|
عن عطب الديموقراطية وبؤس الليبراليين العرب! |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
23 كانون الأول 2007 الساعة 21:13 |
|
نهلة الشهال - الحياة
يفضح تعثر الانتخابات الرئاسية اللبنانية حدود «الديموقراطية التوافقية» أو عطبها حين يتم تغليب مطواعية آلياتها لمقتضيات الوضع السياسي، وهو هنا رجراج عاصف، بينما يكاد تعريف الديموقراطية النظري، كنظام سياسي، يطابق نعتها بأنها «آليات» خصوصاً. وأنوه بسرعة بوظيفة «تقديس» الدستور اللبناني السالفة، التي أسقطها اتفاق الطائف رسمياً، وهو تقديس يعبر عن البعد الارادوي المضاف إلى تعريف موفّق للممكن الموضوعي. ولست بصدد استنكار الإسقاط الذي تمّ بالتجرؤ على التعديل، وإنما الغرض الإشارة إلى الفشل في تكرار تلك اللحظة التاريخية التي مثّلها إنتاج «الميثاق الوطني اللبناني» غير المكتوب، عام 1943، وهو الأساس، النظري والاجتماعي معا،ً للنظام اللبناني، أي لتلك الديموقراطية التوافقية الدقيقة التوازن. وقتها، كان زعماء لبنان يمتلكون تصوراً عن أنفسهم وعن بلدهم، يستند كثيراً إلى مفهوم محدد عن «دور لبنان» كوسيط خدماتي متنوع المهارات بين العالم والمنطقة. وكان هذا المفهوم يعد بالازدهار في مكان لا يمتلك نفطاً أو معادن ثمينة، ولا مساحات للزراعة، ولا ميزات أخرى سوى تلك المهارة المتحفزة، والتي يستند بعضها إلى مجموعة أسباب سمحت بتوفر تعليم راق مبكر وما يرافقه من إتقان للغات الأجنبية وطب وهندسة وبالتأكيد ثقافة إلخ...، وبعضها الآخر إلى التنوع الطائفي المتقارب الأوزان الذي سمح بتعايش أنماط حياة فيها اختلافات، والى ميزات جغرافية ومناخية، والى تقليد تاريخي يداني الميثولوجيا عن الأصول الفينيقية المتقِنة للإبحار والتجارة...
انتهى معظم كل ذلك منذ زمن، وقضت الحرب الأهلية اللبنانية المديدة على ما تبقى منه، وبقي اللبنانيون متكلسين عند ذلك التعاهد القديم، يجلدونه وينتهكونه بكل الأشكال الممكنة، ولكنهم لا يتفحصونه بعقلانية ولا ينتجون سواه. ولعل تلك مهمة مستحيلة. لعل شروطها الموضوعية غير متوفرة، وإنما من المؤكد أنه قد انعدم تماماً التعويض الارادوي عن نقص الشروط الموضوعية، أو حتى المحاولة. وهو هذا تحديداً ما منح العوامل الإقليمية والدولية، ذات الحضور القوي الدائم في لبنان تعريفاً، ثقلاً يكاد يكون مطلقاً. وقد انعكس هذا الثقل في حيثيات انعقاد مؤتمر الطائف، ثم في التدبير الذي أنتجه وكان يفترض أن يكون موقّتاً لكنه بات مستمراً. وهذا الثقل، ما نلحظه اليوم بفظاظة فاقت كثيراً لحظة الخروج تلك من الحرب الأهلية.
والمشكلة تطاول الجميع، وإن كانت المواقف الموسومة بالقفز الدائم للسيد وليد جنبلاط نموذجها الأوضح. وهو الذي تدفعه أسباب كثيرة إلى الحركة الدائمة وإلى اختيار الطرف الأقصى من المشهد. وبعض تلك الأسباب متعلق بالصغر المتناهي الحجم للطائفة التي يمثل، وهو معطى أول سرعان ما يأتي إلى نجدته وإنقاذه من أن يصبح سلوكه افتعالاً تاماً وكاريكاتورياً للضجيج، قابلاً للتجاهل من الآخرين. ثم هناك امتلاك الدروز لامتدادات في أماكن حساسة هي فلسطين الـ1948، أي إسرائيل الحالية، وسورية. بينما يعود البعض الآخر من تلك الأسباب إلى طباع السيد جنبلاط الشخصية النزقة على الأرجح، وهو مما لا يمكن إسقاط أثره. أما الجنرال عون الذي بدّل هو الآخر مواقعه في السنوات الأخيرة، فينطق بشروط مختلفة تماماً، تتعلق علاوة على الطموحات الشخصية المنفلتة من عقالها، بمفهوم عن مصلحة المسيحيين الحالية يسعى إلى إحكام ربطهم بأغلبية صاعدة وتمتلك ديناميات هي، على حيويتها، تحتاج إلى منافذ على «الآخر»، أو شرعية لا تمتلكها تقليداً. وهكذا صادف الجنرال عون حزب الله، وسعى إلى إعادة إنتاج نسخة حالية من «الميثاق الوطني» معه، ولكنها تفتقد إلى نظرية كمثل كتابات ميشال شيحا التي سندت الميثاق الأول، كما تأتي عكس التيار، أو فلنقل في لجة تصارع كبير وعنيف لتيارات متصادمة في المنطقة.
