|
|
مختارات متنوعة
الإنسان لا يزال عقلاً | الإنسان لا يزال عقلاً |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 22 كانون الأول 2007 الساعة 17:26 | ||
|
شايع بن هذال الوقيان - الرياض السعودية
يمكن لنا أن نتوقع - في اطار النزعة التطورية - كل نقطة من مسارات الفكر، ونتجاهل باصرار ما يحمل قيمةً لكونه فحسب اصبح قديماً اعتراه النسيان، وقد يصدق مثل هذا الرأي على مجالات اخرى غير مجالات الفكر الفلسفي والنظري المجرد، حيث ان التجريد ليس سوى اختراق لحدود الزمان والمكان ومراوحة دائمة بينها. ان ثمة آراء فكرية تتمتع بحس عبقري فائق، استطاعت ان تحوز على اعجابنا واقتناعنا لامداء طويلة من الزمن، لأن الزمن هنا لم يعد قادراً على الصمود امام هذه الاشباح التي لا يراها وهي تراه، واقصد بها الافكار والآراء الخالدة، فما الذي يكتب لمثل هذه الافكار الخلود؟ وبالمقابل ما الذي يدفع الكثيرين للشعور بالملل منها وبالتالي الصمود امامها؟ اذ الصمود امامها دلالة على ادراكها والتنبه لها. انها تبقى ببساطة لأن اصحابها اقتنصوها لحظة صفو نادرة استطاعوا فيها أن يتحرروا من علائق الشروط الملموسة وان يستشفوا وراءها الجوهر العقلي الكامن الذي تتشكل هذه الانماط والعلائق بمقتضاه وتتغير بناءً على قوانينه. فالجوهر، هنا، ليس مجرد عنصر بسيط غير مركب، بل هو نظام متكامل وكلي من التصورات والمقولات القبلية والضرورية، يسمح للجزئي بالعبور عليه وارتسام مسار لما نسميه بالتاريخ. فالتاريخ تاريخي - هكذا ينبغي ان نفكر. ومن ثمة يشعر الانسان بالملل اذا ايقن بعكس القضية، بأن اللاتاريخي ليس تاريخياً! فيحاول ان يجعل للذات الفاعلة طريقاً (يخترق) بها القوانين الموضوعية التي يخضع لها التفكير غير الانتقادي، وهي قوانين العقل وقوانين الكون، فيشرع في هدم الاصول الانطولوجية والابستمولوجية المؤسسة للتفكير العادي. وهو على ثقة ان ما هدمه وان ما بناه او ما سوف يبنيه عرضة للهدم بنفس الطريقة. وانه يمحو اصولاً ليقيم محلها اصولاً لا تقل (كلاسيكية) عن غيرها، حتى ولو اعلن مراراً انه لا ينتوي البناء. فالبناء، او بالاحرى (الانبناء) فعالية عقلية ميكانيكية لا مفر منها، لأن كل ما يستطيع العقل ان يفكر فيه لا بد ان يكون تنظيماً نسقياً، أى "مبنى". واقصد بالفكر شكلاً ومضموناً ذلك الذي يمكن نقله عن طريق الرمز، لغة او رسماً أو نحوهما. والعقل هنا اريد به النوعين: العقل الذاتي، والعقل الموضوعي، والاخير هو الذي نصادفه في الخطاب الافلاطوني والهيجلي تحديداً. لقد نجح ميشيل فوكو حقاً حينما رفض فكرة الاتصال التاريخي في مجال "الابستمي" وهو ادراك فذ لمسارات - وارجو الا اناقض نفسي بهذه العبارة - تجري تحت او فوق الشروط المكانية والزمانية (التاريخية بالمعنى المألوف) ولكن المشكل الذي اوقع فوكو نفسه فيه هو ان المعيار الذي يفرز به القديم من الحديث سيغيب لغياب مفهوم التاريخ، وان ليس ثمة ما يبرر الاخذ بآراء فوكو ونبذ آراء ديكارت مثلاً ما دام التاريخ توقف عن قول كلمته الفصل! انني حين انادي - مثلاً - بالعودة الى افلاطون فإن دعاة القطيعة ليس لهم ان يعترضوا ماداموا لا يقرون اساساً بالتاريخ، او مادامت كلمة (العودة) لا تحمل اي دلالة، او فارغة من المعنى. ولست ادعو، هنا الى رفض ما ينص عليه النسق الفوكوي تحديداً، فقد اكدت في بداية المقال ان الافكار الفلسفية والمجردة تنأى عن صروف الزمان وتتعالى عليها ولا تتأثر بتباعد المكان او تقاربه. ولكني احاول ان اكشف عن شيء من التناقض هنا، فرفض