إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow عــرس الــدم في غــزة
عــرس الــدم في غــزة Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
19 كانون الثاني 2008 الساعة 14:28

رياض نعسان آغا - الإتحاد الإماراتية

أستطيع أن أفهم قلق إسرائيل من أي تقدم عسكري أو علمي يحققه العرب أو الإيرانيون أو المسلمون عامة، فهذه الدولة التي نهضت على أساس ديني عنصري تستمد إيديولوجيتها من مكنون بغضاء وحقد تاريخيين على العرب والمسلمين بعد أن برد قليلاً حقدها على المسيحية


الأوروبية التي اصطدمت مع اليهودية في صراعات كبرى ذاق اليهود فيها من الويلات ظلماً كبيراً كان آخره محرقة (هولوكست) ما تزال أوروبا تعتذر عنها لليهود. لكنني لا أستطيع أن أفهم إصرار الولايات المتحدة على معاداة العرب وعلى شن مزيد من الحروب ضدهم وضد دينهم، وإقحامهم في حروب وويلات يعانونها لصالح إسرائيل على الرغم من كل ما يبديه العرب للولايات المتحدة من عرابين صداقة ومودة وحرص على علاقة جدية ومصالح مشتركة، بل على كل ما يمكن تسميته في السياسة العربية الواقعية جداً (ترويض الشرسة).
وأستطيع أن أفهم أن يرحب بعض أشقائنا العرب بزيارة الرئيس بوش إلى أقطارهم، فالتقاليد العربية تقضي بإكرام الضيف، لكنني لا أستطيع أن أفهم لِمَ يختار الرئيس بوش منطقة الخليج العربي لإعلان ما يمكن تسميته إنذاراً بحرب على إيران، فليس من آداب اللياقة واللباقة أن يشرك الضيف مضيفه في خصوماته، وأن يدخله في عداواته، والرئيس بوش يعلم أن علاقات العرب وخاصة أهل الخليج مع إيران هي علاقات وطيدة تعود إلى قرون أبعد بكثير من تاريخ اكتشاف أميركا، وستبقى إيران الجارة الأقرب للعرب ولأهل الخليج، حتى بعد أن تمضي أميركا من بلادنا وهي ذات يوم طال أم اقترب لابد ستمضي، فهذه البلاد ليست لأميركا، وستبقى الولايات المتحدة غريبة فيها حتى لو ملأتها قواعد عسكرية. بل إنني لا أجد أي أمل للولايات المتحدة في تحقيق أي نصر استراتيجي بعيد المدى في بلادنا على غرار ما فعل أجدادنا العرب المسلمون الفاتحون القدامى حين دخلوا بلاداً ليست بلادهم، فبقوا فيها ثقافياً إلى اليوم وسيبقون إلى أبد الدهر، والسر أنهم أقاموا قواعد فكرية في القلوب، ولم يفكروا بإقامة القواعد العسكرية التي تعني للناس الخوف والترهيب، وهذه القواعد على عظمتها سيصدق عليها قول شاعرنا القديم:
(ما بين غمضة عين وانتباهتها، يبدِّل الله من حال إلى حال)
ومن لا يصدق بوسعه أن يذكر الاتحاد السوفييتي كيف اختفى فيما يشبه غمضة عين وبات كأنه لم يكن. والمفارقة أن ثقافة العرب والمسلمين تنهض اليوم من تحت الرماد في كل البلاد التي كانت تابعة للاتحاد السوفييتي وتجد فيها هويتها.
ولقد أحسن أشقاؤنا العقلاء في الخليج العربي حين أفهموا العالم أنهم غير مسؤولين عن تصريحات الرئيس بوش، وأنهم غير قادرين على تنفيذ أهدافه وغاياته، وليس من صالحهم أن تتحول أرضهم العامرة إلى ساحة قصف وتدمير وحرب (لا ناقة لهم فيها ولا جمل) على حد تعبير أجدادنا الذين كانوا يفهمون فقه المقاصد ويدركون أين المصالح العليا لشعبهم، ولا يتورطون فيما لا يعنيهم، وقد كفى العرب ما خاضوه من تجربة مريرة قادتهم إليها سياسات الغرب التي تلهو بنا، حين مضوا ذات يوم قريب مع صدام حسين إلى حرب مفتعلة مجنونة ضد (إيران المسلمة) لم يحصد منها العرب والإيرانيون معاً غير القتلى والثكالى والأيتام، وإنفاق ثروات ضخمة على السلاح الذي تحتاج الولايات المتحدة إلى افتعال حروب لبيعه للشعوب التي لا تملك أن تقول لا، كي تستمر مصانعها الحربية في جني الأرباح الطائلة من تجارة الموت التي برع فيها الصهاينة الذين تمكنوا من إلقاء القبض على محاور السياسة الأميركية التي لم يعد لها هدف أو شغل سوى إجبار العرب على التنازل عن كل حقوقهم لصالح إسرائيل.
وقد حاول العرب أن يجدوا مخرجاً من نفق الصراع الذي طال، فأعلنوا مبادرتهم الشهيرة للسلام، ومؤخراً مضوا مجتمعين إلى أنابوليس فإذا راعي السلام يطالبهم بالاعتراف بيهودية إسرائيل، بما يعني طرد العرب من سكانها الأصليين، ويطالب الفلسطينيين بأن يتنازلوا عن حق العودة، بينما يشرع لكل يهودي في العالم حق أن تكون إسرائيل وطنه، حتى وإن كان لم يزرها قط. كما يطالب العرب والمسلمين في العالم كله بأن ينسوا حقهم في القدس، وأن يسمحوا لليهود بهدم المسجد الأقصى، وببناء هيكل بدل الذي لم يجدوه، فضلاً عن ضم ما يسميه الإسرائيليون يهودا والسامرة، وعن ضم المستوطنات التي تكثر وتكبر بدل أن تزال وتهدم، كل هذا وغزة تقصف ويسجن أهلها.
ولئن كانت دوافع الحروب بين الدول أو الشعوب على مر التاريخ عقائدية، أو تلبية لمصالح اقتصادية أو أمنية أو توسعية، فإنني أستطيع أن أفهم سلة مصالح إسرائيلية في تدمير قوة إيران، كما دمرت قوة العراق، وأستطيع أن أجد للدوافع العقائدية والفكرية دوراً خطيراً، لكنني لا أستطيع أن أفهم مصلحة للولايات المتحدة في شن حروب جديدة يمكن أن تصير عالمية الأبعاد، فتزيد من حقد الشعوب على الولايات المتحدة لما ستدفع البشرية من ويلات جراء حماقات عسكرية تلبي احتياجات إسرائيل وحدها في العالم كله.
إذا كانت العقائد هي التي تحرك الرئيس بوش وفريقه العسكري، فهي إذن متابعة للحرب التي سماها بزلة لسان حرباً صليبية، والصحافة الإسرائيلية تردد هذا التوصيف للحرب التي بدأتها الولايات المتحدة منذ عام 2002 والتي لم تحقق أية أهداف عملية لإسرائيل أو للولايات المتحدة، إلا إذا كان بيع السلاح بحد ذاته هدفاً جديراً بأن تقتل شعوب من أجله. فأما على صعيد السياسة الدولية، فإن الولايات المتحدة فقدت مكانتها بدل أن تعززها، والرئيس بوش فقد حلفاءه بدل أن يلتصقوا به، والإسرائيليون فقدوا أملهم في تسمية المقاومة إرهاباً، لأن الشعوب لا يعنيها ماذا سيسميها الآخرون حين تدافع عن حقوقها، وكانت حرب تموز (يوليو) 2006 كارثية على إسرائيل، وستكون أكبر بكثير إذا ما أمعنت إسرائيل في إصرارها على يهوديتها فهي بذلك ستمهد في المنطقة كلها لولادة دول دينية، تفتح تاريخ صراعات عقائدية تضر بمصالح شعوب المنطقة كلها.
لكن السؤال المهم: أنتعامل بجدية مع تصريحات بوش أم نفهم أن هدف زيارته إعلامي محض ضمن حملة ترويج لصالح حزبه في الانتخابات القادمة، لتحقيق دعم يهودي عبر البكاء في متحف المحرقة، وعبر استجداء رضا صديقه أولمرت ومقايضته بتمكينه من البقاء في السلطة فترة إضافية بعد أزماته المتلاحقة، أم نفهم الزيارة لتسويق صفقات أسلحة لحروب يريد أن يدفع العرب ثمنها المادي والبشري؟ المهم أن الرئيس بوش فعل خيراً حين لم يربط موقفه من إيران بقضية الجزر الثلاث، فأهل الإمارات أقدر من الرئيس الأميركي على إيجاد حلول لمشكلاتهم مع جيرانهم، وهم لم يشتكوا إليه، وبينهم وبين جيرانهم جسور تواصل لا تنقطع، وبلادهم بلاد نمو وخير للبشرية وليست بلاد حروب أو ساحات قتال.
لقد كان الرد العربي على ما يريده بوش من العرب لصالح إسرائيل، رداً لا يخرج عن الثوابت العربية، ولكن إسرائيل فرطت بكل ما يمكن أن يعنيه الترحيب الرسمي حتى على الصعيد البروتوكولي، حين لم تنتظر أن يغادر بوش كي تصعِّد مجازرها ضد شعب فلسطين، لقد أرادت أن تقول للعرب: إن ضيفكم الكبير هو من يدعمنا كي نقتل شعبكم في غزة، وسنتابع بدعمه المتصاعد تدمير أرضكم وإبادة شعبكم. كان مفجعاً أن تنتهي مراسم الاحتفاء بالضيف الكبير بعرس الدم في غزة.


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم