعلم الاجتماع البشري، إذ كان موضوعه «العمران البشري والاجتماع الإنساني، وبيان ما يلحقه من العوارض». وقد لخص ابن خلدون، الذي عاش حتى مشارف القرن الخامس عشر، الوجهة الإدراكية العربية عن أوروبا، منطلقاً من النظرة التخيلية العربية نحو أوروبا، التي كرسها الجغرافيون المسلمون، وقسمت المعمور من الأرض إلى سبعة أقاليم، يقع العالم العربي - الإسلامي في موقع المتوسط فيها، أي في الإقليمين الثالث والرابع، ووضع الأمم الأوروبية في الأقاليم التي تشتد فيها البرودة تدريجاً كلما أوغلنا شمالاً، من الإقليم الخامس إلى السادس إلى أن تبلغ أشدها في الإقليم السابع، وتتضاءل بالتالي الشروط الجغرافية - البيئية المساعدة على نشوء العمران والحضارة. وفي المقابل فكلما أوغلنا جنوباً إلى الإقليم الثاني فالأول ازدادت الحرارة وتضاءلت بالتالي فرص العمران، فهو يقول: «ولما كان الجانبان من الشمال والجنوب متضادين في الحر والبرد، وجب أن تتدرج الكيفية من كليهما إلى الوسط، فيكون معتدلاً. فالإقليم الرابع أعدل العمران من كليهما، والذي حافتاه من الثالث والخامس أقرب إلى الاعتدال، ويليهما الثاني والسادس البعيدان من الاعتدال، والأول والسابع أبعد بكثير. فلهذا كانت العلوم والصنائع والمباني والملابس والأقوات، والفواكه، بل والحيوانات، وكل ما يتكون في هذه الأقاليم الثلاثة المتوسطة مخصوصة بالاعتدال. وسكانها من البشر أعدل أجساماً وألواناً، وأخلاقاً وأدياناً، حتى النبوءات (= من النبوة) توجد في الأكثر فيها، ولم نقف على خير بعثة (نبوة) في الأقاليم الجنوبية والشمالية».
أما أهل الأقاليم المتوسطة فهم «أهل المغرب والشام والحجاز واليمن والعراقين والهند والسند والصين، وكذلك الأندلس ومن قرب منهم من الفرنجة والجلالقة والروم واليونان، ومن كان مع هؤلاء أو قريباً منهم في هذه الأقاليم المعتدلة». فالبلاد الأوروبية القريبة من الأقاليم المعتدلة ينشأ فيها العمران، وتتوطد معالم الحضارة، وتظهر الديانات الموحى بها، وهو بهذا ينظر إلى انتشار المسيحية في البلاد الأوروبية: الروم، اليونان، الجلالقة، الفرنجة، كأحد معالم الحضارة والعمران. أما الأقاليم الموغلة شمالاً وجنوباً كالأول والثاني، والسادس والسابع «فأهلها أبعد من الاعتدال في جميع الأحوال» ولا يدينون بشريعة سماوية «إلا من قرب منهم من الاعتدال، وهو في الأقل النادر، مثل من دان بالنصرانية من أمم الصقالبة والإفرنجة والترك من الشمال، فيضع ابن خلدون انتشار المسيحية في بلاد الشمال: الصقالبة، الترك، الإفرنجة، كإحدى علائم العمران والحضارة».
واستمراراً لخط المسعودي، وصاعد الأندلسي، يتفحص ابن خلدون تاريخ الروم واليونان والإفرنجة وتطور أحوالهم، وعملية انتقال المسيحية من فلسطين، بيت المقدس إليهم، وما واجهه المسيحيون الأوائل من اضطهاد من قياصرة الروم، إلى أن انتصرت على يد قسطنطين، ثم توسع الإمبراطورية الرومانية، وانقسامات الكنيسة، ثم نهوض العرب المسلمين وتوسعهم على حساب الروم، ثم انقلاب الزمان عليهم وعودة القوة إلى بلاد الشمال الفرنجية. فيقدم صورة تبجيلية لتاريخ اليونانيين، والروم اللاتين. أما اللطينيون فهم «أمة أشهر أمم العالم» والملوك القياصرة الروم «من أعظم ملوك العالم وأشهرهم»، كانوا أولاً «على دين المجوسية ثم بعد ظهور الحواريين نشروا دين النصرانية في أرضهم». وبعد أن يتحدث عن بعث المسيح، وعن مصيره، وتشتت الحواريين، يقول: «وكان بطرس كبيرهم فنزل برومة دار ملك القياصرة، ثم كتبوا الإنجيل الذي أنزل على عيسى صلوات الله عليه، في نسخ أربع على اختلاف رواياتهم»، ويشير إلى اختلاف هذه النسخ الأربع وإلى «أنها ليست كلها وحياً صرفاً، بل مشوبة بكلام عيسى عليه السلام وبكلام الحواريين، وكلها مواعظ، وقصص، والأحكام بها قليلة جداً».
ثم يتحدث عن مآل المسيحية في روما، واضطهاد القياصرة لها في البداية، إلى أن اعتنقها قسطنطين، ويذكرنا بالخلافات المذهبية المسيحية، وعن مجمع (نيقية)، وعن المراتب الكنسية، فيقول: «وكان صاحب هذا الدين المقيم لمراسيمه يسمونه البطريرك، وهو رئيس الملة عندهم، وخليفة المسيح فيهم» فيختلط عنده مفهوم البابوية بمركز الخلافة في الإسلام.
ويذكر انقسام المسيحية إلى الملكية واليعقوبية والنسطورية، وأن كل فئة اختصت ببطرك «فبطريرك روما اليوم المسمى بالبابا على رأي الملكية... واختص اسم البابا ببطريرك روما لهذا العهد»، ويلفتنا إلى بروز الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإلى أن «من مذاهب البابا عند الإفرنجة أنه يحضهم على الانقياد إلى ملك واحد يرجعون إليه في اختلافهم واجتماعهم، تحرجاً من اختلاف الكلمة... ويسمونه الانبرذور (الإمبراطور)...». كما سجل ابن خلدون تنامي قوة الإفرنجة من خلال توسعهم ومحاولتهم الاستيلاء على بيت المقدس، وتراجع موقع العرب، إذ يقول: «وضعف ملك العرب فاستفحل الإفرنجة ورجعت لهم، واسترجعوا ما ملكه المسلمون إلا قليلاً بسيف البحر الرومي. واستولوا على جزائر البحر كله... ثم سموا إلى ملك الشام وبيت المقدس».
ولا يتوقف ابن خلدون عند الملاحظة الخارجية لتنامي قوة (الإفرنجة)، إلاّ ليذكر قارئه بأن تنامي تلك القوة لم يأت بالصدفة، فإضافة إلى تراجع قوة العرب، فإن «أمم النصرانية عدة البحر الرومي أقوم الناس عليها لأنها أعرق في العمران الحضري، وأبعد عن البدو وعمرانه...». ويتابع القول: «إن أمم النصرانية... استكثرت فيها الصنائع واستجلبتها الأمم من عندهم». إلا أن ما يلفت هو إشارة ابن خلدون النابهة إلى بروز مظاهر النهضة الأوروبية، متمثلة برواج التفكير الفلسفي بين ظهرانيها. فابن خلدون ينطلق من قاعدة تقول: «إن رسوخ الصنائع في الأمصار إنما هو برسوخ الحضارة وطول أمدها»، لأن استمرار العمران يجعله من العوائد، والتي «ترسخ بكثرة التكرار وطول الأمد فتستحكم صبغة ذلك وترسخ»، بل إن هذه الأمم حتى لو تناقض عمرانها «بقيت فيه آثار من هذه الصنائع ليست في غيرها من الأمصار».
إلا أن ما تميز به ابن خلدون عن معاصريه من المؤلفين العرب هو إشارته الواضحة إلى بروز مظاهر النهضة الأوروبية، متمثلة برواج التفكير الفلسفي بين ظهرانيها، فهو يحدثنا بعبارة قصيرة ولكنها معبرة عن نهضة الحياة الثقافية في بلاد الإفرنجة، حيث يقول: «وبلغنا لهذا العهد، أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنج من أرض روما وما إليها من العُدوَةِ الشمالية نافقة (= منتشرة) الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة ومتوافرة، وطلبتها متكثرة، والله أعلم بما هنالك».
المصدر: دار الحياة
|