التاريخ ينطوي في داخله على اقرار به مادام رافضو التاريخ يرون انفسهم (ما بعديين) او من اصحاب الحداثة الفائقة! وليس لاحد ان يدينني بنفس التهمة، فأنا لم ارفض التاريخ من الاساس، بل اقررت بنوع من العبقرية النادرة والقادرة على مراوغة التاريخ ومخاتلته وتحاشي ترسباته وطبقاته من خلال اختراقها والقفز عليها. لقد تأثر "فوكو" و"دريدا" ب"هيدجر" الذي دعا قبلهما الى "نسف التقاليد" (هل نقول التاريخ؟!) باعتبارها نسياناً للوجود، من اجل العودة الى الينابيع الاولى الصافية المناهل.. ولكن هذه الينابيع - اذا استخدمنا منهج القسمة المنطقية - اما ان تكون بداية اولى للتاريخ او لمسار الزمن، وهنا يكون وجودها افتراضياً او نموذجياً وليس واقعياً. والرهان على الافتراضات ينتهي بنا إلى مزيد من الافتراضات المتتالية. وبمعنى آخر فإن بداية التاريخ لن تكون "تاريخية"! وإما أن يكون ليس بداية، وهنا ينبغي علينا البحث عن البداية. لأن هذه الينابيع، والحال هذا، أي ما دامت ليست بداية، ستظل مجرد تقاليد هيدجرية عريقة تحجب أيضاً ينابيع أخرى اكثر عذوبة وصفاءً وبساطة، وتحتاج إلى "نسف" من هذا النوع! وبمعنى آخر فإن هذا المنطلق تاريخي، وكل ماهو تاريخي لن يكون بداية! الفكر تصوري وكلي ما دام تجريداً، ولو (عدنا) إلى نظرية المثل الأفلاطونية لنلتمس فيها نوعاً من المعقولية التي فقدتها؛ لكون البدايات يعتريها النقص الحاد أو بسبب العقوق الجائر من قبل اللاحقين، لقلنا معه إن الشيء في ذاته "ليس سوى مجموعة من التصورات الكلية (الكليات) التي تنطبق عليه" - حسب تعبير وولتر ستيس في شرحه لنظرية أفلاطون. وغياب الجوهر المادي الذي يحمل هذه الصفات الكلية يعني غياب المحسوس والجزئي ككينونة مستقلة تماماً.. فهي ليست إلا تعبيراً عن هذا الاتحاد الغريب بين الكلي والجزئي أو المطلق والمحدود. والإنسان يدرك الكليات - حسياً - عندما تجتمع حول نقطة ما، يصير بها الشيء شيئاً، ولكن إدراك الكليات كما هي فلن يكون إلا بالعقل وحده. ف(البياض) كتصور كلي لا يدرك حسياً إلا في شيء جزئي (ورقة بيضاء، جدار أبيض..) ولكن إدراكه كتصور مرتبط بالعقل، هذه الملكة التي لا تدرك إلا ما هو من طبيعتها، أي لا تدرك إلا ماهو (عقلي). الكليات عقلية، ولكن بالمعنى الموضوعي، وليس أنها مجرد تجريد ذهني تم من خلال آلية الاستقراء كما يقول أرسطو.. فما دام الشيء - إذا سلمنا بوجوده خارج عقولنا - مجموعة من الكليات، فالكليات إذن ذات وجود موضوعي، ولكنه وجود عقلي أيضاً، وليس حسياً كما ظن بعض الفلاسفة والفقهاء المسلمين، والفلاسفة الاسميون الأوربيون والإنجليز. والمعادلة تكون كالتالي: الإنسان كعقل لا يدرك إلا معقولاً، والمعقول لا يكون سوى عقل، ما دام الإدراك الحسي والجزئي من عمل الحواس، وليس من عمل العقل كملكة تجريد وتصور، حيث لا يدرك إلا ماهو من طبيعته؛ أي عقلي مثله. والعقلي هو ببساطة ما ليس بمادي. بشرط أن يظل منسجماً مع ذاته وخالياً من التناقض الداخلي الذي يخالف طبيعته وماهيته الناهضة على مبدأ الهوية وعدم التناقض. ولا يفوتنا أن نشير إلى أن المعرفة الإنسانية تنشأ من التقاء الأفقين؛ المادي والعقلي، فليس ثمة مجال للقطيعة بينهما إلا لأغراض إجرائية وتعليمية. إن الإنسان عقل قبل كل شيء، وسيظل عقلا. إنه شيء أشبه بالضرورة التي لا يقوى عليها أحد، وهو بالفعل ضرورة لا تقل عن ضرورات الطبيعة، بل إن ضرورات الطبيعة تعد - عند التحقيق - عقلاً كلياً يكشف عنه الإنسان العاقل
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|