| إلى محمود درويش |
|---|
|
|
| نشرة هلوسات البريدية |
|---|
|
بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب. |
مختارات متنوعة
الاحتلال الأميركي للعراق ونهاية الحقبة الديموقراطية العربية | الاحتلال الأميركي للعراق ونهاية الحقبة الديموقراطية العربية |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 02 كانون الأول 2007 الساعة 22:58 | ||
|
ياسين الحاج صالح - الحياة بعيدا من أن يدشن عهدا من الديموقراطية في العالم العربي، أفضى الاحتلال الأميركي للعراق بالأحرى إلى انطواء زمن هيمنة الفكرة الديموقراطية في وعي المثقفين والناشطين السياسيين العرب. بالمقابل اندفع إلى صدارة الاهتمام العام شاغلان جديدان. يتصل الأول بواقعة الاحتلال ذاتها وسياسة الهيمنة الأميركية التي يندرج الاحتلال ضمنها، فيما يتصل الشاغل الثاني ببنية مجتمعاتنا المشرقية والملفات غير المعالجة وغير المحلولة المتعلقة باندماجها الوطني، ومنها مشكلات قديمة جدا تتصل بالدين الإسلامي والانقسام السني الشيعي. وهي ملفات فاقمها الطغيان الأهوج المديد بدل أن يعمد إلى معالجتها. لوقت وجيز بعد الاحتلال الأميركي للعراق كان بدا أن أفقا من التغيرات الإصلاحية الديموقراطية ينفتح في العالم العربي. سلوك حكومات عربية (مصر وسورية ودول خليجية) وخطاباتها المعلنة بالذات كان يبث هذا الانطباع. وبدا كذلك أن الحركات الديموقراطية القديمة نسبيا والمقموعة في البلدان العربية مستفيدة من هذا الإضعاف الخارجي لنظم حكم تسلطية. وطوال عامين أو ثلاثة قبيل احتلال العراق وبعده أثير نقاش واسع عما إذا كان ممكنا تغيير أنظمة كتيمة كهذه من الداخل. وفي دمشق بالذات ألقى صحافي لبناني معروف محاضرة في عام 2004 قال فيها إن التغيير لا يأتي إلا من الخارج. بيد أن مزيجا من تخطيط أميركي لعراق المستقبل متمركز حول الإثنية وعدم احترام سفيه للشعب «المحرّر» تجلى في صورة فاجرة في سجن أبو غريب، ثم التفجر غير المحتوم للمجتمع العراقي نتيجة هذه السياسة التي لم تبرأ من بُعد انتقامي. هذا المزيج أزاح التفكير بالإصلاح والديموقراطية إلى الهامش لا في العراق وحده، بل في البلدان العربية الأخرى. والإصلاحات الشحيحة التي كانت بادرت إليها بعض النظم المشرقية أو وعدت بها سرعان ما سحبت من التداول مع تكشف وتفاقم تخبط الأميركيين في العراق. وستقع الديموقراطية ضحية اقتران مشؤوم مع الاحتلال والحرب الطائفية في عين أوسع قطاعات الجمهور المتابع للأقنية الفضائية في البلدان العربية. وستحرص حكومات عربية على ترسيخ هذا المنعكس الشرطي، ولسان حالها يقول إما نحن أو الفوضى والحرب الأهلية. فيما لن يجدي نفعا تأكيد الديموقراطيين الصادق على أنهم لم ينتظروا إدارة بوش للعمل من أجل الديموقراطية في بلدانهم. فقد كانت منظماتهم مقموعة وهامشية ولا تكاد تكون مسموعة الصوت. فيما طرقت الديموقراطية أسماع الجمهور العام بالارتباط مع الغزو الأميركي للعراق، والضغوط التي مورست على بلدان عربية متعددة طوال أربع سنوات وأكثر بعد 11 أيلول 2001. لذلك حين ارتدت الموجة الأميركية العالية سحبت معها إلى البحر دعاوى الديموقراطيين المحليين الخافتة. هذا غير منصف، لكن الإنصاف لا يوجه السياسة إن لم تؤازره قوة كافية. وعليه يصح القول إن جولة في العمل الديموقراطي قد خُسرت، وإن نصيب الفكرة الديموقراطية في المساهمة في التغيير السياسي المرغوب في بلداننا أضحى مشروطا بتغيرها هي ذاتها، أعني باستيعابها أوضاعا ومطالب لم تكن تنشغل بها سابقا، وبالتحديد مطلبي الاستقلال والاندماج الوطنيين. لقد خسرت الديموقراطية ما بدا طوال ربع قرن أنها تتمتع به من طاقة هيمنة كامنة. وقد تجسدت هذه الخسارة واقعيا في انكفاء حركتي «كفاية» في مصر و»إعلان دمشق» في سورية. لكن في الوقت نفسه ظهر تعارض قوي بين الشاغلين اللذين فرضا نفسهما على الاهتمام العام إثر الاحتلال الأميركي. فمن يمنحون الأولوية لمقاومة الاحتلال لا يبدون اهتماما بتماسك دولهم واستقرار مجتمعاتهم ولا يبدو أنهم مهتمون بذلك، إن لم نقل إنهم قوى تفجير لها. في العراق هذا واضح جدا. لكن ما يماثله مع اختلاف في الدرجة موجود في فلسطين، وكذلك في لبنان. بالمقابل لا يبدو أن ثمة قوى معنية بترقية الاندماج الوطني الذي كان تهلهله سهل الاحتلال الأميركي وفتح الباب أمام الاصطراع العراقي، وأن غاية ما يطلب لتفادي مزيد من الانفراط الوطني هو بقاء النظم التسلطية ونسيان مطالب التغيير. وكان لتنامي القلق من مخاطر عدم الاستقرار الداخلي دور كبير في إضعاف مطالب التغيير في سورية، ورفع سعر الاستقرار والمالكين والمسوقين له، أي النظام الحاكم. ولا يتكثف تباعد مطلبي المقاومة والاندماج في شيء أكثر من أن الأولى ستستقر في أيدي الإسلاميين الذين يصدرون عن مفهوم للدولة والمجتمع والمقاومة لا يبالي بالاندماج الوطني، في حين أن النظم الاستبدادية وحدها هي من يعرض صيغة (لا سياسية) للاندماج، «الوحدة الوطنية»، التي لا تعني إلا تفككا وطنيا مع وقف التنفيذ. وهكذا سينفصم واقع العرب ووعيهم في المشرق بين دين ودولة متصارعين في ما بينهما، ومتأزمين كل على حدة. يطرح هذا الواقع تحديا عسيرا لا نرى فرصة لنشوء موجة ديموقراطية جديدة من دون الاضطلاع به: توحيد مطلبي الاندماج الوطني ومقاومة السيطرة الخارجية، ما يعني بناء الأمة السيدة والمستقلة ضد الطوائف والعشائر من جهة، وضد أية هيمنة خارجية محتملة. وما يعني أيضا العودة إلى مهمات «قومية»، لكن على مستوى دولنا القائمة. فبعد عقود من البلاغة القومية العربية تكشفت هذه الدول خرعة، هشة، متضخمة جهازيا بقدر ما هي ضامرة الشخصية. وليس غير التوظيف السياسي والمادي والثقافي في هذه الدول يضمن تدارك تلك المهمات التي أنجزت في معظم بلدان العالم الأخرى. هذا يضفي على المطلب الديموقراطي تعقيدا وعمقا لم يعد يمكن تجاهلهما. طوال أكثر من ربع قرن من هيمنة الفكرة الديموقراطية بدا أن دولنا القائمة أطر طبيعية لها، وكانت عبارات مثل التحول نحو الديموقراطية أو الانتقال إلى الديموقراطية تدل بحد ذاتها على أن العملية هذه غير إشكالية. هناك نظم استبدادية، وضدها هناك قوى ومطالب ديموقراطية.. وهذا هو كل شيء. والحال لا يبدو هذا مقنعا بعد العراق. لا ترتد مشكلتنا السياسية اليوم إلى الاستبداد وحده. هناك من جهة مخاطر انتقاص شديد من سيادتها الخارجية، وهناك من جهة أخرى مخاطر انهيار الدول كمؤسسات حكم وككيانات سياسية في آن معا، وتاليا إغراق المجتمعات في الفوضى والنزاعات الأهلية. وهناك بلا شك استبداد يسوغ نفسه مرة بمواجهة المخاطر الخارجية، ومرة بضمان السلم الأهلي. هو فاشل في المهمتين معاً، كما أظهر نظام صدام الذي لا يمثل إلا درجة أعلى من العشوائية والطغيان قياسا بالنظم العربية الأخرى. بيد أنه ما من متحدٍّ ذي صدقية قادر على مواجهة الاستبداد ومؤهل للاضطلاع بوجهي عملية بناء الأمة. ولعل هذا أساس الاستبدادية العربية اليوم. فمن منظور تاريخي، الاستبداد هو المخرج من معضلات لا تتوفر سبل حلها. جملة هذه التطورات تدفع إلى إعادة تصور التحول الديموقراطي كاستقلال ثان، كبناء للأمة أو الدولة - الأمة، بما يتيح لبلداننا إعادة كسب الاستقلال الأول بعد أن فرط به الطغيان الأرعن، وسلّمه للأميركيين أو للطوائف.
|
||
|
|
|
أكثر المواضيع قراءة هذا الأسبوع |
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|