|
لحظة فكر يتيم علي حدّ الوجود والعدم |
|
|
|
هلوسات -
مختارات متنوعة
|
|
31 كانون الأول 2007 الساعة 15:37 |
|
مطاع صفدي - القدس العربي
إذا لم تكن النهضة قد حققت انتصارات سياسية أو حضارية كبري، يمكن أن تستخدمها كبراهين مشخصة علي صلاحتها الإنسانية، ودقة توقيتها التاريخاني، بما يؤكدها أنها آتية حقاً في اللحظة الواعدة بالتحولات المفصلية التي لا رجعة فيها إلي ما قبل عصرها، إلا أنه يمكن القول مع ذلك إنه إذا لم تكن الإيجابيات هي الدالة عليها، فإن الهزائم والسلبيات المتراكمة حولها قد توحي بفجيعة فقدانها. كأنما معاناة الافتقاد قد تثبت ضرورة الانوجاد. فالنهضويون المحبطون الذين فاتهم التوقيت التاريخاني، لا يزالون يعيشون علي الأقل عصر ما قبل الكارثة النهائية؛ الذي هو عصر تدمير المفاهيم الجامعة التي ليس ثمة نهضة من دونها. لم يعودوا هم من عداد فعلاء النهضة، لكنهم أمسوا من عداد الشهود علي قتلها، والشهود ليسوا دائماً علي مسافةٍ من مسرح الجريمة، بل هم شركاء حياديون علي صيرورتها. قد يعتذرون بأنهم لم يختاروا هذه الحيادية، بل فرضت عليهم. ومع ذلك قد يقرون أنهم ليسوا أبرياء تماماً مما يُفعل في صميم المشهد الكارثي، وإن باتوا من سكان هوامشه، بعد أن كانوا من مخططي أشكاله وألوانه. قد يدافعون عن أنفسهم بكونهم هم الرواد، والصانعون لمفاتيح الأبواب المغلقة، والمكتشفون الأوائل لكنوز الأغوار المعتمة. لكن مكتشف الكنز ليس هو دائماً المستولي عليه. وإن تحقق الاستيلاء، فلن ينجو من الاختطاف. وهنا ينبثق السؤال المأساوي: لماذا حدث الاختطاف وكيف.. يبقي الاستفهام إذن. ليس استفهام الحطام كاشفاً عطب البناء دائماً. فإذا كان البناء انهدم، وشبعَ انهداماً، أي تحققت استحالة إحيائه، فقد يتحول الاستفهام إلي إرادة البناء. فهل يصيبها العطب هي أيضاً استلحاقاً لأعطال انتاجاتها السابقة أو الماثلة ملء المشهد النهضوي المحتضر. الاستفهام يتناول عادةً موضوعاً محدداً. وفي مجال التاريخ السياسي يسعي الباحث إلي تقديم سرده للأحداث بصورةٍ متسلسلةٍ عن بعضها. ما يوحي للمستطلع أن الجواب عن سؤال الواقعة المطلوبة إنما يكمن في الواقعة التي تسبقها. لكن عند النقلة إلي فلسفة التاريخ فإن الاستفهام يتناول الشبكية العامة للوقائع. فإذا كانت الأحداث تفسر بعضها، لكن ما هو التفسير الذي يشملها جميعها. هناك ارتقاء بالنظرة علي الأقل، من مستوي تفاصيل المشهد التاريخي إلي إطاره الذي بقدر ما يحتوي المشهدَ فإنه يتجاوزه إلي ما ليس تبرزه وقائعُه. فالبعض من فلاسفة التاريخ يسمي حركة هذا التجاوز بالبحث عن المعني. وإذا كان من الصعب تشكيل رأي عام أو جماعي حول المعني المقترح، فإن الفلسفة تقدم منهج التأويل. إذ يتحرر التأويل من شرط عمومية المعني أو واحديته، معترفاً بدور المخيلة لدي الباحث. فالتأويل يدخل عمل (الذات) إلي صلب الموضوع. لا يعود الباحث مجرد مرآة عاكسةٍ لملامح الصورة الواقعية. بل تأتي الصورة الأخري، الموصوفة بالذهنية، لتضاعف من معطيات الواقع بمعطيات الواقع الآخر غير المنظور. وهو الجهد الخاص الذي تبذله الذات العارفة من أجل أن تستكمل مقدمة المشهد الممسرح بخلفيته، التي قد لا يكون لها ما يمثلها أو يشخّصها كقرائن شفافة موازية للممثلين وحركاتهم. فهي قرائن لا وجود لها أصلاً، لأنها تظل من مشتقات المعني، وإن لم تكن محدودةً بدلالته الحسية المباشرة وحدها. حين الحديث عن النهضة فإن السرد التاريخي لوقائعها لا يعود كافياً لاستحضارها علي مستوي التشخيص أو إعادة لملمة التفاصيل. فليست النهضة كأقنوم تاريخاني ثقافوياً سابقةً علي إنتاجها. حتي تاريخها الوقائعي ليس من إنتاجها. فالنهضة ليست كائناً معزولاً هكذا ما فوق الحدث. فهي بالأحري ليست سوي إسم من أسماء التأويل عينه، وإن كانت لها هيبتها المتميزة كمصطلح تداولي قابل للأدلجة أكثر من سواه من تلك الأسماء. ودون الإمعان أكثر في الإشكالات الفلسفية التي يثيرها تلفظ النهضة كأنه أحياناً إسم سحري أو ميتافيزيقي أو من فصيلة الآمر الغيبي؛ كنْ فيكون، فإنه من المستحسن في مجالنا الراهن، مقاربة النهضة كمصطلح إجرائي يتمتع بخصوبة تأويلية معينة، شرط ألا تتعدي حدودها النسبية دائماً. فما أن يرتبط اسم النهضة بلحظةٍ تاريخية لأمةٍ أو حضارةٍ حتي تصير لها خصوصيتها. لكن هذه الخصوصية لن تُذهب عن النهضة حمولتَها الفكرية من المعايير المستقلة عن الموضوعات التي تٌطبّق عليها؛ وأهم هذه المعايير يتمثل في قدرة المرحلة التاريخية المدروسة علي التحرر من نظام الأنظمة المعرفية السائدة في المرحلة السابقة، وإحلال بديل آخر عنها، بما يشبه القطيعة معها. وقد تختلف الآراء الفلسفية عن ماهية هذه الحقبة، وما تعنيه القطيعة المعرفية، لكنها تتفق مع شائعتها اللفظية المتداولَة عنها تحت عبارة: اختلاف العقلية أو الذهنية. هذا الاختلاف الذي لا يحدث بين يومٍ وليلة، وإنما يحتاج إلي التورط فيما يُدعي بالمرحلة الانتقالية العابقة بصراعات التحول من كل نوع، وعلي كل مستوي من حياة الفرد والجماعة. وقد لا تكون السياسةٌ، المجالَ الأكثر تشخيصاً وبروزاً في هذه الجدلية البنيوية الشاملة لمجمل الكيان المعنوي والمادي للمجتمع، ولكنها هي المطلوب منها مسرحة النهضة كحدث، إذ يبدو الفعل السياسي حاسماً في ولادة هذا الحدث أو في إعاقته. والإشكالية العربية كتبت عناوينها التاريخية عبر هذا التمفصل اليومي بين كون العصر نهضوياً في ذاته وبين كونه معاقاً سياسياً. هذه الإعاقة المستديمة التي أخذت شكل الانهيارات الكبري المتوالية للأدلجات الشمولية، من قوموية أو يساروية أو إسلاموية، فكأنها كانت تأتي كبراهين مادية مشخصة علي عجز النهضة أو عقمها الأنطولوجي، التي حاولت كل واحدةٍ من هذه الاحتيازَ عليها وادعاء تمثيلها حصراً بها فقط. في حين يمكن القول إن هذه الأدلجات كانت بمثابة التمارين الفاشلة لنهضةٍ لا تزال باحثة عن مسارات تحققها العياني. لكنه بحثٌ، مثلما هو يفتقد طريقه إلي تغيير الواقع العياني لحياة الناس، فإنه بات مضطراً كذلك إلي تحمل أعباء تمارينه السياسوية تلك، من حيث إنه لن يظل بريئاً تماماً من عقابيل هذه الأدلجات المحبطة المدعية لأسمائه وشعاراته، وإن كان اسمه الحقيقي مغيّباً أو غائباً وراء كل ما يُفعل في عتباته. فإلي أي حد أمكن للنهضوي أن يتنزَّه حقاً، ليس أخلاقياً فحسب بل أنطولوجياً كذلك، عن وعثاء مستنقعات الفشل والانهزام التي يخوضها فرسانه الرافعو لألويته عينها، بإرادته أو بدونها. هل صار التاريخ الذاتي للأمم في هذا العصر متآلفاً مع عادات الكذب علي ذاكرته مخادعاً لنفسه عن رؤية ارتكاباته، متنكراً لوجهه الآخر الموصوف بالتاريخ الموضوعي؛ في حين أنه هو المتورط في حَدَثانه، بحيث لن تكون هناك منجاة، في المحصلة الأخيرة، من الاعتراف بالمسؤولية التي لا تفصل بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي علي أرض الواقع المعيش. فهنا ليس ثمة إلا تاريخ واحد متكافل متضامن بين وقائعه ودلالاته، حتي وإن لم يعترف السرد المتداول إلا بإحداهما علي حساب الأخري، أي مرة بالوقائع وحدها، أو بالدلالات وحدها. الشاعر العربي الجاهلي كان لا يبدأ ملحمته إلا في الوقوف علي الأطلال. لم يكن ذلك مجرد تقليد أدبي أو بلاغي. هنالك دائماً أطلال شاخصة تفترض البداية الإبداعية انطلاقاً منها، أي من النهاية. وليس ذلك مجرد اعتقاد بالمآل العدمي لكل شيء. بل هو التذكير بأن الوجود لا يكون إلا تحت طائلة العدم. فلا مناص للنهضوي الحدثوي من أن يجيء بالعدمي معه، أو بالانحطاطي الذي عليه أن يكافحه. فالأطلال قائمة كمدخل أنطولوجي للقصيد الملحمي الجاهلي. إنه لا يحيي ذاكرةً منقضيةً، بل راهنةً مشاركةً في سيطرة الحاضر علي أبنائه. فمن دون ذاكرة الانحطاطي ليس ثمة (إعادة تأسيس في المختلف). هذا مع التنبيه إلي أن هزيمة النهضوي لا تعني التقهقر إلي الانحطاط الماضوي، بل هو النهضوي الذي يتردَّي في ذاته، منتجاً انحطاطه (العصري) الخاص. وهو الانحطاط الأكثر تعقيداً، والأشد كثافةً في ظلمته الملتبسة بالمرآوية اللماعة الخادعة، الساطعة بالأضواء الكاذبة، السالبة لأوجه البشر والأشياء وشخصياتها الحضارية مختصرَةً مختزلَةً عبر انعكاسها علي شاشة تلفزةٍ عملاقة مفردة، تحشد أصقاع المعمورة وبشرها في جغرافية من الصور الخاطفة المخطوفة. كل الجهد العولمي منصبٌّ علي سلب وانسلاب الأمم من ذاكراتها الحضارية. فلا يصير إيقاع النهوض/ الانحطاط لأي حضورٍ يخص أمة من الأمم، إلا عَرَضاً مُسرِّعاً مسطّعاً في جدلية أشمل، أممية منزوعة الأسماء والعناوين، بلا أمم، كانت، أو أنها تكون اليوم، أو ستكون غداً. إنها المدنية المصحّرة من أفعال الكون والتكوين، مقابل استبدادية أفعال المُلْك والتملّك. كأنما يصير مغزي التحرر الراهن لإنسان العصر، هو في القدرة الخارقة، أو الإبداع الأنطولوجي النادر لأية حضارة، في إعادة انتزاعها لخصوصية إيقاعها بين ثنائية النهوض والتردي، من قبضة هذه العمومية الجرداء الناشطة في تصحير المعمورة من عمرانها الإنساني، وتسليمها إلي أسوأ إنتاجاتها التاريخانية من صنف الوحشية المطلقة، وقد تجسدت في ترميزية (الإمبراطورية) المحتكرة، والمرفوعة علي كاهل أمركةٍ مجنونة بادعاء القوة الأقوي القادرة علي كل شيء، علي تهديد الأمن العالمي، وحرمان تاريخ الإنسانية من بلوغ نهايته (السعيدة) واقتطاف ثمرته الأعظم والأغلي، المتمثلة في تفوق إيقاع براءة الصيرورة أخيراً علي جدليةٍ عقيمة، مبتلاة في مختلف تحقيباتها المعرفية والمصيرية الكبري، بنهضةٍ مستحيلةٍ لا تكون من دون قرينها الشرس، ذلك الانحطاط ـ الغيبي ولكن المادي إلي أقصي حد ـ العائد دائماً في كل دورة من دورات المدنية المفقودة الموجودة، فيما هو أشبه بحصاد الحرث في العدم. من حضارةٍ إلى أخرى.
|