إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow هل يسع ديموقراطيينا تعليق مسألة السلطة السياسيّة؟
هل يسع ديموقراطيينا تعليق مسألة السلطة السياسيّة؟ Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
15 كانون الثاني 2008 الساعة 15:45
صالح بشير - الحياة

لا يتبدى التباس الأمور على ديموقراطيينا، بين إقامتهم على ثقافة سياسية، تظل في العمق متعلقة بإرث تسلطي، إيديولوجيا و/أو مسلكا وفهما للشأن العام ولسبل الفعل فيه، وبين دعوتهم إلى إحلال الديموقراطية وإبداء الحدب على مبادئها ونواميسها وأعرافها، كما يتبدى في علاقتهم بالأنظمة والسلطات القائمة.

بطبيعة الحال، قيل ويمكن أن يقال في الأنظمة القائمة في منطقتنا، كلها أو سوادها الأعظم، ما لم يقله مالك في الخمر. عيوبها، في صدد الإخلال بالديموقراطية والتنكر لها، بادية للعيان، بديهية تفقأ العين، بما يغني عن كل استزادة في التوصيف، فضحا وتشهيرا، لذلك، توجب التنويه بأنه لا يجب اعتبار الانكباب الناقد على دور «الديموقراطيين» (وفق سويتهم المعهودة عندنا أو وفق هذه «التسمية» المتجاوِزة) في إفشال المسعى الديموقراطي أو على الأقل في عدم تمكينه من أسباب الإنجاز، وإن على سبيل إرساء الأسس وتحديد الوسائل الموصلة إليه... لا يجب اعتباره بحال من الأحوال، تبرئة لتلك الأنظمة أو انتصارا لها.

«ديموقراطيونا»، الذين سبق أن قلنا بشأنهم، في غير هذا الحيز، إنهم تبنوا المطلب الديموقراطي شعارا، لأنه أضحى موضة العصر أو بدافع إحراج الأنظمة، تلفيقا لا يتجشمون عناء مواكبة المطلب ذاك بتحول حقيقي وعميق تصبح الديموقراطية لديهم، وبمقتضاه، ثقافة ونظرة متكاملة ومنسجمة للشأن العام، أي مع وفائهم للخلفيات التسلطية التي درجوا عليها، إسلاميين كانوا أم قوميين أو من فلول اليسار، ما يدفع إلى استسهال المقارنة بين طريقة الإقبال تلك على المطلب الديموقراطي وبين منحى تبنينا لسائر منتجات الحداثة الأخرى، خصوصا ما كان منها ماديا، تؤخذ أخذا ذرائعيا، استعماليا بحتا، بمعزل عن السياق الحداثي الذي جاءت منه، وبإصرار يكاد يكون نضاليا على إنكار ذلك السياق ونبذه... «ديموقراطيونا» أولئك، يقعون إذن، جرّاء اللبس الأصلي ذاك، في تناقض لا فكاك لهم منه: فهُم من ناحية، إذ يرفعون ذلك المطلب الديموقراطي، ويرومون إحلال التعددية، إنما ينشدون، التماسا يُرفع أو نضالا يُخاض، الاعتراف بهم طرفا في الحياة السياسية، وهو طلب يتقدمون به بداهة إلى السلطات القائمة، تلك التي تمتلك، أقله بقوة الأشياء، صلاحية محْضِ مثل ذلك الاعتراف أو حجبه، وهم من ناحية أخرى، وبفعل الإرث الإيديولوجي والسياسي الذي درجوا عليه، وهو كما قلنا تسلّطي وغير ديموقراطي في جوهره، مبرمجون على توخي القطيعة والصدام وجبّ ما هو قائم جبّا لا يبقي ولا يذر.

إنه التناقض بين رفع مطلب يُفترض أنه، أقله من حيث المنطق، إصلاحي تدرّجي، ينشد إرساء نصاب تعددي انطلاقا من مكونات التعدد القائمة فعلا، بما في ذلك السلطات القائمة وأحزابها، بتحويلها من واقع خام أو مقموع إلى واقع سياسي ناجز الوجود بصفته تلك، وبين أخذهم بثقافة سياسية، منتجة، ضرورة ولزاما نكاد نقول، لأحد احتماليْ نجاح: استبدال استبداد باستبداد أو استبدال استقرار استبدادي بفوضى وتفكك أهلييْن... وفي واقع المنطقة ما يوحي، بقوة، بأرجحية الاحتمالين ذينك.

لذلك، لا يمكن للعجز أو للامتناع (وهما في منطقتنا ولدى نخبنا وجهان لعملة واحدة في الغالب، يفضي أحدهما إلى الثاني دوريا) عن حسم ذلك التناقض إلا أن يؤدي إلى جعل مطلب الانتقال المنشود إلى الديموقراطية أمرا متعذرا، إن توفر حسن النية، طالما أنه لا يمكنك نيل الإقرار بالتعددية من أنظمة تدفعك ثقافتك السياسية إلى نزع كل مظهر أو مقوّم من مظاهر ومن مقوّمات الشرعية عنها، أو إلى التردي بذلك المطلب الديموقراطي إلى ما لا يعدو أن يكون حيلة أو مكيدة، مفادها توسل الآليات الديموقراطية إجرائيا من أجل الوصول إلى السلطة، ثم إبطالها فور تحقيق ذلك الغرض، على ما كان قد صرح به علنا ودون حرج بعض قادة «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الجزائرية.

