ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

خواطر ونصوص
في سورية
البداية arrow خواطر ونصوص arrow حَدَثَ ذات صدمة -4-
حَدَثَ ذات صدمة -4- Print E-mail
بقلم: مناف كعكجي   
19 تشرين الثاني 2006 الساعة 14:57

لم يكن يوما عاديا.... ولكني لم أدرك أهميته إلى فيما تلا من السنين....تجهزنا يومها أخوتي وأنا للذهاب مع والدي ولم أدر إلى أين.... ولكن أخي الكبير كان في غاية النشوة والانبهار...والانفعال...
وصلنا إلى تلك الصالة...وبدأنا بالجولة...
مررنا بتلك الصور المعلقة واحدة تلو الأخرى...
لم أدرك معظمها ولكن تلك الرسومات كانت معروفة لدي...فأنا أطالعها يوميا في الجريدة الصباحية...
ذاك المخلوق الغريب الأصلع الذي يمشي على جذعه الأعلى...
بشع ...بشع جدا..
وهناك طفل أعرفه وأعرف معاناته ولكني عاجز عن التعبير عن أرقه....أعرف فيه تلك الشعيرات على رأسه والرقعة المرافقة لثيابه الرثة....وكفيه خلف ظهره...
وقدميه الحافيتان...

أذكر أن إحدى الرسومات كانت معلقة في ذاكرتي... تلك التي يميل فيها هذا الطفل الذي لا اعرف وجهه....على امرأة جميلة جدا جدا...وبسيطة ورقيقة...وعيناها واسعتان...مكتوب على ثوبها...فلسطين..
يميل عليها وكأنه يداويها أو يسعفها...أو أنها تستند عليه وهي تلفظ أنفاسها...
وهذا الطفل لم يظهر منه سوى ظهره...في جميع الرسومات
وكنت أنتظر الجريدة يوميا علّه يستدير لأرى وجهه...
وفي الصالة....توقفت عند أحد الأعمدة...كانت هناك لوحة معلقة...غريبة وعجيبة لم أفهمها في ذلك اليوم...
كانت تلك اللوحة عبارة عن قضبان سجن...ولكنها مرسومة على مرآة...
فتعكس تلك المرآة لناظرها حقيقة وضعه...أنه سجين...
سجين ماذا؟؟؟ أو أين؟؟ أو كيف أو لماذا؟؟
هذا ما لم أدركه يومها...ولكني حاولت جاهدا أن أطالها قليلا....طبعا لأني كنت أبتغي النظر في المرآة...وليس اللوحة...
في تلك الأيام...كانت أغاني الثورة في أوج زهوها...

لينا كانت طفلة تصنع غدها...لينا سقطت...لكن دمها...كان يغني...كان يغني...
للجسد المصلوب الغاضب...للقدس ويافا وأريحا
للشجر الواقف في غزة...للنهر الهاجر في الأردن
للجسد الغاضب في الضفة....
يا نبض الضفة لا تهدأ أعلنها ثورة...حطّم قيدك اجعل لحمك جسر العودة...
فليُمسي وطني حرا...فليرحل محتلي فليرحل....
فليُمسي وطني حرا...فليرحل محتلي....

عندما أنهينا الجولة...أذكر أن والدي أصرّ أن نلقي السلام......كل ما أذكره هو طيف من ذلك الشخص...وملامح قريبة تحضرني بعض قسماتها...
أذكر والدي وقد وقف سعيدا بمحادثته وعرّفنا عليه...وقال لنا "سلّموا على عمو"... ...فتقدمنا وصافحناه...
ذلك العمو...ورأسه الأبيض...ووجهه الأسمر...حقا لقد كان طفلا...وجهه طفولي...وابتسامته غاية في اللطافة...
والعباءة السوداء التي يرتديها....لكأنها ثوب المحامين...ولكنها غير ذلك...وهي ليست بالعباءة...
تبادل مع والدي بعض العبارات..ومشينا...

كان ذلك على ما أذكر سنة 1983...
فيما بعد...اغتيل هذا الطفل في لندن...وضجّت الدنيا والصحافة لمقتله...مع أنه مكث في غيبوبة لفترة ليست بالقصيرة...ولكن أخباره كانت طاغية...
يومها لم أتذكر أنه نفس الشخص..
وعلمت مؤخرا أن لوحته هذه التي وضعها على مرآة...كانت ثورة في الفكر وعالم الكاريكاتير....
حتى اليوم وأنا أناظر كفي....وأطالعه...
عندما وُقعت غزة وأريحا أولا...قلت لأخي "ما بالك لو كان حيّا....لكُنا رأينا الروائع"
فأجابني "لو لم يُقتل ناجي العلي وأمثاله...لمّا تجرّؤوا على غزة وأريحا أولا"

في الضفة لي أطفال سبعة....أصغرهم يرضع تاريخه...
أوسطهم إسمه جيفارا...أكبرهم ثائر في الضفة
يا كلّ العالم فلتعلم ...أطفالي اليتـّم
زرعوا الحقل وروداً حمرا
بسواعدهم حصدوا الخيرا
أطفالي وامرأتي وأنا....نصرخ ..
نصرخ .. فليمسِ وطني حراّ
فليرحل محتلي...فليرحل

مناف كعكجي


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم