ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow في سورية arrow مجتمع و ثقافة في سورية arrow « فرقة الرقة في سوريا » كتب عبد السلام العجيلي مسرحياتها سراً وفيروز اقتبست أغنياتها
« فرقة الرقة في سوريا » كتب عبد السلام العجيلي مسرحياتها سراً وفيروز اقتبست أغنياتها Print E-mail
هلوسات - مجتمع و ثقافة في سورية
12 كانون الأول 2007 الساعة 18:55
مؤسسها يكشف لـ«الشرق الأوسط»
دمشق: سعاد جروس - الشرق الأوسط

كثيرون لا يعرفون «فرقة الرقة للفنون الشعبية» على أهميتها. فهذه الفرقة التي تعمل بصمت ودون كلل منذ الستينات، يتحدث مؤسسها اليوم لـ«الشرق الأوسط» عن أسرار ما كان ليستطيع البوح بها منذ سنوات قليلة فقط. فهو يخبرنا ان عبد السلام العجيلي كتب للفرقة مسرحيات غنائية ورفض توقيعها باسمه مراعاة لمجتمعه المحافظ، وهي المسرحيات الوحيدة التي خطها بقلمه، كما ان زكي ناصيف وفيلمون وهبي وفرقة كركلا والرحابنة، جميعهم استوحوا من تراث الرقة، وثمة اغنيات لفيروز آتية من هناك. وما تزال الفرقة تنحت في صخر التجاهل، كي تكسر صمتاً ظلمها أكثر من ربع قرن.

في فسحة مبنى تابع لمديرية التربية في الرقة، انهمك إسماعيل العجيلي مع أعضاء فرقته «الرقة للفنون الشعبية» في التحضير للوحة غنائية راقصة باسم «قمر على الشرق» غناء غسان صليبي وسمية بعلبكي وخولة الحسين والحان شربل روحانا.

بعد التدريب على الرقص، كان عليهم إعداد الملابس وغيرها من تحضيرات تستهلك عملاً يومياً يمتد حتى ساعة متأخرة من الليل، يترتب بعدها على العجيلي بصفته المسؤول عن الفرقة، توصيل الصبايا بنفسه إلى منازلهن، بالأخص اللواتي من خارج المحافظة. ثمة قيم اجتماعية محلية حرص عليها مؤسس الفرقة منذ بداياتها عام 1969، فتمكن من الاستمرار في مجتمع يمثل خلطة فريدة من المدنية والريفية والبداوة. في هذه البيئة، كانت الفرقة أشبه بزهرة اللوتس النابتة في البوادي، بكل ما تحمله هذه الصورة من معان متناقضة. فإسماعيل العجيلي الذي كرس حياته للفرقة، حريص على ألا يصطدم مع مجتمعه المحافظ، فكان من الطبيعي أن يكون في عمله متشدداً فيما يخص الأخلاق العامة، وحريصاً على ألا يكون في مسرحه كواليس، فالكل على الخشبة وعلى مرأى من الجمهور. لذلك أكثر ما يثير دهشته هو تبديل الراقصين ذكوراً وإناثاً لملابسهم أمام بعضهم بعضاً في الكواليس. ويقول، هذه التصرفات تعزز الأفكار الخاطئة عن أجواء الفنانين. ويمكن القول، إنه لولا حرص إسماعيل العجيلي هذا، لما تمكن من جعل مجتمع الرقة يتقبل عام 1974، أول عرض فني يجمع شباباً وشابات ضمن تقاليد وأعراف لا تخفى على أحد صعوبة مواجهتها، لكن الفرقة تمكنت بجدارة من تجاوزها لتنطلق بحفلاتها من المحيط الصغير باتجاه العالمي، من خلال تمثيل سوريا في المهرجانات الدولية.

يتذكر العجيلي كيف استنكر الناس عمله بالفن وهو ابن عائلة معروفة. وقد صادف أن نزل أحد زعماء العشائر في «فندق شتورا» بدمشق الذي يقيم فيه إسماعيل، وكانت غرفته تحت غرفة إسماعيل الذي كان يُحيي الليل بالتدريب على الرقصات، فيما يقضي الشيخ ليله متقلباً من ضجيج الدبكة، إلى أن صعد إليه وعرض عليه مبادلة الغرف قائلاً له: عمك لا ليله ليل ولا نهاره نهار، خذ غرفتي وأنا ادفع لك إيجار شهر كامل. وكانت دهشة الشيخ عظيمة لدى علمه أن إسماعيل من أبناء بلدته ومن أسرة العجيلي، وحين سأله عن عمله قال إنه في فرقة أمية. رد الشيخ، يعني «رقاص يا باطل»!!.

فكرة الانتساب لفرقة فنية في الستينات، مازالت لغاية الآن مستهجنة من الناس، إلا أن شخصاً مثقفاً وأديباً لامعاً ذا منزلة موثوقة كانت له أياد بيضاء على الفن، وهو الدكتور والأديب عبد السلام العجيلي، وكاد أن يكون الوحيد الذي شجع ابن عمه قائلاً له: «إذا كان مدير الفرقة راضياً عن موهبتك، لا تردّ على أحد، فالفن حضارة، وأعطاه كمساعدة 500 ليرة سورية». حينها كان إسماعيل يتقاضى من الفرقة راتباً شهرياً قدره 160 ليرة. تشجيع العجيلي، لم يكن جهراً، طلب أن يبقى خفية كي لا يثير حفيظة المجتمع، لكنه لم يقتصر على الدعم المعنوي والمادي، بل كتب أجمل النصوص المسرحية الغنائية لفرقة الرقة التي أسسها إسماعيل بعد عودته من دمشق، فكانت (برج عليا صيد الحباري، حصار الثكنة، قصر البنات، عرس الصبايا، ليل البوادي) الأعمال المسرحية الغنائية التي لم يكتب غيرها العجيلي للمسرح، ورفض وضع اسمه عليها، معتبرا أنها نوع من الدعم. لكن الفرقة كونت من تلك المسرحيات أرشيفاً مرموقاً يضعها بمصاف الفرق المحترفة، بالإضافة إلى اللوحات البانورامية التراثية الراقصة مثل: بانوراما اللا لا، وبانوراما الجزراوية، بانوراما فراتية...

يقول النقاد، إن فرقة الرقة منذ بداياتها اتخذت لها أسلوباً في العمل يعتمد على جمع وتوثيق التراث الشعبي المغنى استناداً إلى الذاكرة، ومعالجة اللحن وضبط قواعده الموسيقية، بالإضافة الى معالجة النص واستبدال تعابيره المنقرضة بما هو رائج، وتصميم الرقصات بما يتلاءم مع اللحن والإيقاع، من خلال استنباط حركات موجودة في البيئة. فمثلاً لوحة «يا نوق سيري» تمثل حركتها سير النوق، ولوحة «يا دلو يا دلو» تستمد حركاتها من النسوة خلال الطحن بواسطة حجر الرحى أو حركتهن وهن يفركن الشعيرية. بالإضافة إلى الموسيقى والغناء، تحرص الفرقة على توثيق الزي الشعبي في المنطقة، بحيث تشكل اللوحات الغنائية وثيقة فولكلورية متكاملة تنبض بالحياة. وكتب الراحل عبد السلام العجيلي ان أهم ما يميز الفرقة هو «ارتباطها بموروث فني شعبي معين، أعطاها قيمتها وتميزها بين فرق كثيرة في بلدان مختلفة».

يكتسب إحياء الموروث الشعبي الغنائي أهميته كأحد المكونات الأساسية للهوية الثقافية في منطقة الفرات، وكجزء من هوية منطقة بلاد الشام الغنية بتنوعها، وإبرازها على هذا النحو هو تمتين لواقع يتعرض لهجمة عولمية شديدة، كما تمثل اختباراً للموهبة والإبداع ، فإذا لم تكن على مستوى رفيع لا يمكنها التأثير، وخير دليل ما نهله الرحابنة وفنانون كبار من لبنان من هذا التراث مثل فيلمون وهبي وشربل روحانا وزكي ناصيف وفريد ابو الخير، وفرقة كركلا، حسب ما قاله إسماعيل العجيلي أن منهم من كان يأتي إلى الرقة لممارسة هوايته بالصيد، وأثناء ذلك كانوا يتعرفون على الأغاني الفولكلورية في المنطقة. ويذكر أن لحن أغنية فيروز (هالله هالله يا تراب عنطورة) مأخوذ من تراث الرقة والأغنية هي (يا مرحبا بالراكبين الخيل) وكذلك أغنية (دقوا المهابيج) التي أخذت كلماتها فقط من الرقة ووضع لها لحن آخر. ويفخر إسماعيل العجيلي بذلك كدليل على جماليات تراث منطقته والتي لا شك أنها برزت بفضل مبدعين تمكنوا من إعادة البريق إليها وإبقائها على قيد الحياة كما حاولت فعله فرقة الرقة .

