|
|
مختارات متنوعة
إفتقار المطلب الديموقراطي عندنا لقوى تتبنى الديموقراطية | إفتقار المطلب الديموقراطي عندنا لقوى تتبنى الديموقراطية |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 12 كانون الثاني 2008 الساعة 20:48 | ||
|
صالح بشير - الحياة
شروط الانتساب إلى الديموقراطية، زعمها أو ادعائها، متدنية عندنا للغاية متساهِلة، لا تكلف الطامح في الاتصاف بتلك الصفة، الراغب في حيازتها، غير القليل اليسير: التفوه بما يفيد ذلك، إعلانا ذاتيا لا يحتكم إلى معايير «موضوعية» أو إلى مقاييس متعارف عليها، ومعاداة أو معارضة نظام استبدادي أو يوصم بتلك الوصمة. هذا كل ما في الأمر، أو هذا كل المطلوب ليتحول شخص، حزب، قوة سياسية، طائفة، عشيرة، عندنا، إلى «الديموقراطية»، لتنضوي في عدادها وتلتحق بـ»معسكر» (لكم تتنافى كلمة «معسكر» هذه مع ما يُفترض أنه روح الديموقراطية ومثلها الأعلى) المنافحين عنها ورافعي لوائها. وهكذا، تصدى للذود عن «الديموقراطية» في بلداننا إسلاميون لم يُعرف عنهم كبير ولع بها، يسومونها، في خطاب واحد، بل في نَفَس واحد أحيانا، هجاءً مقذعا بوصفها بعض عدة الهيمنة التي جاء بها ذلك الغرب المرذول، ويرفعونها مشيدين بفضائلها في وجه أنظمة يناصبونها العداء. كما يتمسح بها بعثيون لم يبارحوا بعثيتهم قيد أنملة، وناصريون يقيمون، في ما عدا ذلك، على تعاليم قائدهم، يتغنون بإنجازات نظامه، بحذافيرها ودون أن ينبذوا منها شيئا، وماركسيون لم يهتموا يوما بالإرث الفلسفي للماركسية ولكنهم لا زالوا يضعون «تطبيقاتها» الستالينية في بؤبؤ العين، صونا ووفاءً، فلا يتورعون، جراء ذلك، عن الوقوع في حالات كاريكاتورية مزرية (... لو كان في حياتنا السياسية والفكرية متسع لتطلب ولصرامة أخلاقية) شأن ذلك الحزب في بلد مغاربي، يتصدر النضال من أجل الديموقراطية على الصعيد المحلي مع أنه لا ينفك يهتدي بتعاليم دكتاتور ألبانيا الراحل، الرفيق أنور خوجة، لا يحيد عنها، ما ينم، والحق يُقال، عن عبقرية لدى الحزب المذكور، مكنته من اجتراح ما يشبه المستحيل: جعل الرثاثة مراتب، والإقبال، اعتناقا وإيمانا، على أنكى مراتبها. ليس المثال أعلاه غير غيض من فيض، من تجلياته مثلا، أن «ديموقراطيين» كثرا، في بلدان منطقتنا مشرقا ومغربا، لا يجدون غضاضة ولا يرون تناقضا، في إبداء أقصى التبجيل والتمجيد لشخص ديكتاتور العراق السابق صدام حسين ولحكمه، وهو من هو في مضمار الديموقراطية، سيروا التظاهرات الداعمة له، ولا يزالون يحنون إليه ويمحضونه صفات البطولة، مع أنهم في بلدانهم، يواجهون مستبدين، معظمهم، إن قيس بالبطل المذكور، بدا أقرب إلى ملائكة الرحمة. صحيح أن الأنظمة القائمة، تلك التي تزعم حداثة على الأقل، لا تقل استهتارا بالديموقراطية عن معارضاتها تلك، تتبناها قولا وتنتهكها فعلا في كل حين، لكن هنالك فارقا بين الطرفين، والفارق ذاك لا يُستهان به، يتمثل في أن دعاوى الأنظمة القائمة في ذلك الصدد الديموقراطي لا تحظى بالمصداقية يتعذر عليها نيلها، وذلك ليس حال معارضاتها، التي قد يسبغ عليها تعرضها للقمع والملاحقة وتموضعها في موقع المناكف المطالب حيال سلطات غاشمة في الغالب الأعم، ضربا من المصداقية أو على الأقل ضربا من افتراض حسن النية الذي لم تختبرْه الوقائع. هذا ناهيك عن أن الطرف الأول (الأنظمة الحاكمة)، لضلوعها في السلطة وتوليها لها، وهي سلطة عضوض دوما، تدحض مزاعمها الديموقراطية على نحو فوري، مباشر سافر باد للعيان، في حين أنه كثيرا ما يتعين البحث عن الكوامن الاستبدادية، من أجل استجلائها، لدى الحركات المعارضة، على اختلاف مشاربها ومع اعتبارات التمايزات بينها طبعا. يبقى، في كل الحالات، أن لبسا أساسيا يلازم المطلب الديموقراطي عندما يهدد بإبطاله، حتى كمجرد مطلب (ناهيك عن احتمالات إنجازه أمرا واقعا)، خصوصا لدى من يزعمون رفعه. واللبس ذاك أوجه أو عوامل متعددة، لعل أبرزها أن المطلب الديموقراطي ذاك تم إدراجه على سبيل الإضافة، ولم يكن نتاج تحول حقيقي ومراجعة شاملة. تمت استعارته، على نحو ذرائعي، لأنه أضحى مفردة مفتاحا في الخطاب الكوني، واستطرادا من باب إحراج الأنظمة القائمة والتمايز عنها، من قبل معارضين، لم ينفكوا، في ما عدا ذلك، عن الخلفيات الإيديولوجية، وهي في عمومها توتاليتارية أو تسلطية على الأقل في جوهرها، التي درجوا عليها وتربوا، فبقيت ماثلة ناجزة، إن لم يكن كمنظومات إيمانية فكسلوك مكتسب ترسخ حتى أضحى طبيعة ثانية أو كردود فعل من قبيل بافلوفي، وذلك دون مساءلتها (ناهيك عن تجاوزها) في أسسها الفكرية، إن كانت لها من أسس فكرية يعتدّ بها، وفي المكوّنات التي تشكلها كنظرة للعالم، أو للشأن العام وسبل الفعل فيه. هناك جذر استبدادي ظل قائما في حياتنا العامة، وإن وفق صيغ ومقاربات شتى، قاسما مشتركا ومرجعية ضمنية موحّدة، يجمع بين الأنظمة والمعارضات التي تزعم مواجهتها، كما بين المعارضات في ما بينها، حتى أن «علمانيين» كثراً لا يغبطون الحركات الإسلامية إلا على «جماهيريتها»، أي على بعض ملامح ما قد يكون «فاشيتها». وهكذا، يكاد المطلب الديموقراطي عندنا يفتقر إلى ما قد يكون شرطه الوحيد، أي بروز قوى تتبنى الديموقراطية كرؤية وكثقافة، أسوة بما حصل في مناطق أخرى من العالم، أوروبا الشرقية السوفياتية سابقا، التي كثيرا ما تحولت حتى أحزابها الشيوعية التي كانت حاكمة إلى الديموقراطية، إثر مراجعة عميقة، لم تقتصر على إضافة المطلب الديموقراطي، على نحو ذرائعي، إلى موروثها العقائدي الجامد، بل نبذت هذا الأخير، وذلك أيضا ما فعلته أحزاب أخرى في بعض البلدان الغربية، التي اعتبرت مثل ذلك التحول شرط انخراطها في النصاب الديموقراطي، شأن الحزب الشيوعي الإيطالي الذي أضحى حزبا اشتراكيا ديموقراطيا عاديا، أو نظير له يميني هو حزب «التحالف الوطني»، الذي كان تنظيما فاشيا موسولينيا صغيرا مهمشا، وأضحى حزبا يمينيا عاديا من أحزاب الحكم. ومثل ذلك التحول هو ما أفلح في تحقيقه حزب متأت من نسق إيديولوجي وثقافي مغاير تماما، هو حزب «العدالة والتنمية» التركي، ما من شأنه أن يدحض أي ادعاء خصوصي. وهناك عامل آخر، هو عجزنا المقيم عن الفصل بين طلب الديموقراطية والتصدي للهيمنة الأميركية وتلك الغربية على نحو أعم. لا يعود العجز ذاك إلى أننا نماهي، ضرورة، بين الغرب والديموقراطية، ما دام كثيرا ما يحصل أن يرفع شعار الديموقراطية بعض أكثر الأطراف عداءً للغرب. كل ما في الأمر أننا نحلّ ذلك العداء أولوية مطلقة، تجعل التضحية بالمطلب الديموقراطي أول ما نبادر به على مذبحه ما إن تجدّ مواجهة مصيرية، وما أكثر مواجهاتنا المصيرية، فنسلس قيادنا لمن كان مثل صدام حسين أو أسامة بن لادن أو سواهما من «المجاهدين» أو «الممانعين» لمجرد أنهم انتدبوا أنفسهم للنهوض بتلك المهمة، وقد اختُصرت في بعدها القتالي الصرف، أو زعموا ذلك. ولأن ذلك كذلك، كما كان يقول القدامى، أخفقنا في الجمع بين مواجهة الهيمنة الأميركية، وهذا أمر مشروع لا جدال في مشروعيته، وبين طلب الديموقراطية، علما بأن من التجارب الراهنة والمعاصرة ما يدل على إمكانية ذلك وعلى جدواه، شأن ما فعلت أحزاب اليسار في أميركا اللاتينية (وهي ما هي إخضاعا تاريخيا، بلغ مبلغ الإجرام، من قبل واشنطن) التي تمكنت من أن تدعم الديموقراطية ومن أن تتصدى للنفوذ الأميركي، فحققت في ذلك ما لم تحققه حركاتها الثورية والمسلحة في العقود الماضية، ناهيك، بطبيعة الحال، عن مجاهدينا. ربما كان في الخلفية كل ذلك، ذواء فكرة التقدم، تلك ما عادت لنا هاجسا كما كان شأنها لدى أسلافنا من عصر النهضة إلى حركات التحرر.
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|