|
|
مختارات متنوعة
الإلغاءِ بينَ الاسمِ و المسمّى | الإلغاءِ بينَ الاسمِ و المسمّى |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 22 كانون الأول 2007 الساعة 17:54 | ||
|
سعد الياسري - جدار
اللغة العربية ومن قبلها الثقافة العربية؛ أشدّ المحيطات حساسية في استخدام الأسماء التي ينبغي لها – مالم تكن أعجمية – أن تدلّ على المسمّى دون لبس في الغالب، أو على الأقل أن تقيم معه علاقة متصالحة. أما الأسماء الوافدة من لغات أخرى فهي لن تعني أكثر مما أراده صاحب الشأن بها، خاصّة إذا عرفنا القدر الهائل من الفروقات بين لهاجاتنا العربية نفسها، فأنا ما زلت أتذكر على سبيل المثال إعلانات مكيّفات " الزّامل " و تلك اللفظة تعني شتيمة شنيعة في لهجة إحدى دول شمال إفريقيا.. فما بالنا بالوافد إلينا من اللغات الأجنبية.. ؟! المتن: لفتَ انتباهي قبل أيّام حديث وصلتني بعض أخباره حول خلاف بين بعض الأصدقاء على دلالة الأسماء و الألقاب عربيًّا، و هل ينبغي لنا أن نعتقد بأنّ كل من يحمل هذا الاسم أو ذاك صريحًا كان أم مستعارًا هو بالضرورة حاملٌ لذات صفات المسمّى الأصلي.. أمْ أنّ في الأمر رأي وقول.. ؟! وعلى سبيل المثال دعوني أبدأ باسمٍ | لقبٍ شهير ومتداول وهو " لوليتا "، و أنا أقول - و أظنني على يقينٍ - بأنّ الاسم " لوليتا " لا يحمل أكثر مما تمنحه تعريفاته العريضة و المطوّلة، ولا يجوز لنا بأي حال من الأحوال أن نحصر الاسم – بوصفة لغة – في قالب الجمود كي لا تصيبنا لعنة التلاشي وموت المعنى. وليس بالضرورة مطلقًا أن يتفق الاسم مع الصدمة اللذيذة التي أنجبها لنا فلاديمير نابوكوف. و عليه لندرس معاني الاسم الشهيرة: لوليتا | LOLITA أوّلاً: اسم إسباني المنشأ على الأغلب رغم موسيقاه الإيطالية، عمره مئات السنين، ليس له أيّ معنى إلاّ تصغير " لولا " الذي بدوره يُعدّ تصغيرًا لـ " دولوريس ". ثانيًا: رواية شهيرة لعرّاب الصدمة في السرد، الروسي / الأميركي فلاديمير نابوكوف، أصدرها عام 1955، وتحوّلت إلى فيلمين سينمائيين شهيرين في عامي 1962 و 1997. الرواية مع ما تطرحه من تشخيص للحب و فارق السن و الجنس و العبث و إباحة القيم المنافية للسواء.. إلخ، فهي في النهاية معمار لغوي لا يتجاهل الفن ولا ينتقد المجتمع بقدر ما يصنع عالمًا يتجاوز الواقع المعاش وقتذاك. ثالثًا: بسبب الرواية تمّ تداول الاسم فيما بعد باللغة الدارجة أو "SLANG" على أنّه الفتاة المثيرة التي لم تبلغ بعدُ سن الرضا والقبول في الجنس. و يستعمل أيضًا في تسويق المواد و الأجهزة الإباحية. رابعًا: تماهيًا مع الرواية – أيضًا – كتب نزار قبّاني قصيدته " لوليتا "؛ التي تبدأ بالمقطع: ( صار عمري خمسَ عشرة، صرتُ أحلى ألف مرّة ). و تماهيًا مع الرواية ومع " لوليتا " نزار قبّاني – فيما أزعم – كتب درويش قصيدته " قال لها: ليتني كنت أصغر "، وهي تدور في ذات الفلك من جوانب عدّة. خامسًا: ألبوم غنائي شهير بعنوان "MOI…LOLITA" لمغنية البوب الفرنسية أليزي، صدر عام 2000 في فرنسا، و هو يحتوي على أغنية تشير إلى رواية نابوكوف