لقائل أن يقول ما المانع في أن يكون المرء ديموقراطيا وثوريا، لا يقنع بالإصلاح سبيلا لإرساء الديموقراطية؟ نظريا لا مانع، وإن كان واقع الحال والتجربة التاريخية يدلان على أن السبل الأنجع لإحلال الديموقراطية إنما هي تلك التي تمثلت في توخي الإصلاح التدريجي، يُنال وِفاقاً، بتهيئة ميزان القوة الملائم لإرسائه، لا تلك التي جدت انقلابا وقطعا وصرما. حتى الثورة الفرنسية، إن نزعنا عنها هالتها الإيديولوجية وما كان لذلك الحدث من روعة في النفوس، لا تناقض تلك القاعدة أو ذلك «الحكم». فقد برهنت بعض الدراسات الجادة على أن الثورة تلك نجمت عن انهيار أو انفجار داخلي ألمّ بالنظام، في حين اقتصرت وظيفة الثوريين على السعي إلى مجابهة الحالة الناجمة عن ذلك الانهيار، أما ما انجرّ عنها مباشرة فقد كان الدكتاتورية و سنوات «الرعب» والحرب الأهلية، ولم تفلح فرنسا في إرساء الديموقراطية إلا بعد ذلك بأمد، وبعسر ومشقّة بالغيْن، أي بتجاوز الثورة بمعنى من المعاني. كما حصل شيء من ذلك في بلدان شرق أوروبا بعد نهاية الحرب الباردة، حيث نجم انتقالها إلى الديموقراطية عن انهيار أنظمتها الاستبدادية، جراء أفول إمبراطورية السوفيات، لا عن ثورات أودت بها عنفا داخليا، وكان من حسن حظها أن وجدت في التوق الأوروبي، وفي جاذبية الانخراط في اتحاد القارة، بعض أفعل العوامل المرجحة لأخذها بالديموقراطية.

هذا على نحو عام، أما على نحو أكثر عينيّة، وفي ما يتعلق بهذه المنطقة تحديدا، فإن الأخذ بمنطق العنف والقطيعة لا يبدو واعدا بإرساء الديموقراطية، بل منذرا بكل ما عداها، بالفوضى وبالحروب الأهلية، وبكل ما إلى ذلك من شرور. هذا ناهيك عن أن الأنظمة لا تبدو عليها علامات الوهن. تلك ظاهرة عربية، تبلغ مبلغ المفارقة، لا بد من التصدي لها، في يوم من الأيام، استكناها وتحليلا: لماذا تبدي أنظمتنا كل هذا القدر من التمكن ومن المناعة ومن القدرة على البقاء، بالرغم مما هو معلوم عنها من «حظوة» لدى شعوبها، وبالرغم مما راكمته من فشل ذريع، هزائم أمام الخارج وعجزا عن تحقيق التنمية في الداخل؟ هل يُعزى كل ذلك إلى القمع؟ إن سلمنا بهذا التفسير، فيجب افتراض أن أجهزة أنظمتنا أعلى كفاءة من الـ»كا. جي. بي» السوفياتي ومن «الستازي» في ألمانيا الشرقية السابقة، وسواهما في مثل ذينك النظامين، وذلك ما يبدو بداهة مُحالا.

يبقى والحالة هذه، أنه لا مفر من توخي مقاربة توافقية، لا تستبعد الأنظمة القائمة، مهما كانت التحفظات عليها، وهو ما يتطلب من المعارضين استدخال الديموقراطية ثقافة لا مجرد مطلب يُرفع على خلفية من إرث ومن ثقافة تسلطييْن. تجربة المغرب ربما كانت ذات دلالة في هذا الصدد، بالرغم من كل المآخذ عليها، من ضحالة النخب ومن استشراء الفساد في أحزابها. وإذا كانت التجربة تلك قد أصابت بعض النجاح، المتمثل في إجراء انتخابات حرة وفي تحقيق تداول على تولي السلطة التنفيذية وإن جزئي (مادام الملك لا يزال شريكا قويا فاعلا في تلك السلطة) وفي إرساء قدر من الحريات العامة لا يستهان به، فذلك يعود إلى أنها (أي التجربة تلك) قد قامت على استثناء السلطة العليا ومراتبها السيادية من كل منافسة فوضعتها خارج حيز الخلاف والتنازع (السلمي). قد لا يمثل ذلك، إن اعتمدنا المعايير الديموقراطية بصرامة، سدرة المنتهى، ولكنه قد يكون أكثر السبل أمانا، إن لم يكن نجاعة، للانتقال إلى الديموقراطية، إقرارا بالتعدد وإدراجا له في المؤسسات، على نحو فاعل أو شبه فاعل.

ما تقوله تلك التجربة أنه ربما تعين التعايش، وإن إلى حين قد يطول، مع «استبداد» نسبي، أو مع ديموقراطية منقوصة، قد يصار إلى استكمالها تدريجا وبواسطة الطمأنة المتبادلة، بديلا عن حرب مواقع تجمد الأوضاع القائمة إلى ما لا نهاية أو عن الانجرار في مغامرات غير محمودة العواقب.

صحيح أنه ليس لكل الأنظمة نصيب من الشرعية التاريخية والدينية كتلك التي يتمتع بها العرش المغربي، ولكن ربما كان إسباغ الشرعية بعض ما قد يكون بين يدي معارضات مسؤولة وديموقراطية من وسائل الطمأنة والمساومة.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم