|
|
في سورية
مجتمع و ثقافة في سورية
الحصاد الثقافي العربي لعام 2007 - سوريا | الحصاد الثقافي العربي لعام 2007 - سوريا |
|
|
| هلوسات - مجتمع و ثقافة في سورية | |||
| 25 كانون الأول 2007 الساعة 16:18 | |||
|
الحصاد الثقافي العربي لعام 2007 (سورية): كثافة في الانشطة الثقافية والفنية والاصدارات.. لكن النوعية ضعيفة في ظل سيطرة الايديولوجيا دمشق - القدس العربي ـ أنور بدر أول ما يفاجئ أي متابع للمشهد الثقافي والفني في سورية، هو الكثافة الكمية ـ إن صح التعبير، تطور هائل في الأرقام، عدد الكتب التي تطبع في سوريا، كثافة عدد دور النشر الخاصة، عشرات الصحف والمجلات الخاصة التي بدأت تصدر تباعاً في السنوات الأخيرة، ازدياد كبير في أعداد المهرجانات الثقافية والفنية التي بدأت تتوزع في كل المحافظات والبلدات السورية وصولاً إلي القري (مهرجان المزرعة الثقافي، مهرجان الملاجة، مهرجان حصين البحر...)، المهرجانات المسرحية، كثافة الدراما السورية، تنامي شركات الإنتاج الدرامي والسينمائي الخاصة، كاليريات المعارض التشكيلية، أعداد الفنانين التشكيليين، أعداد المطربين والمطربات المسجلين في نقابة الفنانين، التضخم في أعداد الموسيقيين مما أدي الي كساد في سوق التشغيل، وأشياء أخري كثيرة.
لكن التدقيق في نوعيّة هذا المنتج الثقافي أو الفني بعيداً عن الأرقام العددية قد يُصيبنا بخيبة أمل حقيقية، فهذا الطغيان الكمي في الإنتاج ليس أكثر من ساحة أيديولوجية تكرس المقولات والشعارات الشعبوية، في حالة عداء مع الديمقراطية باعتبارها بضاعة مستوردة ليست في ثقافتنا، أو هي محاولة لتجسير عبور الآخر إلينا من خلالها، وفي هذه اللعبة الغبية ظلم للثقافة وللديموقراطية أيضاً. لكنها شكلت إغواءً للمثقف السوري الذي قرّر معاداة الديمقراطية طالما أنّ الإدارة الأميركية رفعت هذا الشعار في سياساتها تجاه المنطقة، مُتجاهلاً ـ أي المثقف ـ أننا كمجتمعات وأفراد نحتاج إلي هذه الديمقراطية في علاقتنا مع بعضنا البعض ومع الآخر أيضاً. لأنّ علاقات الموطنة، وحريّة الإبداع لا يُمكن أن تتشكل بدون مناخات ديمقراطية. وفي هذه المسألة يكمن مقتل الاتحادات والنقابات والمؤسسات الثقافية والإعلامية التي تساهم في طغيان الإنتاج الكمي وكذلك في التوظيف الأيديولوجي للمنتج الثقافي والإعلامي. وهو ما يظهر في زحمة المهرجانات الثقافية التي تكاد تغطي مساحة الوطن خلال عام كامل، مع حضور خجول للقيمة الثقافة بالقياس للجانب الفني والسياحي والدعائي كذلك، حتي أنّ ذلك الحضور الثقافي يكون من باب رفع العتب لا أكثر في بعض الأحيان، دون أن يحمل رسالة أو أدني رغبة بالتواصل مع الجمهور. فإذا علمنا أن دمشق عاصمة الثقافة العربية عام 2008 وأن مرسوماً جمهورياً صدر في بداية عام 2007 بتكليف الدكتورة حنان قصّاب حسن برئاسة أمانة احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية للعام القادم، اكتشفنا ضرورة أن تكون قد أُنجزت كامل الاستعدادات للانطلاق مع بداية العام القادم بهذه الاحتفالية، خاصة وأن مرسوم تشكيل الأمانة العامة منحها صلاحيات واسعة، وتمّ تشكيل لجان استشارية ولجان فرعية وتخصيص مبني عام لأمانة الاحتفالية، كما جري الإعلان عن تقديم مشاريع للرعاية من قبل هذه الأمانة. إلا أنّ أغلب المؤسسات الثقافية الرسمية والمثقفين السوريين يبدون تخوفاً أن تأتي الاحتفالية تكراراً مشوهاً من احتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006 خاصة وأنهم لاحظوا غلبة اللون الفرانكفوني علي مجمل اللجنة الاستشارية التي جمعت أسماء كبيرة في الثقافة السورية المهاجرة، دون أن نكتشف أثراً لفعاليتها الميدانية، بينما اعتذرت أغلب الأسماء التي أدرجت في اللجان الفرعية، رغم انتمائها للون ذاته، وهو ما يُنبئ بإمكانية إضاعة هذه الفرصة، إذ أنّ تشكيل الأمانة العامة للاحتفالية قبل عام كامل من انطلاقها، كان يُفترض أن تتحوّل دمشق بل سوريا إلي مشغل ثقافي مفتوح لتقديم الإنجازات في كافة الصعد السينمائية والمسرحية وصولاً إلي حقل التشكيل وطباعة الكتب، دون الاكتفاء بإنجازات أمانة العاصمة من تغيير مادة الإسفلت في بعض الشوارع والساحات العامة ضمن دمشق إلي مادة الحجر الأسود الصناعي، والذي كان يُستخدم قبل اكتشاف مادة الإسفلت وقبل انتشار وسائل المواصلات العصرية، أي السيارات، فلماذا هذه العودة إلي الوراء؟! وهل تكفي التبريرات الجمالية والتاريخية إن وجدت؟! لماذا لم يجر الاهتمام بملتقيات النحت التي كنا نفترض أن تغيّر معالم تلك الساحات وحتي شوارعنا العامة؟ أين هي الكتب التي طبعت و الأفلام التي صوّرت؟ وإلي متي تبقي أمانة الاحتفالية تشكو من غياب التمويل؟ لفت انتباهي بهذا الصدد خبر صغير أوردته أكثر من صحيفة ومصدر إعلامي، يُفيد أنّ الحكومة التونسية وبالاشتراك مع البنك الدولي، خصصت مبلغ 72 مليون دولارا لمشروع إدارة وإحياء التراث الثقافي في تونس، دون أن تكون تونس عاصمة الثقافة العربية هذا العام أو العام القادم. فأين ميزانية الاحتفالية وأين أوجه الصرف المخطط لها؟ ملاحظات كثيرة قد نسوقها لكننا لن نتوقف معها مطولاً حتي لا نستبق الحدث، وحتي لا نرجم بالغيب، وبانتظار بدء نشاطات الاحتفالية بعد أيام، دعونا نلقي نظرة سريعة علي أهم النشاطات الثقافية التي جرت خلال عام 2007 الذي قارب علي الانتهاء. وزارة الثقافة وهموم المثقفين: لا يمكن الحديث عن الثقافة بمعزل عن وزارة الثقافة باعتبارها الجهة الرسمية الراعية للنشاطات الثقافية المتباينة، إلا أنها علي ما يبدو قد أخذت بالعناوين الثقافية الكبيرة وتجاهلت المثقفين والتفاصيل التي تصنع المشهد الثقافي، واكتفت بالتغييرات الإدارية كحل لأزمة المؤسسات الثقافية، فعلي سبيل المثال أجرت وزرة الثقافة تغييرات في مديرات المسارح والموسيقي ومديرية الفنون الجميلة ومديرية التأليف والترجمة، لكنها في كل ذلك لم تتقدم خطوة واحدة باتجاه دعم هذه المحاور الثقافية. فلا مديرية المسارح ولا مديرية الفنون الجميلة تطوّرت نشاطاتهما مع التغييرات الجديدة في منصب المدير، وكانت الطامة الكبري في مديرية التأليف والترجمة التي انشقت لأوّل مرّة إلي مديرية للتأليف أنيطت بالدكتور كريم أبو حلاوة، وأخري للترجمة أوكلت للسيد ثائر ديب، لكنّ إحداث الهيئة العامة للكتاب وما صاحبه من لغط ٍ في تسمية مدير الهيئة وتغييره خلال أيام من د. عبد الله أبو هيف إلي د. عبد النبي اصطيف، أثار موجة من الاستنكار في أوساط المثقفين، وجعل هذه الهيئة في موقف لا تحسد عليه. ويأخذ البعض علي الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة، طغيان العلاقات الشخصية في تعامله مع التعيينات والتغييرات الإدارية، وإلا كيف يصبح الأستاذ بسم ديوب مدير الشؤون القانونية في الوزارة مديراً للمسارح والموسيقي ثمّ مديراً للمركز الثقافي السوري في اليمن؟ وكيف يضرب السيد حسام دولّي نائب رئيس الهيئة العامة للكتاب الروائي والمترجم خليل الرز الموظف في مديرية الترجمة دون أن يُعاقب؟ وكيف تستمر مديرية المسارح والموسيقي بدون ميزانية إنتاج لعام كامل، ومع ذلك يعلن السيد الوزير عن تشكيل مجموعة من المسارح القومية في أكثر من محافظة؟ تتكاثر علامات الاستفهام، كما تتكاثر أنشطة الوزارة، كتكريم عدد من الأدباء والفنانين خلال العام المنصرم، أو طباعة مئتي كتاب مهم في مطابع وزارة الثقافة، مع أن الضالعين بكواليس مطبعة الوزارة وخطتها للنشر يدرك أنها لم تطبع منذ تسلم السيد الوزير مهامه إلا سبعة عناوين جديدة، هي: كتاب الدكتور عبد النبي اصطيف مدير الهيئة العمة للكتاب بعنوان العرب والأدب المقارن ، وجزأن من أصل ثمانية أجزاء من كتاب الدكتور شاكر الفحام باسم القطوف الدانية ، وكتاب المتفرج لعادل أبو شنب، وكتاب للسيد أحمد عبد الحميد الحمد بعنوان حضارة طريق التوابل ، مع ديواني شعر الأول للسيد جميل حسن بعنوان حقيبة الذكريات والثاني للسيد فؤاد نعيسة بعنوان قصائد للأرض والإنسان ، فإذا علمنا أن ديواني الشعر وكتاب حضارة طريق التوابل سبق وأن رفضت الوزارة طباعتهم، لكنهم أرسلوا إلي المطبعة مع تنويه بخط الدكتور اصطيف يقول: وجدته جيداً فأرسلته إلي الطباعة، ولا أعتقد أن هذا الاكتشاف الذي سجل باسم مدير الهيئة العامة للكتاب يمكن أن