إلا أن هناك من يعتبر أن أهم ما يميز فرقة الرقة أنها فرقة هواة، يفدها محبو الفن من شباب، أغلبهم من طلبة الثانوي أو جامعيين، وهؤلاء لم يضعوا في حسبانهم الاحتراف.

في حين يمكن اعتبار هذا علامة تجدد دائم، تسببت في تعاقب أربعة أجيال على الفرقة، إلا أنها تشكل أيضاً نقطة ضعف، بخسارة الفرقة لعدد من مواهبها، فالكل يأتي ويذهب، ما عدا إسماعيل المصر على أن يعيش الفن لأجل الفن. فالغرفتان المخصصتان كمقر للفرقة ضمن بناء مديرية التربية الحكومي انفق على بنائهما من جيبه، وعلى الرغم مما يملكه من أرشيف مهم على صعيد توثيق وإحياء التراث الغنائي الفراتي النادر، لم يعمل لاستثمار هذا الأرشيف لتكوين رصيد مالي على الأقل بما يمكنه من تحويل فرقته إلى فرقة احترافية تتمتع بتمويل يتناسب مع شعبيتها. فثمة البومات غنائية للفرقة تباع على نحو واسع بدون إذن الفرقة، فلا يعود عليها بما يسد الرمق أو ما يعينها على إنتاج أعمال جديدة، حتى أن العمل الذي بصدد الإنتاج (قمر على الشرق)، كانت كلفة التأليف والتلحين والتسجيل، ما يقارب مليوناً وثلاثمائة ألف ليرة، دفعها أحد الأقرباء.

علماً أن الفنانين المشاركين من لبنان (غسان صليبي وسمية بعلبكي) قدما عملهما مجاناً. ويمكن القول أن الرصيد الوحيد الذي تتمتع به فرقة الرقة هو دعم الأصدقاء، الذي مكنها من الصمود ما يقارب 36 عاماً، نشطت خلالها تارة تحت الأضواء، وتارة أخرى في الظل. ويقول الصحفي أنور بدر، إن الفرقة عاشت عصرها الذهبي حين كان وزير الإعلام السابق محمد سلمان محافظاً للرقة في الثمانينات، ومع ذهابه قل الاهتمام الرسمي بها.

فغالبية أعمال الفرقة الغنائية، تم تسجيلها في الإذاعة والتلفزيون السوريين في تلك الفترة، في حين تكاد تغيب اليوم عن الشاشة الوطنية.

إسماعيل العجيلي لا يكتم شكواه من تعتيم لا يعرف له سبباً، فهناك دعوات تأتي للفرقة من الخارج يتم تحويلها إلى فرق أخرى!! لكنه لا يظهر تأثراً كبيراً بهذا التجاهل، ولا يسعى للحديث عنه إذا لم يُسأل، بل قد لا يجد له وقتاً خارج متابعة تدريبات الفرقة والاهتمام بالمواهب الموجودة فيها، وهو ما نلاحظه في تعامله مع مطربة الفرقة خولة الحسين. فهذه الصبية التي تتمتع بصوت ساحر أعجب بها ملحنون كبار ومنهم الراحل زكي ناصيف فأهداها أغنية خاصة، «خلي الأيام تتكلم». ومع هذا عانت كثيراً من مجتمعها، قبل أن تفرض نفسها كمغنية لها حضور محترم ولائق، وما يسرها بعض الشيء أن الناس تعتبر أغانيها من الفن الراقي، وتقول الحمد الله أنهم باتوا يفرقون. وإذ تغني خولة فتذيب القلوب لهفة وطرباً: لحقت توصي وتقول انحلت زرار الزبون/ يا حسرة ما يجون للقيظ الحنانيا / وواويلي لابو خدو بلون ذهبو / لولا الحيا لأنهبو لوليد جيرانيا...

خولة حسين مثل إسماعيل العجيلي، ومثل العديد من أعضاء الفرقة، لا يجيدون الحديث عن أنفسهم بقدر ما يجيدون الفن، ويعبرون عن عمق ولعهم به من خلال أعمال محملة بفيض من مشاعر الحب لبيئتهم والحضارة التي تنام عليها مدينتهم، وهو ما يثير كثيراً من الإعجاب وبعض التعجب من إرادتهم على تقديم أفضل ما لديهم في أقسى الظروف وأصعبها.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

كتب: زائر في 2008-04-13 19:15:16

الله يرحم ايام زمان وعلى فرق ايام زمان يا ليت يجي ويشوف شيخ العشيرة انو الرقص اصبح اهون مصيبة 
الاسم