|
|
|
|
| مواقع سورية |
|---|
مختارات متنوعة
حين لا يعتدّ الحداثيّون العقلانيّون إلاّ بالجماهير، ولا يركنون إلاّ إلى التبسيط | حين لا يعتدّ الحداثيّون العقلانيّون إلاّ بالجماهير، ولا يركنون إلاّ إلى التبسيط |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 17 كانون الأول 2007 الساعة 20:31 | ||
|
صالح بشير - الحياة
يلقي علمانيونا، حداثيونا، «عقلانيونا» (سمّهم ما شئت) على مجتمعاتهم نظرة استنكار آسف وتنديد عاجز مُقرّ بعجزه. يبسلمون ويحوقلون (هناك بسملة وحوقلة علمانيتان)، يعوذون بـ«العقلـ«، وهو عند الكثيرين منهم صنم يُعبد ويُتمسح به ومن النافل أن يُدرَك، من شر ما يرون: مجتمعات بأسرها تعمه في الجهل والتعصب، تنشغل عن قضايا تنميتها وحرياتها بحمّى الأصول ونقاء الهوية، يستهويها من المشاغل ما يلوح هاذياً (غريب الفتاوى حول رضاع الكبير والبول والغائط وإنكار كروية الأرض وما إليها)، وتستبد بها الريبة بالعالم الخارجي ومناصبته عداء قد يكون محقّا من حيث دواعيه ولكنه رُهابيّ في تجلياته، لا يعقل ولا يميز، يبلغ مبلغ إيذاء النفس من حيث يزعم الذود عنها، يرى العالم محض كابوس مقيم... الصورة معلومة، يمكن الاسترسال، هلم جرّا، في رسم تفاصيلها إلى ما لا نهاية، وهي تفاصيل ليس فيها إلا ما يدفع حداثيينا إلى «البراء» وإلى الانكفاء عن واقع ما عادوا يتعرفون على أنفسهم فيه. اغتربوا عنه وأفلت منهم، أو هكذا يعتقدون، فانصرفوا عنه يدينون من بعيد، نخبةً، «فرقة ناجيةً»، ترى في انكفائها، أقليّةً على صواب في مواجهة تهافت الجموع وخطلها، علامة اصطفاء لا تخطئ. تستعيض عن الفعل بالاستياء، تنغلق طائفةً، تحسب هامشيتها ترفّعا وتساميا، تنسحب نحو «الأعلى» أو هكذا تتوهم، تخاطب نفسها وقد يئست من مخاطبة الجمهور وقنطت، ومن أنس من أفرادها في نفسه وظيفة تنويرية، إصلاحية، يؤديها، انتدب نفسه مستشارا متطوعا لدى أنظمة خلع عليها صفة «محاربة الظلامية»، يسدي إليها النصح ويَعرض عليها كفاءة لا أحد يشهد له بها سواه. والأنظمة تلك تُعرِض، بطبيعة الحال، عن استشاراته ولا تكترث. فالحداثيون أولئك يقيسون واقعهم على أنموذج في الذهن، مُستقى من تاريخ آخر لا يفقهون تعقيداته ولا يفهمونها، بلغهم في صيغة مبتسرة مبسّطة مدقعة. يستنجدون بمثال الإصلاح الديني في أوروبا مثلا، ويجهلون أن الإصلاح ذاك لم يكن «تقدميّا» ولم يساهم في إرساء العلمانية إلا عرَضا ومن حيث نتائجه، إذْ قوّض سلطة الكنيسة وإذ أنكر الكهنوت واسطةً بين المؤمن والله وإذ فضح فساد المؤسسة، وليس من حيث أفكاره وفحوى ما دعا إليه، والذي كان في الغالب رجعياً. فهو قد بجّل «العهد القديم»، فعاد بذلك بالتوحيد إلى لحظة ما قبل التقائه بالعقلانية الإغريقية، التي تمت على يد الكنيسة وبواسطة لاهوتها، فكان بذلك نكوصا عن تلك العقلانية، التي لم تُستعَد إلا في ما بعد وبعد لأي، كما أن الإصلاح الديني ذاك كان طرفا فاعلا نشيطا في إرساء ما عرف بـ«الأزمة البيرّونية» التي أطبقت على أوروبا الغربية طيلة قرون، فلم تتجاوزها إلا بمشقة بالغة بفضل جهود ديكارت. وقد تمثلت الأزمة تلك في إعادة اكتشاف أفكار الفيلسوف الإغريقي بيّرون (عن طريق كتابات سكستوس أمبيريكوس)، واستفحالها بين النخبة المدنية والدينية، وهي أفكار تقوم على الشك المطلق (غير ذلك المنهجي الديكارتي) النافي لإمكانية المعرفة أصلا، فإذا هذه لا تتحقق، لدى دعاة الإصلاح الديني أو بعضهم الأبرز، إلا «نورا يقذفه الله في الصدر». وهذا مجرد مثال، ليس هنا مجال الخوض في تفاصيله وتشعباته التاريخية والفكرية، من أمثلة أخرى كثيرة، عن تعقيد مسار التحديث، الحاصل أحيانا بالرغم من إرادة من كانوا أدواته أو قواه الفاعلة، فتوسلهم من حيث لا يدرون بل من حيث أرادوا عكسه. غير أن المسار ذاك انتقل إلى حداثيينا على هيئة وصفة، أي منظومة إيديولوجية في نهاية المطاف، حتى إذا