أيضًا. سادسًا: لوليتا دافيدوفيش، ممثلة كندية من أصل يوغسلافي. سابعًا: لوليتا – كوتشي، دار أزياء للأطفال شهيرة و مهمّة في اليابان. ثامنًا: لوليتا ليبرون، اسم ثائرة و ناشطة قومية قادت حملة قوية من أجل استقلال بورتريكو، وقادت مجموعة القوميين في الهجوم على مجلس النوّاب الأميركي في عام 1954. تاسعًا: لوليتا، اللغة الطبيعية لنظام وضعته و طوّرته جامعة دورهام في بريطانيا. عاشرًا: دخل إلى اللغة العربية الدارجة حديثًا فيما يعرف بأسماء " الدلع "، و يستخدم مع " ليلى " و " ليال " و " آلاء " و " ليان " و غيرها. أمّا أنا فسأقول لو سألني أحدهم عن معنى "لوليتا" بأنّه – من وجهة نظري – اسم إسباني المنشأ على الأغلب، يرمز لامرأة جميلة و حيويّة، و له جرسٌ موسيقي رقيق. والآن؛ لنتجول في بعض الأسماء الأخرى ونرى: بلقيس: سُئِل أحدهم مرّة من هي " بلقيس " ؟ فأجاب: زوجة نزار قباني العراقية، التي ماتت في انفجار السفارة العراقية في بيروت !!! و أحالتني إجابته إلى أن أثر " نزار قبّاني " الطاغي على عقلية المتلقّي العربي، وديوانه المشحون عاطفيًا " بلقيس "، قد ألغى ملكة سبأ - التي تحتل مساحة معنوية حتى في القرآن - من ذهنية الأخ الذي وُجّه له السؤال بل ولم يفكر مرتين قبل الإجابة. قشتمر: قلّة سيخطر على بالهم اسم المقهى التي يلتقى بها أبطال الرواية بل سيلجأ معظمهم مباشرة إلى الرواية ذاتها، ولو سألنا أي عربي أو حتى مصري لا يقيم في حيّ العباسية بالقاهرة عن "قشتمر" سيقول لك بأنها رواية لـ " نجيب محفوظ ". أدونيس: يبدو بأنّ الإله الفينيقي معشوق أفروديت شبه غائب أمام سطوة الشاعر السوري " علي أحمد سعيد إسبر "، و في أحسن الأحوال سيتم ربطه بقصيدة شكسبير المطوّلة الشهيرة " فينوس وأدونيس ". و لو بحثنا في معنى الاسم سنجد بأنه " السيد معشوق الآلهة "، وتمّ تصويره في مناسبات عدّة على أنّه شاب وسيم باذخ الجمال.. وليس في معانيه المعروفة و المباشرة أي ارتباط بالشّعر أو القصيدة لا من قريب ولا من بعيد. أطلس: في الثقافة العامة يفهم المرء أنّ المقصود باللفظ هو " كتاب الخرائط و الجغرافيا "، و لكنّ لهذا اللفظ عمق ميثولوجي إغريقي خاصّةً، وهو الكائن الجبار الذي يحمل قبّة السماء إثر عقوبة من الرّب " زيوس " بعد اجتياح الأوّل للجبل الأولمبي. وأيضًا من معانيه العربية الفصحى و الدقيقة هو لون السواد الذي يخامر الذئاب في العادة و في ذلك يقول " البحتري " وهو من سادة الوصف في الشعر العربي القديم: و أطلس ملءُ العين يحمل زوره و أضلاعه من جانبيه شوى نهدُ جحا: تلك الشخصية التي نُسب إليها الكثير من الحمق و الجهالة بسخرية قلّ مثيلها في الأدب العربي. من الطبيعي أن يكون لهكذا اسم دلالة مضحكة، ولكنّها ليست مضحكة – بالضرورة - حين نعرف بأنّ أساتذة جامعات و فنّانين و رسّامين كان لهم هذا الاسم. عزرا: لغير الأدباء و المهتمين لا يعدو كونه أكثر من اسم يهودي، و للآخرين هو نبي من أنبياء اليهود و له سفر في العهد القديم، و لي شخصيًّا هو الشاعر الأميركي، و إن أضفنا اسمه الثاني " باوند " فلا أشك بأنّ البعض غير المهتم سيذهب – مباشرة - إلى أنه يعني وحدة قياس أو عملة نقدية. كليوباترا: و أعني " السابعة " التي لا تشكّل بالنسبة للبعض أكثر من شراهة جنسية وعبث أخلاقي، فيما البعض الآخر ينظر إليها على أنّها الأنموذج الحيّ للمرأة الحاكمة و الفاتنة في آن.. وكلاهما؛ البعض والبعض الآخر يحمل رأيًا يحتمل الصواب.. !! و من تلك الأمثلة الكثير وليس ببعيد عنّا نتاج السرد العربي – نجيب محفوظ مثالاً -، و توظيف الانحرافات الأخلاقية – كما يراها البعض - في أسماء: زوبة و إكرام و إحسان و نور و زهرة و حميدة... إلخ، كلّها أسماء تمّ توظيفها لأجل هدف روائي، ولا يعني بتاتًا أنّ كل من لها ذات الاسم هي تحمل ذات الصفة التي يحملها الاسم الأصل في الرواية. و لن ننسى تأثير الترسّبات على آلية الفهم الإنساني – بشكل عام - لكل لفظ، و التي تحيله إلى منظومة معقّدة من الإسقاطات اللغوية و التأريخية و الدينية وحتى الأُسريّة. و لم ينجُ من تلك المحنة إلا القلّة التي تنظر إلى اللفظ | الاسم من خلال ما يحيط به و ليس من خلال ما أنتجته الأحكام المسبّقة. فوفق التفسير الديني المرتبط بمفاهيم الكثير من الناس؛ تعتبر " حوّاء " برغم مكانتها الرفيعة رمزًا للغَواية و التشجيع على الخطيئة. و يعتبر " قابيل " رمزًا لجريمة القتل الأولى في التأريخ البشري دينيًّا. و تعتبر " سجاح " إسلاميًا من الأسماء الفاحشة أخلاقيًا بسبب التشنيع الذي ارتكبه " الطبري " في تأريخه حول علاقتها الجنسية بـ " مُسيلمة "، العلاقة التي حاول " الأصفهاني " تعديلها في " الأغاني " .. و فكريًّا بسبب إدّعائها النبوّة وقتذاك و تهديد الدولة الإسلامية الناشئة بالتفكّك. و يعتبر اسم " يهوذا " رمزًا للخيانة باستثناء " الغنوصية " التي ترى أمرًا آخرَ. إلاً أنّ اسم " حوّاء " متداول و مرغوب أيضًا، و اسم " قابيل " لا يجد صعوبة في التعايش مع مجتمعه، و كذا اسم " سجاح " على ندرته هو موجود. و اسم " يهوذا " متداول بل ومبارك ويرمز لحواري المسيح " تداوس ". ختامًا: يجب أن نعرف بأنّ للعلوم الإنسانية بشكل عام، و الآداب بشكل خاصٍّ و ما ينتج عنها من أعمال سينمائية و سواها؛ تأثيرٌ على وعي الناس بالموجودات و مسمياتها، و بتكوين القدرة و الذهنية المتمكّنة والمستنيرة بالمعرفة لإصدار الأحكام. و لأنّ الأدب في الأصل هو لعبة لغويّة تتراكم أسبابها حتى تصل إلى نتائجَ لن تعودَ بعد إطلاقها شأنًا خاصًّا؛ فإنّ التسميات في الأعمال الأدبية الخالدة – العربي والمترجم -، لها قدرة فريدة على بلورة مفهومٍ – أقرب إلى الخطأ – في أذهان المتعجّلين إلى إصدار حكم القيمة أو النتيجة النهائية دون مراجعة. لذا دعونا لا نقيّم الاسم سلفًا، فليس كلّ بلال أسود البشرة، و لا كلّ لوليتا غرائزيّة، ولا كلّ أدونيس باذخ الجمال.. ولا كلّ ماريّا – بالمناسبة؛ الاسم خطير الاشتقاق – عاهرة كما أراد لها باولو كويليو في " إحدى عشرة دقيقة ".. !! سَعْد اليَاسِري السُّوَيْدْ كَانُونُ الأَوَّلْ 2007 المصدر: موقع جدار
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|