هكذا إنحصرت محاولة الجنرال في نطاق التحالف السياسي، مثلها تماما مثل التحالف الآخر المناهض، الذي يضم ممثلين عن قوى أكثر تقليدية من حيث التكوين والمسار، ولكنها لا تتجاوز هي الأخرى حدود ممارسة التحالف السياسي، الظرفي والمصلحي بالضرورة. إن شرط الميثاق الأول هو القبض على نقطة توافق تبدو إجماعية وليس صراعية، كما تبدو قابلة لأخذ لبنان بكليته إلى موقع متبنى من ممثليه ومحمي منهم (دون أن يعني ذلك السكون والسكينة ومحو التناقضات بل الصراع حولها). وهو عكس الانشطار القائم، والذي يعني، ضمن ما يعنيه، تشريع أبواب البلد أمام التدخل الخارجي، بعضه يسعى أحياناً إلى لملمة الموقف، وبعضه الآخر إلى توظيفه في مواضيع أخرى، مع إمكانية تبدل دائم في الغايات...
هل يعني ذلك أن التوافق على ميثاق وطني للبنان غير ممكن، وأن تلك الصيغة قد استنفدت إمكاناتها بدليل عجز وابتذال ورثتها، وبات المطلوب شيئاً آخر؟ سؤال تالٍ إذاً: من أين يأتي الشيء الآخر؟ هل يطرح الديموقراطيون، واليساريون، والعلمانيون، كما لاهوتيو التحرير وفقهاؤه، على أنفسهم مهمة كهذه؟ وهي تختلف تماماً وبالتأكيد عن مجرد تكرار خطاب أجوف عن الديموقراطية «الحقة»، وعن المواطنة، وعن المشكلات الاجتماعية والطبقية، تلك الحقيقية بينما الانقسام الطائفي «مفتعل»؟ لعل العقد الاجتماعي الجديد الذي ينتظره لبنان، كي لا يندثر، سيولد من رحم هذه البيئة، ولكنه ليس بعد مطروحاً، مما يسمح باستمرار المهزلة التي أضجرت تماماً عموم اللبنانيين، عندما لا تخيفهم الى حد الرعب، على حاضرهم وغد أولادهم.
ملاحظة: لم أشر من ضمن الفئات الحاملة افتراضياً للمشروع البديل إلى ما يعرف بـ»الليبراليين» الذين تسمهم اليوم، في منطقتنا وفي العالم اجمع، سمة تبنّي واقعية وعقلانية معرّفة بطريقة غريبة، إذ هي متطابقة تماماً مع الواقع كما يقدم نفسه، ومبررة له. وهؤلاء، وبعضهم يساريون سابقون، هم مهما قالوا في دوافعهم، قد التحقوا بالقيادة الأميركية للعالم، كتصور وكفعل. وهذه الأخيرة تمثل اليوم خليطاً عجيباً منهم ومن فئات قروسطية محدّثة. وقد تفتقت عبقرية بعضهم عن تلك النسخة المنحطة من الديموقراطية التوافقية على الطريقة اللبنانية، والتي يروجون لها في المنطقة ابتداء من العراق المنكوب، وقد أطلقوا عليها بتعال استشراقي لا يمكن تجنب رؤية طمغته الكولونيالية، لقب «ديموقراطيّة المكونات»، ثم راحوا يســـبحون بيسر مدهش في بحر الطوائف والأعراق والعشائر، ويقابلون ممثلي تلك المكونات المزعومين (حتى الرئيس بوش فعلها أثناء زيارته الأخيرة للعراق، وتسبب بمقتل الزعيم الذي قابله). بل يبدو أن هناك برنامجاً دائماً للزيارات إلى البـــيت الأبيض، ومقابلة الرئيس بوش لالتقاط صورة تذكارية معه، يُنقل فيها في كل مرة عدد من أولئك «الزعماء» المعيّنين، فتكون الزيارة-الصورة صك الاعتماد. والمشكلة أن مقدرة تلك الصيغة المدعوة «ديموقراطية المكونات» على الحياة متعثرة هي الأخرى، لأن المعروض ملؤه على أجزائها لا يطابق الآليات الداخلية لتلك الأجزاء، الآليات المألوفة منها وما هي مؤهلة له، فتقوم بعملية مواءمة سريعة، مفتعلة وقسرية، مع المعطيات الماثلة تخرج منها مشوهة تماماً... وعاجزة على أية حال!
ولكن السؤال الأهم هو في عطب الديموقراطية «الأصلية» تلك، التي تنتج في الولايات المتحدة الرئيس بوش، وتنتج في فرنسا كل يوم ما يبدو مناقضاً لـ»الأنوار» دون أن يثير ذلك قلق أصحابه. فيتم مثلاً التحايل من أعلى على نتائج استفتاء أجاب منذ عامين بـ»لا» على الميثاق الأوروبي، ويُعمد إلى إقرار صيغة متشددة منه باتفاق قمة أوروبية وعرضه على البرلمان، وليس على استفتاء غير مضمون النتائج! رحم الله الجنرال ديغول الذي استقال حين عاكست نتيجة التصويت اتجاهاته. أليس هذا الواقع العتيد ما يجعل الليبراليين العرب أيتاما أو خدماً لجلادين؟!
المصدر: دار الحياة
|