ما شذ الواقع عن تلك الوصفة، وليس له إلاّ أن يفعل على الأرجح، أنكروه وازورّوا عنه ودانوه. علما أنهم، والحق يقال، لا ينفردون بهذه «الميزة»، إذ لا زلنا نذكر كيف أن يساريين وتقدميين وحداثيين أميركاناً وغربيين، هالهم إقبال أغلبية الناخبين على التصويت لفائدة جورج بوش، في الاقتراع الأميركي الأخير، فاعتبروا الأمر ذاك «لاعقلانيا» وأفتوا بأن الناس صوتت ضد مصالحها (التي يعرفونها هم، بطبيعة الحال، أكثر من المعنييّن). ليس القصد مما سبق القول بأن الجموع دوما على حق، إذ تدل التجربة على أن العكس هو الصحيح في الغالب وكقاعدة عامة إلا في نظر الديماغوجيين والشعبويين ومن لف لفهم من صنّاع الكوارث، ولا أن الواقع أفضل حالا مما يعتقد الحداثيون، بل هو ربما كان أنكى مما يصورون ومما يتصورون. ما هو محل سؤال هو مقاربتهم لذلك الواقع، مقاربة تتناوله من خلال أنموذج حاصل في الذهن، وعلى نحو ينكر عناصره ومكوناته فيفضي إلى الاغتراب عنه، ويتوهم التطور أو التقدم خطا تصاعديا لا تعتريه انتكاسات، أو يقعد به الخيال فلا يتصور إمكانية أن ينجم التقدم عن أعمال ومبادرات نكوصية في ظاهرها أو من حيث وعيها لنفسها (مثال الإصلاح الديني الأوروبي الآنف الذكر)، وما إلى ذلك من العاهات. لنأخذ هذه المرة مثالا عينيا راهنا، يعود إلى واقع الحال لا إلى التاريخ، ومن باب أولى وأحرى، إلى تاريخ آخر: يسلم الحداثيون قبل سواهم، بأن لا صدى لهم ولأفكارهم في مجتمعاتهم وبين بني جلدتهم، لأن الإسلاميين استولوا على «الشارع»، يستجيب لهم وهم الأقدر على تعبئته وحشده، يكاد يكون رهن إشارتهم. هذه ملاحظة ترتقي إلى مصاف البديهيات التي لا تُساءَل ولا تُجادل، وهي بطبيعة الحال تبدو صحيحة بإطلاق. ولكن ماذا لو أن الصحة تلك مشروطة في حقيقتها، يتمثل شرطها في النظر إلى السياسة ومزاولتها وإلى الفعل في الشأن العام عموما، انطلاقا من مسبقات بعينها، فكرية وذهنية، لم يُصَر إلى إعادة النظر فيها؟ ذلك أنه إذا كان صحيحا أن سطوة الإسلاميين لدى الجمهور كاسحة عارمة، إلا أن مما لا شك فيه أيضا أنهم لا يستغرقون ذلك الجمهور، تمثيليةً سياسيةً، ولا حتى أوساطه المتدينة، إذ أن قطاعات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية لا تبدي كبير حماسة للأنموذج الاجتماعي الذي «يقترحه» الإسلاميون، ويسعون إلى إرسائه، وأن فئات لا يستهان بها من تلك الأوساط، تميز تمييزا واضحا، في السلوك وفي أسلوب العيش، بين الأسلمة كإيديولوجيا وبين الأسلمة كتموضع حيال الآخر هاجسه الاستظهار بهويّة، أو كمجرد تقوى. هذا ناهيك عمن لا يُبدون تدينا، مفرطا ولا حتى عاديا، ممن يجدون في الإقبال على الترفيه، على سبيل المثال، واسطة التعبير عن نمط العيش الذي يأخذون به ويطلبونه. فهل يكون عديم الدلالة، في هذا الصدد، أن جمهور الفضائيات، وهو ما قد يشكل، في غياب استقصاءات الرأي، أمارة موحية، إنما يتوزع أساسا بين الفضائيات الدينية وتلك الترفيهية؟ من هنا، إذا كان صحيحا أن الإسلام السياسي يسيطر على «الشارع» ويكاد يحتكره، فذلك وفق نظرة للفعل السياسي، مرجعياته من قبيل «توتاليتاري»، لم يبرأ منها الحداثيون بدورهم... ترى الجموع «جماهير» تُحشد، تنضوي في حركات «جماهيرية»، منضبطة، مناضلة (أو «مجاهدة» في اصطلاح آخر من نفس الطينة)، وهذا الضرب من الجموع لا يتوفر حاليا إلا للإسلاميين. أما الأوساط التي يمكنها أن تنصت إلى العلمانيين أو إلى الحداثيين أو إلى أهل الاعتدال، فهي قد تكون ماثلة، تسعى بيننا وتعيش في فضاء غير سياسي ربما، إلا أن المعنيين بها، افتراضا، لا يرونها، لا يخاطبونها، لا يسلمون لها بوظيفة أو بأهلية سياسية، لأنها ليست «جماهير» بالمعنى الذي سبقت الإشارة إليه... والمعنيون أولئك، على ديموقراطيتهم أو ديموقراطية بعضهم، لا يعتدّون إلا بـ«الجماهير».
|
||
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|