|
لما أناخوا قبيل الصبح عيسهمُ...وحملوها وسارت بالهوى الإبل يا حادي العيس...يا حادي العيس عرّج..كي أودعهمُ.. يا حادي العيس في ترحالك الأجل...إني على العهد لم أنقض مودتهم يا ليت شعري بطول البعد ما فعلوا... لم يتمالك يده وهو يهزها شدوا...ونظر إليه برأفة فرحة...وما هو أدنى من الاستنكار.. "يا ولدي...ناظم الغزالي لمن هم في سنّي...ما الذي دهاك" تابعا الصمت والاستماع... ما زالا في بداية صعود التنايا...ولكن سفرهما أخذ كل منهما في اتجاهه... يا للعجب...هذه الكلمات وصوت ناظم...يأخذاك لزاما إلى غابر الأيام... حتى ولوأنك لم تحيها...ولكنك تعيشها....
الأب كان يفكر في الجد...أما رفيق الطريق فكان يفكر فيه... تلى على رفيق سفره أخبار الجد... حدثه عندما ناصبه الخصومة أحد أكبر شيوخ عشائر الجزيرة في تلك الأيام... وعلم أن ذلك الشيخ قد رصد له من يقتله...فما كان منه إلا أن ركب فرسه وتوجه إلى ذلك الشيخ ودخل عليه في خيمته... فأُسقط في يده...وأمر الشيخ رجاله أن يحضروا من عند والدته النرجيلة التركية التي أحضرها خصيصا لها من استنبول.. فهو يعلم أن ضيفه يهوى التنباك.. تلك الوالدة التي كانت مشهود لها بالنفوذ...ومشهود لولدها بره لها... لما علمت بأن القوم قد رحلوا...وراهب الدير... بالناقوس منشغل...يا راهب الدير بالإنجيل... تخبرني عن البدور اللواتي هاهنا نزلوا... غمرت رفيق الطريق في تلك اللحظة نفحة حسد...أو غيرة... يا للروعة...لقد اعتاد فراقه ونسيانه...ونسي الحنين له... واعتزل اغماض عينيه محاولا تذكر رائحة التبغ في جلابيته...أو تذكّر نظراته... الغضبة...الفرحة...الباكية...المستهزئة...المستنكرة...العنيدة... نسي المداعبات المستفزة... نسي سلطته المطلقة التي تتحطم عند عتبات طيبة قلبه.. حتى النظارات السميكة...وعلاماتها البارزة على أنفه... وقميصه المفضل...وجلسته الاعتيادية.. صوته العالي... غفوته بانتظار موعد الصلاة... لقد خبِِر النسيان وعدم الخوف... جميل جدا... ولكن يجول في خاطره حتى اللحظة..تساؤل وحيد... هل كان ليتفادى النظر إلى تلك الصورة المعلقة في جدران قلبه قبل بيته؟؟؟ شبكت عشري...على رأسي...وقلت له...يا راهب الدير...يا راهب الدير... يا راهب الدير... هل مرت بك الإبل فحنّ لي...وبكى وأنّ لي وشكى... وقال لي يا من ضاقت بك الحيلُ... إن البدور اللواتي جئت تطلبها بالأمس كانوا هنا... بالأمس كانوا هنا.. واليوم قد رحلوا... حقيقة...فإن الصمت يتفوق أحيانا على المفردات... من الصعب شرح وسيلة التفاهم عبر السكون... فقد عرف كل منهما فيم يفكر فيه رفيقه... لم يكن بحاجة إلى أن يُسأل...فلا إجابة عنده ولم أحتج إلى نصيحة...أو حتى وصية...فالإجابة عندي.... واليوم قد رحلوا... صحت محروم....مكلوم...مسقوم...مهموم...خايب ...سايب...يا يا قلبي كنا نغنّي مع ناظم... أوكأنه كان يغني لنا... ولكن والدي لم يكن ناسيا... مناف كعكجي
|