|
بعد سنة...
أو آلاف السنين
لا زلت هنا أكتب على الورق ...
بغضب أخيل أكتب، وسيف الوليد..
كل ما بقي لي الآن حفنة من الذكريات وقصاصات رسائل ممزقة
لا أعرف حقاً متى سنتعلم لغتي سويةً،
كيف لكِ أن تفهمي رسائلي الممزقة بلغة أجنبية؟
أنا أتكلم لغة الشياطين الملعونة
لغة أبي جهلٍ..
ويهوذا...
وفرعون...
وهم ملائكة.. يحبون الخير والجمال
اعتقدوا أني أكرههم...
ربما لأنهم ضاعوا بين استعاراتي...
وأشباه الشياطين، وأنصاف الملائكة...
سأترجم ما كتبت مرات عديدة
علك تبصرين ظلي في لحظة
و تفهمين لم ألقوا بي بعيدا في سلال خيبتهم وفشلهم
وعدتك أن أحررك.. بعيداً أو قريباً
لكني وقعت أسيراً...
وأنا لم أعش قبل أن تلامس عيناك صورتي
قبل أن يغني الناي
قبل أن تعبق الابتسامات الأثير
لا زالت الأجنحة تضرب الأرض لتطير
القوارب ممتلئة بالسماء والبحر تنتظر أن تغادر
تصطاد الألوان ذاتها ... الشفاه ذاتها.
لا زالت خيوط الفجر تطير بالاتجاه ذاته
سأغير كل ما في هذا العالم...
ليفهم لغتي المتخلفة
ويكسر لك الأبواب...
ويطلق رجليك تدوسان على تخلف بعضهم
وحضارة بعضهم
وإنسانيتهم الكاذبة...
حقوق مريم.. سأسمي الإنسان مريم
وأسمي مريم ابنتي.. وأمي...
كذبوا هم وحقوقهم ...
اشتروا قفصاً اسمه الحرية لأراقبكِ
ثم مكثوا في الأقفاص يحدثوني عن متعة الطيران في أرضي
أطلقوا العقبان على طفلك،
وجدك، وزوجك...
ليحرروكِ
لم يدروا أنَّك أنتِ الحرية
لم يدروا أن عشتار حرة
زنوبيا حرة
بلقيس حرة
أنا طفلهن جميعاً...
في خيمة بدوية...
أو بيت من الطين والصلصال....
أو بناء عالٍ في أرض الحرية...
أحنو على أثدائهن كي أنام كل ليلة...
سأمزق ردائي وألبس عباءتكِ وثوبك..
ثم ألبسهم شعركِ، وأخنقهم به..
وأحبكِ...
قد أمزِّق هذه أيضاً... حتى أُكمل...
***
بكل هدوء مجنون
مزقتها كلها يا مريم...
أتيت من جديد يا مريم..
لأحضن رأسك بين ذراعي...بهدوء..
وأرفع رأسك عالياً..
بهدوء غريب...
يملأ الاضطراب كلماتي فتسقط بين رجليكِ...
بهدوء أتيت بروحي على كفي...
قدمت جنوني إليك...
بين ذراعيك...
سنحرر أرواحنا
من نوافذهم سنطير..
ونبشر البشر بفجر جديد...
أنا وأنت فقط...
كم وددت لو أنك قبلت أن تكوني رسولتي..
نبيتي... وآلهتي...
هل تذكرين...؟
بلا عيون قدموا إلينا...
بلا شمس قدموا إلينا...
يطلبون الضوء.. ليلونوا نجومهم وسماءهم
سنبني بيتاً على النجوم
وراء الرياح، على حافة الكون...
قلوبنا تنبض بنغمات جديدة..
نغمات شاذة.. أسرع وأسرع
سأخلع جسدي عن روحي
علِّي ألمس بعضاً من طهرك...
وأصبح عارياً..
بلا جسد أو عقل...
وأقف أمامك...
مثلك...
أو أتشبه بك...
حتى تخجل الملائكة منكِ...
حتى يخجل الجنون منِّا...
أنتِ لون الريح يا مريم...
أنتِ لمسة من السكون، في عنف الظلام..
مسافات خيال..
وشذى زمن....
أنتِ من سأمزق كل أوراقي لأجلها... وأبحث عنها...
أنتِ من سأكتب لأجلها... مرة تلو الأخرى...
***
لو أني أملك أثواب الجنة يا مريم لرسمتها لكِ ...
بالضوء والفضة..
وملأتها نهاراً أبيض
وليلاً أسود...
وفجراً أزرق...
ورميتها تحت قدميك...
لكني فقير يا مريم...
لا أملك ما يكفي لأشتري ثياب الجنة...
وهم طردوني منها...
قالوا أني لا أملك ما يكفي لأشتري هدية لحبيبتي...
لم تكن الجنة وطني أبداً...
لا مكان لي فيها...
أخذ الفلاسفة كل الأمكنة...
والمنظِّرون... والثوَّار...
وأسياد الحرية.. والتقوى.. والوطنية...
أخذوا كل الأمكنة... في الجنة..
رموني بلا وطن يطعمني...
وبقيت أنا الثرثار بلا رداء يحميني...
أو بيت يسكنني...
أو حبيبة تقبل رأسي الضائع بين بغداد والأندلس... والأطلس
والأطفال السود...
حبيبة تقبلني عند البرد، وتأتي بكل الدفء..
طردوني من مجالسهم، وذكرياتهم، وتاريخهم...
طردوني من دكاكين الحلوى...
من حارات مدينتي، وعيون الأطفال، لأني ثرثار...
لا أسكت...
أنا فقير يا مريم..
أملك بعض الأحلام وبعض النجوم ...
وبعض الأوراق الممزقة...لأمدَّها تحت قدميك...
فإذا ما وطئتِ ردائي..
أرجوكِ ...
رفقاً بأحلامي، ونجومي... وأوراقي...
لأنها كل ما أملك لأكتب بها...
***
بعد أيام... أو لحظات.. أحرقت كل أوراقي...
مزقت كل رسائلي...
ومسحت بردائي خزيي ووحدتي، وجنوني...
لا تعودي يا مريم...
اليوم أنهي قصة... وألف قصة...
أنجبي أطفالاً عراة يا مريم...
لا يعرفون شكل البشر.. ولا شكل القيد في الأيدي...
خذيهم بعيدا عني.. بعيدا عما بقي مني...
مريمَ يا أم الحرية...
أنت ابنة السنونو...
والريح..
والشمال... والملائكة...
أنا لم اعد أؤمن بآلهة، أو كتب.... أو طيور...
كفرت بهم جميعاً،
والكافر ميِّت... لا حياة له...
لا تعودي باكية... تشكين رجلاً أو مجنوناً...
لن تجدينَ باباً، أو سريرا دافئاً...
بل عودي إليّ عند شاهدتي...أو صليبي...
بردائك وأوراقك.. ورجليك العاريتين...
وأطفالك، وخصلات شعرك...
ارسمي وجهي من جديد، في عيونهم...
أخبريهم كم كنا أحراراً...
اكتبي على هوياتهم (أحرار)...
أحرارٌ من بعض بؤسٍ.. وبعض الألمٍ..
وكل الجسد...
سأحلق مع خيوط الفجر الجديدة... ورماد النار..
في كل الأطراف.. في كل بضعة منكِ...وأنشد وجهك...
مزقي رسالتي يا مريم... فأنا لا أقوى عليها...
الرسغ ميت، والقلب ينبض بعيداً...
ستسمعين صوتي في الليل...
عندما يحتل وجهك كل البشر...
وينتهي الشتاء من هذا العالم...
عندما أملك كل الأحلام...وكل النجمات...
وكل الأوراق... وأمزقها... واحدة تلو الأخرى...
محمد نورالله
|