تدار وفقه آلية النشر في وزارة الثقافة، علما أن الوزارة طبعت حقيقة في تلك الفترة ما ينوف عن 180 عنواناً، لكنها كتب قديمة أخذت موافقة الطبع في زمن الوزير الدكتور محمود السيد وبعضها قبل ذلك. وهي تعود لجهات مختلفة ناشرة في الوزارة كالمؤسسة العامة للسينما أو مديرية الترجمة أو سلسلة إحياء التراث. من جهة ثانية تشرف الوزارة علي حوالي 400 مركز ثقافي تنتشر في مختلف المحافظات والمدن السورية وحتي في بعض القري الكبيرة، لكن باستثناءات قليلة كمديرية ثقافة الرقة، أو المركز الثقافي العربي في مصياف نجد أنّ نشاط هذه المراكز يكاد يتلاشي تأثيره، من حيث النوع والكم، رغم تنفيذ الخطط الموضوعة مسبقاً، إما لأنّ تلك الخطط لا تجد صدي لها بين الجمهور، أو لأنّ هذا الجمهور اللاهث وراء رغيف الخبز لم يعد يجد متسعاً من الوقت لحضور أمسية شعرية أو ندوة فكرية. لكن إشكالية هذه المراكز تتبع في نشاطاتها لوزارة الثقافة فيما تتبع ماليا وإداريا لوزارة الإدارة المحلية، حيث ألحقت بالبلديات ومجالس المدن، والتي احتلت الثقافة آخر مرتبة في جدول اهتماماتها. لكننا نقول وبالرغم من ذلك أن أزمة الثقافة في مجتمعنا لا تكمن في أعداد الكتب المطبوعة، قدر ما تكمن الإشكالية في أزمة القراءة، خاصة وأنّ نسبة الأميّة في المجتمع العربي تبلغ ربع السكان، كما أشار السيد عمرو موسي في مؤتمر التنوّع الثقافي الذي عُقدَ مؤخراً في دبي، إذ أكدّ أنّ الأميّة في الوطن العربي وضمن الفئة العمرية ما فوق 15 سنة بلغت خلال العام الماضي 71 مليون شخصاً، لا يجيدون القراءة والكتابة، لكن أزمة القراءة برأيي الشخصي تكمن في صفوف المتعلمين أساساً، ولأسباب خارجة حدود الأميّة، ورغم الاحتفال السنوي بعيد القراءة الذي يقيمه المركز الثقافي الفرنسي في سوريا، ورغم بعض المحاولات الخجولة من بعض دور النشر لتشجيع القراءة، إلا أنّ تغييراً مهماً في أمزجة الناس، وبشكل خاص الناشئة لم يحدث إطلاقاً. اتحاد الكتاب العرب ومنشوراته: يبقي اتحاد الكتاب العرب ممثلا للقطاع العام في حقل النشر ورديفا لوزارة الثقافة فيما يخص طباعة الكتاب والرقابة عليه أيضا. إلا أن الإتحاد تورط هذا العام بإشكالية تبديل سنة تأسيس الإتحاد من عام 1954 إلي عام 1969 لاغيا مرحلة هامة في مسيرة الاتحاد ونضالات الكتاب النقابية، وقد مرّت هذه المسألة بقليل من اللغط، لكن تصريح الدكتور حسين جمعة وموقفه بخصوص عضوية الكاتب والمسرحي سعد الله ونوس للإتحاد، وبالتالي الموقف القانوني من قضية التعويضات النقابية والمالية أثارت زوبعة من النقد والردود لا تليق بسمعة الإتحاد ولا بسمعة الراحل ونوس. أما خطة النشر في اتحاد الكتاب العرب لعام 2007 فقد بلغت قرابة 115 مخطوطاً تتضمن الكتب الأدبية والمترجمة وكتب التراث، وتتوّزع الخطة وفق الترتيب التالي: 25 كتاباً شعرياً، 10روايات، 5 مسرحيات، 10دراسات نقدية، 20 دراسة فكرية، 5 كتب من سلسلة أدباء ومفكرون ، 15 مجموعة قصصيّة، 10كتب للأطفال، 5 كتب في التراث، و 10 كتب مترجمة. في المقابل وحتي منتصف كانون الأول (ديسمبر) لم يصدر إلا 32 كتاباً، إلا أنّ الدكتور حسين جمعة رئيس الاتحاد يتوقع حتي نهاية العام أن تبلغ إصدارات الاتحاد بحدود المئة كتاب، ويعزوا سبب التأخير إلي أسباب فنية ومالية أدت لتغيير المطبعة، وربما يتعرّض متعهد الطباعة السابق إلي محاكمة. كذلك يؤكد الدكتور جمعة علي استمرار إصدار الكتاب الشهري ـ كتاب جيب ـ مرفق مع مجلة الموقف الأدبي ويوزع مجاناً معها، كما أشار إلي الملفات التي أعدتها المجلة حول القصة القصيرة في سوريا، ملف الرواية وآفاقه، ملف قصيدة النثر، تخصيص عدد للمسرح، والإعلان عن جائزة المجلة لعام 2007 في مجال الترجمة. كما يصدر الاتحاد مجلة فصلية بعنوان الآداب العالمية ومجلة التراث العربي وأخري بعنوان الفكر السياسي ، وأخيراً أسبوعية باسم الأسبوع الأدبي . وإن كان يُلاحظ علي مطبوعات الاتحاد مجانية بعض العناوين، فالدكتور جمعة يُحيل الموضوع إلي لجان القراءة، والتي يشكو منها الكثير من الكتاب والمثقفين وحتي دور النشر الخاصة، باعتبارها ملزمة بأخذ موافقة الاتحاد علي مطبوعاتها، ورغم تشكيل اتحاد جديد للناشرين في سوريا منذ عامين تقريباً، وهو يضم حوالي 234 دار نشر خاصة، مع التراخيص الممنوحة من قبل وزارة الثقافة تشير إلي وجود أكثر من 400 دار نشر مرخصة في سوريا. بعض هذه الدور لايطبع الحد الأدني المقر من قبل اتحاد الناشرين وهو عنوانان في العام، بينما بعض دور النشر تطبع مابين خمسين إلي مئة عنوان سنويا. المشهد المسرحي في سوريا خلال عام 2007 دلفنا إلي عام 2007 ونحن نعيش نتائج فشل مهرجان دمشق المسرحي الأخير، حيث اكتفت الوزارة ببعض الإجراءات الإدارية وكان في طليعتها استبدال مدير المسارح والموسيقي جهاد الزغبي بعد أن وُضعَ علي كاهله وزر المهرجان، بل ووزر أزمة المسرح في سوريا خلال العقود الأخيرة، وجيء لأوّل مرة بشخصية بسام ديوب الإدارية من الوزارة إلي مديرية المسارح والموسيقي علّه يشيل الزير من البير ، وفعلاً حاول هذا الرجل أن يضبط دوام موظفي المديرية، وان يتخذ بعض الإجراءات الإدارية، إلا انه فشل في إقامة علاقة وديّة مع فناني المسرح المتمردين علي مؤسسة ما زالت تنتقل من سيء إلي أسوأ، ولم يجده نفعاً تعيين الأستاذ عماد جلول معاوناً له، وحتي استلام الفنان نضال سيجري إدارة المسرح القومي بدمشق. رغم حالة الاطمئنان التي عكسها وجود السيجري في هذا الموقع. لكنه اضطر في النهاية لتقديم استقالته المشفوعة بإعلان اليأس من إمكانية الإصلاح في هذه المؤسسة. وأذكر في بداية حواري معه السؤال: نحن متفائلون بتسلمكم زمام المسرح القومي, فإلي أي درجة أنتم متفائلون؟! وكان نضال سيجري واضحاً حين أكدّ أنّ هذا الموقع لا يُشكل إغراءً مادياً أو معنوياً له. فإذا نجح في تفعيل خشبة المسرح القومي المعاقة منذ سنوات كان به، وإلا فهو قد أعدّ استقالته، وكان مضطراً لتقديمها بعد تسعة اشهر من ذلك التاريخ، لأنّ النوايا الطيبة لا تكفي وحدها لتحريك عجلة التاريخ بعد أن أصيبت بالعطب. قبل ذلك بأشهر حاولت الوزارة تدارك الأمر، فأرسلت بسام ديوب إلي المركز الثقافي السوري في اليمن، علّه ينجح بتنشيط المشهد الثقافي السوري في صنعاء، معوضاً ما فشل في تحقيقه ضمن أروقة المديرية التي كانت بحالة بائسة فعلاً، واستعيض عنه بالدكتور عجاج سليم الذي سبق له واستلم إدارة المسرح القومي بدمشق، والتدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية، وإخراج بعض الأعمال المسرحية والمهرجانات الفنية والثقافية، وقد أخذ الدكتور عجاج علي عاتقه إخراج مبني المديرية من حالته المزرية إلي شكل يليق بالمسرح والفنانين. ونستطيع القول أنه قد نجح في إعادة تأهيل هذا المبني المستأجر أصلاً، لكنه لم ينجح بالسويّة ذاتها في إعادة تفعيل الحركة المسرحية خلال هذا العام لأنّ الميزانية قد صُرفت مُسبقاً علي المهرجان سيء الصيت. ولم تنفع وعود الوزارة في ضخ الدماء إلي جسد الحركة المسرحية الداخلة في سبات مُزمن. لكنّ الدكتور عجاج لم يستسلم لهذه الحالة، فاستعاد عروض المهرجان إلي خشبة القومي مجدداً، بل واجتهد في إضافة عروض جديدة من المحافظات وفرق الشبيبة والهواة، ليقدم من هذا الخليط ما عُرف بمهرجان صيف دمشق المسرحي والذي شاركت فيه أكثر من 15 فرقة. شغلت الفضاء المسرحي خلال أشهر الصيف التي يستسلم فيها الفنانون لعادة القيلولة وقت الظهيرة، أو لزحمة التصوير في المسلسلات الدرامية لمن جاءه الحظ، وأتاح هذا المهرجان لفرق الهواة والمحافظات لأوّل مرّة فرصة تقديم عروضهم في العاصمة، كما أتاح لجمهور المسرح المهتم والإعلام المتمركز في دمشق فرصة الإطلالة علي هذه التجارب التي كانت وما تزال تعيش في الظل وبعيدةً عن الأضواء. ويجب الاعتراف بأنّ هذه العروض استقطبت جمهوراً وخلقت حراكاً مسرحياً ضمن العاصمة دمشق، لكنها لم تنجح في تقديم حالة نوعية، أو حتي أنها لم تعدْ بخروج المسرح السوري من عنق الزجاجة التي دخلها مطمئناً. وظلّ رهان المديرية الأخير علي تلك الفرق من خلال رعاية المهرجانات المسرحية التي نشأت في بعض المدن والمحافظات السورية، مع محاولة لمأسسة تلك الفرق في إطار بُنية المسرح القومي الرسمي، وكانت هذه المأسسة كالهبة التي ينثرها السيد وزير الثقافة في رعايته لتلك المهرجانات. لكنها لم تتجسّد عملياً إلا في افتتاح المسرح القومي في طرطوس ضمن عرض لائق وخشبة جديدة، فيما حالت الآلية البيروقراطية دون تجسيد هذه الهبة في بُنية كيانية للمسرح القومي في المحافظات، تتألف من مقر ومسرح وكادر وميزانية تشمل توظيف وتشغيل فناني المحافظة، وحتي في حفل إطلاق المسرح القومي في محافظة حماة، شاهدنا عرضاً ينقصه الكثير، وفي مقدمة ما ينقصه خشبة حقيقية وخاصة بهذا المسرح، بعيداً عن خشبة الاحتفالات الرسمية والخطابات التي زودت بها كل المراكز الثقافية في سوريا. ومع ذلك نستطيع أن نتفاءل بتلك الغيوم التي رسمت في سماء بعض المحافظات السورية كطرطوس واللاذقية وحماة وإدلب والحسكة وصولاً إلي الرقة. بأنها قد تمطر يوماً ما أعمالاً مسرحية، مع تخوّف البعض من أنّ هذه المأسسة قد تقتل روح الإبداع وحماسة الهواية عند فناني المحافظات، وكانت رعاية مديرية المسارح والموسيقي لمهرجان الرقة المسرحي الثالث مخيبة للآمال، إذ فشلت المديرية بإشراك عرض واحد من المسرح القومي في دمشق في هذا المهرجان، بعد ما وعدت بعرضين، وأعطت أحدهما حفل الافتتاح. من ناحية أخري يري البعض أنّ رعاية المديرية لبعض مهرجانات المحافظات التي دخلت في حالة الموت السريري وما زالت تنتظر عمليات الدفن قد تشكل إنقاذاً لها من هذا المآل المحتوم، لكنّ بعض المهرجانات النشيطة في الرقة أو مصياف تحتاج لمساحة من الحرية أوسع من قيود المؤسسة الرسمية. وحتي مدينة كالسويداء فيها هذا العام ما ينوف علي (15) عرضاً مسرحياً للهواة، وعلي الرغم من هذا تفتقد لمهرجان خاص بها، كما تفتقد لرعاية المؤسسة الرسمية ممثلة بمديرية المسارح والموسيقي. ويلاحظ علي هذه المديرية أنها بالرغم من التغييرات الإدارية التي شملت راس الهرم فيها، والكثير من المفاصل التي شكلت بدورها إعادة هيكلة حقيقية لها، إلا أنها لم تتجاوز ما خلفته تجربة جهاد الزغبي علي بؤسها. فها هي العروض التي منحت لهواة في مهرجان دمشق المسرحي الأخير، علي حساب مخرجين أو أكاديميين لم يفلحوا في الحصول حتي علي بطاقة دعوة لحضور هذا المهرجان، أقول أنّ هذه العروض ما زالت تستعاد في مسارح دمشق وحتي في بعض المحافظات، وبعضها كعرضي الليغرو لعروة العربي و شوكولا لرغدة الشعراني كانا محظوظين بتمثيل سوريا في أكثر من مهرجان عربي ودولي، في حين أنّ عرض احترافي لوليد قوتلي اللعب في انتظرا غودو منع من المشاركة في إحدي المهرجانات في إيطاليا بحجة عدم وجود ميزانية، فكيف تصرف هذه الميزانية علي عروض، وتمنع منها عروض أخري، هو السؤال القائم برسم مديرية تحاول تجديد آليات عملها؟! السينما السورية ومهرجانها الأخير: لا يخفي علي أحد أنّ المؤسسة العامة للسينما ولدت كمحصلة لإجراءات التأميم التي طالت الشركات الفنية الخاصة بداية الستينات من القرن الماضي، إذ احتكرت الدولة كل ما يتعلق بالفن السابع بدءاً بصناعة الأفلام، والإشراف علي صالات العرض، وصولاً إلي الاستيراد وتوزيع الأفلام في سوريا، وهذه الإجراءات حدّت بالضرورة من تطوّر صناعة السينما، لكنها وهذا هو الأخطر، قتلت الطقس السينمائي، باعتباره علاقة اجتماعية بين المشاهد والفيلم وصالة السينما، وهو ما عجزت إجراءات محمد الأحمد منذ عام (2001) عن استعادتها، فلا إلغاء الاحتكار، ولا السماح باستيراد الأفلام، ولا تشجيع أصحاب الصالات علي تجديد صالاتهم وتحديثها أو الإغراءات المقدمة للقطاع الخاص وشركات الإنتاج الفني الحديثة علي خوض تجربة الإنتاج السينمائي المستقل أو المشترك أفادت شيئاً. وهو ما يؤكد صلابة الواقع إزاء الأمنيات والطموحات الشخصية، إذ لا تكفي النوايا الحسنة لتغيير الواقع. لأنّ أصحاب الصالات لن يقدموا علي تحسين صالات تبلغ قيمتها العقارية عشرات بل ومئات الملايين أحياناً، من أجل دخل لن يتجاوز واحد بالمئة سنوياً، وهو استثمار خاسر، وما زالت القوانين تحول دون إمكانية تحويل بعض الصالات الضخمة إلي مجمعات تجارية مع صالة عرض صغيرة كما هو في كل أنحاء العالم. كذلك يبقي أي مستثمر أو تاجر وجلاً إزاء استيراد أفلام جديدة وجيدة، في ظل العلاقة المخربة بين المشاهد والصالة، أو ما يشبه غياب الطقس السينمائي الذي كان منتشراً في دمشق وسواها من المدن السورية في النصف الأول من القرن المنصرم. وهذه المسألة تحكم أيضاً إمكانية دخول رأس المال الخاص كطرف منتج في الصناعة السينمائية، فالتوزيع المحلي لن يغطي أي جزء يُذكر من كلفة الإنتاج، ولم تستطيع المؤسسة العامة للسينما فتح أسواق عربية أو دولية أمام الفيلم السوري خارج إطار المهرجانات الدولية. من هنا كانت جهود الأستاذ محمد الأحمد تنصب أساساً علي استعادة الطقس السينمائي المفقود، عبر إعادة العلاقة بين الجمهور وصالة العرض السينمائي، من خلال الأسابيع السينمائية التي قدمت علي مدار سنة كاملة ما ينوف عن (128) فيلما متميزا ضمن خمس تظاهرات سينمائية هي: مهرجان الأفلام التركية، أسبوع الفيلم الأوروبي، مهرجان العيد العالمي للسينما، علي بساط السينما، وأخيراً شاشات بيضاء وأفلام كأنها الأحلام، مع وجود عدد موازي وربما أكثر من ذلك يقدّم سنوياً عبر المراكز الثقافية الأجنبية في دمشق، وبشكل خاص النادي السينمائي في المركز الثقافي الفرنسي، وبعض التظاهرات الخاصة بالسينما الفرنسية. الجهد الثاني ينصب علي مهرجان دمشق السينمائي الذي انتقل هذا العام في دورته الخامسة عشر إلي دورة سنوية، بدل أنّ كان مرّة كل عامين، كما حقق بعض شروط تدويله الأخري، كزيادة عدد أيام المهرجان إلي عشرة أيام بدل أسبوع، وتأمين إشراف الاتحاد الدولي للمنتجين السينمائيين علي جاهزية صالات العرض وتجهيزاتها الفنية، وسويّة الاستضافة وحتي التأمين الصحي لكافة ضيوف المهرجان، وصولاً إلي المطبوعات والبروشورات وأخيراً سويّة الأفلام المشاركة في المسابقات الرسمية ونوعية التظاهرات المقامة علي هامش المسابقات، وحتي أسماء أعضاء لجان التحكيم. ورغم أنّ المؤسسة حققت الكثير من هذه الشروط وبشكل جيد، إلا أنّ أزمة الصالات وتجهيزاتها ما زالت مسار نقاش، خاصة وأنّ بعض أفلام المهرجان الأخير تعرضت لتوقف في الصوت والصورة أثناء العروض وفي أكثر من صالة، بما فيها بعض أفلام المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة. وحتي في صالة الكندي التي انتهي ترميمها مع بداية المهرجان، وبعد سنوات من الانتظار، فأين الخلل مجدداً؟ بعيدا عن ذلك، تبقي الإشكالية الأساسية في السينما السورية هي إشكالية الإنتاج باعتقادي، لأنّ وجود شركات إنتاج متعددة يتيح إنتاج متباين في الأساليب وطرق المعالجة وخيارات الفنانين، أكثر ممّا يُتيحه وجود جهة إنتاجية وحيدة، رغم أنها قدمت، أي المؤسسة العامة للسينما، عبر تاريخها مجموعة من الأفلام الهامة، والتي حصل بعضها علي جوائز عالمية. إلا أنها بالمحصلة لم تستطع أن تحقق سينما جماهيرية، ولم تستطع أن تسوّق نتاجها خارج حدود المشاركة في المهرجانات العربية والدولية. نحن لن نقول أنّ السينما السورية سينما مهرجانات، لكننا مضطرين للقول بأنها قدمت أفلاماً متميزة ولم تصل إلي مرحلة الصناعة السينمائية المستقلة بذاتها، وهذا ينعكس علي سويّة الإنتاج وكميته أيضاً. فالمؤسسة شاركت هذا العام بفيلمين في مهرجانها الدولي هما خارج التغطية لعبد اللطيف عبد الحميد و الهويّة لغسان شميط. وقد نال الأول منهما برونزية مهرجان دمشق السينمائي، فيما ساهمت الأيديولوجيا بقتل تيمة فيلم الهوية وطموح مخرجه كذلك. ويفترض البعض أن يكون لدينا إنتاج موازي لأهميّة هذا المهرجان. خاصة وأنّ بعض الأفلام صورت فعلاً، لكنّ العمليات الفنية لم تنته بعد، نذكر منها علي سبيل المثال: فيلم حسيبة للمخرج ريمون بطرس، فيلم سبع دقائق علي منتصف الليل لوليد حريب، و دمشق يا بسمة حزن لماهر كدو، وفيلم أيام الضجر لعبد اللطيف عبد الحميد أيضاً. ولا يزال في جعبة المؤسسة العامة للسينما ثلاثة أفلام كانت تنتظر تمويلها من قبل احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية (2008)، والآن تبحث عن فرص إنتاجية أخري لهذه الأفلام، وهي موازئيك عن رواية فواز حداد للمخرج حاتم علي، الشراع والعاصفة عن رواية حنا مينة للمخرج غسان شميط، وسيناريو آخر أعده وفيق يوسف عن رواية كاتب أميركا اللاتينية غابرييل غارسيا ماركيز حب في زمن الكوليرا . وأغلب هذه الأعمال تشير إلي اتجاه المؤسسة نحو الأدب الروائي بعد أن اقتصر إنتاجها زمناً علي سينما المؤلف، لكن تبقي إشكالية التمويل، وجذب القطاع الخاص ليخوض تجربة الإنتاج السينمائي كما دخل حقل الإنتاج الدرامي وحقق فيه نجاحات هامة. وهذا كله لا يتطلب فقط توفر رأس المال المنتج، أو جودة العمل، إنما يذهب في السؤال عن آليات التوزيع وفتح أسواق عربية وأجنبية أمام السينما السورية، وأمام أعمالنا الفنية. الدراما السورية وحارتها الضيقة: شكلت الدراما السورية لسنوات خلت المؤشر الوحيد الصاعد في بورصة أسهم الثقافة السورية، لكنها سقطت هذا العام فيما يشبه أزمة سوق المناخ، فانخفض الإنتاج من (47) مسلسلاً في عام (2006) إلي (28) في الدورة الحالية، حيث أعلنت مجموعة من الشركات إفلاسها وتوقفها عن العمل، ومن غامر منها باستمرار الإنتاج الدرامي تعرض لصدمة قاسية حين أحجمت الكثير من الفضائيات الخليجية تحديداً ـ باعتبارها سوق الاستهلاك الدرامي رقم واحد ـ عن شراء المسلسلات السورية. وهو ما قُرأ علي الصعيد الرسمي باعتباره استمراراً للحصار السياسي المفروض علي النظام السوري، ولم يتوانَ الدراميون السوريون وأصحاب شركات الإنتاج عن تلقف هذه الموضوعة، إذ يقول المخرج نجدت أنزور أنّ أزمة الدراما جزء من التضييّق والحصار السياسي الذي تعاني منه سوريا والمفروض عليها من قبل بعض الأنظمة العربية ، ويُضيف د. نبيل طعمة صاحب شركة الشرق للإنتاج الفني بأنّ الكثير من الفضائيات العربية لم تشتر أي عمل سوري هذا العام، وأخري حاولت المناورة لشراء الأعمال بأثمان بخسة تقل كثيراً عن الأثمان التي تدفع للأعمال المصرية ، رابطاً الممانعة السورية في حقل السياسية بانعكاسها علي مبيعات الدراما السورية . وطالما أنّ الدراما تدفع ضريبة الممانعة التي يبديها الموقف السياسي السوري، يكون الاستنتاج المنطقي بأنّ النظام السياسي عليه حماية هذه الدراما والدفاع عنها في وجه الآخر الذي يتربص بنا دائماً. وفوجئنا بحملة استنفار علي أعلي المستويات السياسية دفاعاً علي خط المعركة الأمامي هذا الموسم، فقرّر التلفزيون السوري نتيجة توافق مع الشركات المنتجة ومؤسسة الإعلان شراء (28) مسلسلاً حصيلة إنتاج هذا العام، رغم أنّ أحد هذه الأعمال لم يعرض، لكن معركة الدفاع عن الدراما السورية لم تتوقف عند هذا الحد، بل حصلت علي ما يُشبه التكريم من خلال اجتماع السيد رئيس الجمهورية مع ممثلي هذه الدراما من منتجين وفنيين وفنانين، وهذه الخطوة أعطت الضوء الأخضر للسيد رئيس مجلس الوزراء ثم وزراء الإعلام والمالية ليتحركوا باتجاه دعم الدراما السورية وتقديم تسهيلات مالية، ليست ذات شأن في المحصلة، فالممثل والمنتج فراس إبراهيم الذي أنتج هذا العام مسلسل أسير الانتقام يطالب بإيجاد آليات أكثر فعالية لتنظيم صناعة الدراما السورية وتسويقها، بعيداً عن التعاطي الفردي مع المحطات التلفزيونية. في هذا الصدد كان الحديث ولا يزال عن ضرورة النظر إلي الدراما السورية بصفتها صناعة يجب حمايتها وتنظيم آليات عملها، وضمان تسويق منتجاتها من المسلسلات، خاصة وأنّ الرأسمال الموظف فيها بلغ عام 2006 ملياري ليرة سورية، لكن البعض يري الأمر بيد الحكومة والتي لا تتحرك بهذا الاتجاه، فيما يري آخرون بأنّ الإشكالية تكمن في عدم اتفاق شركات الإنتاج الخاصة، وآخرون ما زالوا يعتقدون أنّ الحق علي الطليان! وما يؤكده أغلب العاملين في الشأن الدرامي هو حاجتنا الماسة إلي الآخذ بالتجربة المصرية فيما يتعلق بالقطاع الاقتصادي في التلفزيون المصري حيث يتولي مهمة توزيع الدراما المصرية سواء كانت من إنتاج الشركات الخاصة أو التلفزيون، ودون ذلك تستمر أزمة الدراما السورية. كما يبحث بعض المخرجين والنجوم عن فرص مجدية مادياً أكثر في الدراما المصرية أو الخليجية، حتي أنّ البعض يتحدث عن مؤامرة لإفراغ الدراما السورية من نجومها ومخرجيها، لكنني أعتقد جازماً بوجوب مساءلة الذات قبل أن نبحث عن شماعات عند الآخرين لنعلق أخطائنا عليها، ونكتشف بهذا الصدد أنّ قلة هم الذين تحدثوا عن تراجع الدراما السورية، عن استسهال الإنتاج، عن تكاثر شركات الإنتاج الخاص علي مبدأ سيخ الشاورما في منطقة الشيخ سعد من المزة القديمة. فطالما أنّ سيخ الشاورما عمل مربح، اكتشفنا وخلال أشهر انقلاب أغلب محلات هذه المنطقة إلي بائعي شاورما. مع أنّ العملية الدرامية اعقد من ذلك بكثير، وتحتاج إلي توظيفات إنتاجية ضخمة، وليس إلي رأسمال صغير طامع بدورة إنتاج سريعة. من الملاحظات الأخيرة علي الموسم الدرامي الرمضاني الأخير، غياب الأعمال التاريخية ذات الكلفة الإنتاجية الكبيرة، وكذلك غياب اللوحات الكوميدية السريعة التي تمّ استهلاكها خلال السنوات الأخيرة، خاصة وأنّ هذه الأعمال الانتقادية لا يمكن أن تترعرع إلا في أجواء من الحريات والديمقراطية، وهذه أحد أسباب فشل التجربة اليتيمة التي أنتجها التلفزيون السوري هذا العام. كما لوحظ بهذا الصدد تراجع سقف الحرّيات فيما يخص الكثير من المسلسلات التي أخذت الموافقة المبدئية، فمسلسل رسائل الحب والحرب لباسل الخطيب تعرّض لتوقف أثناء التصوير بسبب الاعتراض علي شخصية ضابط الأمن، وجري حذف بعض المشاهد ليتم تمريره، ولم يكن حظ ممرات ضيقة للمخرج محمد شيخ نجيب أفضل حالاً أثناء التصوير، لكنه منع بعد التصوير نهائياً. إذ يتحدث عن سجن النساء في سوريا، ويعتقد كاتبه فؤاد حميره أنّ عمله السابق غزلان في غابة الذئاب كان أجرأ في التصدي للكثير من المسائل، إلا أنهم شاؤا محاسبته هذا العام ولو متأخرين، فمنع له مسلسل آخر هو الحصرم الشامي عن يوميات دمشق للبديري الحلاق، وهو من إخراج سيف الدين السبيعي وإنتاج قناة أوربت التي تفردت بعرضه، بينما امتنع التلفزيون السوري عن ذلك! والملفت للانتباه حقاً منع الحصرم الشامي الذي يقدم صورة أكثر مصداقية لدمشق من خلال يوميات البديري الحلاق التي اعتبرت حتي تاريخه من أهم المراجع في هذا الصدد، فيما حظيّ مسلسل باب الحارة في جزئه الثاني للمخرج بسام الملا بأكبر فرصة مشاهدة محلية وعربية، وأكبر تكريم رسمي وديني، مع أنّ الصورة التي قدمها لمدينة دمشق تخلوا من المصداقية، وتثير العديد من علامات الاستفهام، حول الرسالة الأخلاقية والقيم الفكرية والاجتماعية التي يرّوج لها هذا العمل، والأخطر من كل ذلك مقولته التي تتحدّث عن حارة مغلقة علي ذاتها بكل الفضائل، فيما لا يأتيها الشر والباطل إلا من الآخر، الغريب، القادم من الحارات الأخري، وهي مقولة تنسجم مع الحس الشعبي الذي يتوجس من الآخر، ويعيش نوستالجيا الحنين إلي زمن ٍ ماضٍ بكل دلالاته وصفائه الأيديولوجي، خاصة وأنه يكتشف في شخصية زعيم الحارة نموذج البطل القومي ـ المستبد العادل ـ الذي يؤمن الحماية له وللحارة من الغرباء والآخرين الذين يتربصون بهم شراً. النجاح الجماهيري لهذا العمل شكل مؤشراً علي سويّة التلقي، خاصة وأنه جاء في المرتبة الأولي باستطلاع صحيفة الثورة وبنسبة تصويت بلغت (86,4 %) من المصوتين، فيما حلّ في المرتبة الثانية عمل يتمتع بسوية فنية ارفع علي صعيد الإخراج والمقولة، لكنه لم يحصد إلا (9,51 %) من المصوتين، وحلّ مسلسل وصمة عار في المرتبة الثالثة بنسبة تصويت بلغت (4,39%)، بل إنّ المشاهد السوري صوّت لأول مرّة لأبطال باب الحارة كأفضل ممثلين في الدورة الرمضانية الأخيرة، كما حصلت قناة (mbc) علي نسبة متابعة في سوريا توازي نسبة متابعة الجمهور للفضائية السورية، وهو ما دفع تلك القناة لتوقيع عقد إنتاج الجزء الثالث من باب الحارة ، قبل أن تنتهي من عرض جزئه الثاني، خاصة وأنه حقق لهذه القناة كشركة منتجة (15) ضعفاً من الأرباح قياساً بالتكلفة الإنتاجية كما صرّح الممثل عباس النوري أبو عصام بطل الحارة المغلقة. مع أنّ هذا النجاح الذي حققه مسلسل باب الحارة يُهدد مستقبل الدراما السورية، وتطور الوعي السياسي في سوريا، إذ يُخشي من تحولنا إلي مُجرّد حارات مكتفية بذاتها أيديولوجياً وأخلاقياً، وهو التبرير الوحيد للصراعات التي تدور رحاها في العراق الآن، ونخشي تجددها في مساحة الوطن العربي لاحقاً. المصدر: القدس العربي
|
|||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|