أخبار Google
Google News العالم العربي
Google News العالم العربي
 
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

مواقع سورية
في سورية
البداية arrow خواطر ونصوص arrow حَدَثَ ذاتَ صدمة
حَدَثَ ذاتَ صدمة Print E-mail
بقلم: مناف كعكجي   
11 أيلول 2006 الساعة 19:35

كنت أتوسم خيرا في حضورها أو ذهابي إليها...فلا بد أن تمد يدها وتخرج من ذلك الثوب التقليدي..سبحتها الصفراء ....وعلبة التبغ الفضية والكبريت ومحرمتين... لتعطيني الكراميلا...
كانت تعشق الكراميلا.....ومع أني كنت طفلا في حينها...إلا أني كنت أستغرب إعجابها بهذه الكراميلا البسيطة...المسكينة...
كانت ذروة الدنيا عندها...لقيمات حلو بعد الغداء...وإذا انقطعت بها السبل...فملعقة سكر تؤدي الوظيفة...
لا أجد تفسيرا مقنعا لم ترتدي تلك الأساور المضفّرة؟؟...تلك الهواية التي تشاركها فيها كل عجائز العائلة...
فهي ثقيلة وتقليدية ولا فن فيها....
أشد ما كان يلفت نظري في تلك المرأة...هو خنوعها...فلا متسول ولا سائق سيارة أجرة ولا أي صبي في الشارع...إلا وله جولات نصر مؤزرة من محفظتها ومن حنايا أجفانها...

ولم يكن هناك رجل في العائلة...يصغرها أو يكبرها....إلا وتعتذر منه دون أي داع...فقط لكي لا تُحرم من عطفه بالسلام عليها...وزيارتها في بيتها...
في ذلك اليوم...كانت في احتفالية كبرى...فمناف ضيفها اليوم على الغداء...
على ذلك الكرسي الصغير...وأمام البابور...وقطع الكبة تزهوا وتتألق...وإذ بابن أختها جاء ليشكوا أحدا ما...
في الغالب إما أخوه أو أحد أخواله...
عندما كفرَت تلك المارقة بالذات الإلهية وانتزعت الحق من أحشاء رحم الحياة...وقالت له "هو بيحبك وبيضل الأكبر منك"...
ما كان من ذلك الجبروت إلا أن وقف شامخا وصاح...وكال ونال...وتوعّد...وفي النهاية أذكر أنه شتمها...لم أصدق أذناي.. تأكدت من أني أهذي...فلا أحد في الدنيا يشتم...أنا متأكد
فما كان منها إلا أن عالجته بقسوة بالساعد المثبط لإعصاره ذاك...وترجته أن لا يغضب...
فيوجد لديها سلطة ولبن مع الكبة...فهي لا تريده أن يغضب حتى يأكل هنيئا...
وأراد إثبات وجهة نظره...فنهض وفتح الباب وهو يهمّ بالخروج...وتتابعت منه الرعود والشتائم...وهي تعدد له أنواع الكبة التي جهزتها...عساه يرضخ ولا يغادر...
وعندما يئست واختفى...أغلقت الباب ونظرت إلي...وتوقعت منها شرحا مفصلا لسبب المشكلة...
"والله اشتهيتلو الكبة..."
أحد عشر سنة...أو أكثر بقليل...هي سني عمري في تلك اللحظة...وإلى ذلك الوقت...لم تسعفني الأحداث باضطرابات في أذني...سوا تلك الناجمة عن ضغط الهواء في الطائرة...وشتيمته
إلى بعد تلك الأيام بسنوات طويلة...كنت ما أزال على ثقة تامة...بأن الخير يعم الدنيا...وأن البشر أخوة في الله وفي الدين...وأن الصغير يحترم الكبير...وأن الكبير يعطف على الضعيف والمسكين واليتيم وابن السبيل...
كنت دائما أتساءل في نفسي...ما هو المميز في عينيها....حتى صورها في زفاف والداي...لا أجد تفسيرا لتلك النظرة...وعندما استدعونا لنحملها إلى كفنها....
لم أرها قبل ذلك اليوم...هرمة إلى هذا الحد..لم أعرف أنها عجوز جدا...
هل هي عجوز؟؟ أم أن هذا هو إنهاك المرض؟؟
نظرت إلى تلك الجفون...من أين لها بهذا اللون؟؟
هل هذا هو الكحل العربي؟؟
أظن ذلك...
تذكرت لاحقا أن عيونها من النوع الدامع..

مناف كعكجي


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم