ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow بوش يبيع العرب كلاماً
بوش يبيع العرب كلاماً Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
14 كانون الثاني 2008 الساعة 21:29
عبد الوهاب بدرخان - الراية القطرية

حتي توني بلير لم يستطع أن يخفي حذره في التفاؤل بإمكان التوصل الي اتفاق تسوية بين الفلسطينيين والاسرائيليين خلال هذه السنة، أما جورج بوش فلعله، مع ابدائه ثقة بقيام دولة فلسطينية قبل انتهاء ولايته، نسف الآمال التي علقت علي زيارته للمنطقة.

فهو انتهزها لتجديد التعهدات التي كان قدمها لآرييل شارون في وثيقة نيسان ابريل 2004، وأهمها: تجاهل حق العودة، الاعتراف بالمستوطنات القائمة، الاقرار بتعديلات علي حدود 1967، تأكيد الهوية اليهودية لدولة اسرائيل، مع الاصرار طبعاً علي أن أمن اسرائيل يعني عدم مقاومة الاحتلال.

وهكذا ففي الوقت الذي كان يفترض أن تبث جولة بوش روحاً جديدة في عملية السلام، اذا به يحمل هدية الي المتطرفين لم يكونوا يتوقعونها، هدية الي القاعدة وفروعها ورعاتها والمعجبين بها. وفي الوقت الذي كان مؤملاً أن يأتي الرئيس الامريكي بطروحات مدروسة ومتوازنة، إذا به يتبني شروط اسرائيل والخطوط الحمر التي وضعتها لأي تسوية وأي سلام.

وبمقدار ما جهد بوش لتسليط الأضواء علي حل الدولتين ، بمقدار ما أفرغه من أي محتوي قانوني أو حقوقي، خصوصاً انه دعا الفلسطينيين الي نسيان قرارات الشرعية الدولية طالما انها لم تساعدهم في السابق ولا مجال لأن تساعدهم في المستقبل.

انطلاقاً من ذلك، لابد أن تكون البداية باعتبار القرار 194 كأنه لم يوجد اطلاقاً. ما يعني أن أي سلام، اذا وجد، سيكون فتات الوطن الأمريكي والاسرائيلي، وليس إحقاقاً لأي حق مشروع للشعب الفلسطيني. أما الدولة الموعودة فعلا انها ترسم لتكون تحت رحمة اسرائيل، سيكون ثمنها وعمادها الدائم استمرار الانقسام الفلسطيني واستمرار التزام فريق فلسطيني هو السلطة مكافحة الارهاب الذي بمثله فريق آخر هو حماس واخواتها. ومنذ الآن يراد تركيب هذه الدولة أو الدويلات أو بالأحري البانتوستانات، علي أساس عنصري ومفهوم ديني.

لم يقل بوش ان الدولة الاسرائيلية ستكون موطن الاسرائيليين كما الدولة الفلسطينية موطن الفلسطينيين، وانما قال أن اسرائيل ستكون دولة لليهود، وهو يعني طبعاً أن الدولة الأخري ستكون للمسلمين.

تذكر دبليو بل تاق كثيراً للصلاة في كنيسة المهد إلا انه نسي المسيحيين، ولم يفطن الي أن الشروط التي طرحها ستضر أكبر الضرر بالمسيحيين الذين يشعرون اليوم بأن مفهومه ل الدولتين ينطوي بدعوة مفتوحة اليهم للهجرة. أكثر من ذلك، ستعني يهودية الدولة بالنسبة الي الاسرائيليين أن مواطنيهم العرب أصبحوا في مهب الريح.

ويمكن التصرف بمصيرهم بلا أي اعتبار لأي حقوق، كأن تنزع مواطنيتهم وربما تركهم يعيشون في اسرائيل كمقيمين غرباء، واذا اقتضت المصلحة يمكن أن يطردوا أو ينفوا الي الدولة الفلسطينية.

هذا ما فعله نظام البيض العنصري في جنوب أفريقيا عندما حكم علي المواطنين السود بأن يعيشوا في البانتوستانات مع فارق أن اتفاقاً مع الفلسطينيين، سيتمتع ب شرعية دولية اذا وجد، سيتيح لإسرائيل أن تقدم علي عمليات طرد جماعي من دون أن يحاسبها أي قانون دولي.

سجل كثيرون أن الرئيس الامريكي تحدث عن الاحتلال الاسرائيلي لفظ كلمة الاحتلال ربما للمرة الأولي، لكن من دون أن يعني ذلك أن تغييراً جذرياً طرأ علي السياسة الأمريكية. ولعل توازن الكلام هو الذي دفعه الي الاعتراف بأن الحال التي هو بصددها انما هي حال احتلال قالها لكي يبرر السموم الأخري التي سينفثها في أجواء المنطقة بشأن شروط التسوية. لابد أن الاسرائيليين أفهموه أن العرب والفلسطينيين يمكن شراؤهم بشيء من الكلام، فإذا سمّيت الاحتلال احتلالاً ستنال رضاءهم وارتياحهم، واذا قلت دولة وأصررت عليها سيشعرون بفرح عارم، واذا دعوت الي وقف الاستيطان فلعلهم سيقيمون لك تمثالاً تكريماً لجهدك في صنع السلام، وهكذا... أما الحقيقة فتكمن في ما ينجز في المفاوضات، والشروط أصبحت معروفة.

وحتي الشروط السيئة ستكون أكثر سوءاً عند الصياغة، وأكثر سوءاً أيضاً عند التطبيق، فالتلاعب بحق العودة لا يعني فقط غسل أيدي اسرائيل من الظلم التاريخي الذي وقع علي الفلسطينيين، بل أن اختزال هذا الحق ب آلية دولية للتعويضات يرمي الي تكريس حق العودة كنمط التفافي للتسوّل، ولا حقوق للمتسولين فكل ما يسمح لهم به هو الاكتفاء بما يرمي إليهم.

ولم العجب، ألم يحوّل التدمير الاسرائيلي المنهجي السلطة الفلسطينية الي مجرد هيئة متسوّلة تعيش علي ما تجود به الدول المانحة؟ في كل الأحوال كانت هناك تعويضات ستدفع، وحتي لو اعترف بحق العودة فقد كان معروفاً ومفهوماً أن غالبية أصحاب الحق لن يعودوا الي بيوتهم وبلدانهم، لكن جوهر الرفض الإسرائيلي - الامريكي لهذا الحق هو السعي الي التبرئة التامة والتاريخية من أي مسؤولية عن الظلم ومن جريمة اغتصاب الارض وسلبها. وهي مسؤولية سيكون ممكناً إسقاطها علي مجمل مناطق الاستيطان.

وأما الدولة الموعودة، التي قال بوش إنها ستكون قابلة للعيش ومتصلة جغرافياً وذات سيادة ومستقلة، فانه اختار هنا أيضا بيع الكلام للعرب والفلسطينيين مقابل وثيقة تعهدات قدمها لإسرائيل. فهذا الوصف ل الدولة كان يمكن أن يكون جدياً، لولا أن بوش أظهر ويظهر جهلاً وتجاهلاً للواقع.

فهو حتي في معارضته الشكلية لتوسيع الاستيطان، يعترف بأن المستوطنات الكبري القائمة لابد أن تبقي داخل اسرائيل. وبذلك فهي تقطع أوصال الدولة التي أكد ثقته بأنها ستقام قبل انتهاء ولايته، وليس للفلسطينيين سوي أن يرضخوا لحال مشابهة لبانتوستانات نظام الأبارتيد .

كان وجود بوش في اسرائيل فرصة مهمة - الأرجح أنه أضاعها - لتفعيل المفاوضات وتصحيح المفاهيم، لكن هذه الفرصة تحوّلت في أولها مناسبة لإبداء الإعجاب المتبادل بينه وبين إسرائيل وجاءت في نهايتها احتفالاً بالتماهي بين الاثنين. وفهم الفلسطينيون - والعرب - أن بوش فعلها وخدعهم ثانية. لم يكن متوقعاً منه أن يمارس ضغوطاً علي اسرائيل، لكنه حوّل الضغوط الي الجانب الاخر كي يقبل بالتسوية التي أصبح معروفاً انها ستكون هزيلة الي حد أن تكون هزلية.


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم