|
|
مختارات متنوعة
دفاعاً عن الشر .. | دفاعاً عن الشر .. |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 22 كانون الثاني 2008 الساعة 16:29 | ||
|
جاد الكريم الجباعي - سؤال التنوير
كتب الدكتور نصر حامد أبو زيد ، بتاريخ 30 / 7 /2006 ، مقالاً يندد فيه بـ "العقلانية العوراء والليبرالية العرجاء"، قال فيه: "لا يستطيع الإنسان أن يظل صامتاً إزاء خطاب الليبراليين «العقلاء» في تحليل ما يحدث مما تقوم به إسرائيل من تدمير وقتل وتخريب وهدم لمجتمع كامل اسمه «لبنان»، كان في وقت من الأوقات قبلة هؤلاء الليبراليين ومرتعاً لممارسة أهوائهم العقلية، حين كان لبنان بحق «هايد بارك العرب». هؤلاء العقلانيون لا يرون، أو بالأحري لا يريدون أن يروا، إلا «جريمة حزب الله» الذي مارس حقه الطبيعي باختطاف جنود إسرائيليين من أجل مبادلة الأسري اللبنانيين الذين طال مكوثهم في سجون إسرائيل، رغم انسحابها الإجباري من أرض لبنان عام ٢٠٠٠. وهؤلاء العقلانيون أنفسم أصابهم «هَوَس» جماعي حين قرر الإخوان المسلمون - في مصر والأردن وغيرهما من بلاد العرب - أن يتحولوا إلي حزب سياسي ويخوضوا لعبة «الديمقراطية» بحسب قواعدها المتاحة في ظل القوانين الاستثنائية وتقييد الحريات وحالة الطوارئ. تحول الهوس إلي «عصاب» بحصول الإخوان علي ٨٨ مقعداً في المجلس، رغم البلطجة والتزوير… إلخ". وأضاف: " في فلسطين المحتلة قررت «حماس» الانضمام إلي طابور «الديمقراطيين»، فحصدت أغلبية أصوات الفلسطينيين، ومرة أخرى أصابت لعنة «الهوس العصابي» جموع الليبراليين العقلانيين، فما هكذا تكون الديمقراطية، وما هكذا يجب أن تكون. الليبراليون العقلانيون في بلادنا يريدون الديمقراطية «التفصيل»، أو بالأحري يريدون «ديمقراطية» تأتي بهم إلي السلطة دون أن يتجشموا عناء النزول إلي مستوي «العامة» أو «الرعاع» - أو بلغة أرقي «رجل الشارع» - والاختلاط بهم وتفهم أوضاعهم، والوصول إلي مكوناتهم الذهنية والثقافية والتعامل معها". وقد وصف الدكتور نصر حامد أبو زيد نفسه، في هذا المقال، بأنه "عقلاني ومن دُعاة العقلانية، وليبرالي كذلك، يؤمن بالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولأنه كذلك "منذ نعومة أظفاره" يجد نفسه غير قادر علي الصمت إزاء هذا التزييف المتعمد لقيم العقلانية والليبرالية. ويقرر "أن أهم سمات المفكر العقلاني الليبرالي التمتع بحاسة نقدية مرهفة، تجعله قادراً علي نقد نفسه ومراجعة مقولاته". ثمة إذاً تزييف متعمَّد لقيم العقلانية والليبرالية استثار حمية الدكتور أبو زيد فصب جام غضبه على الليبراليين "العقلاء" وعلى ليبراليتهم "العوراء والعرجاء" محاولاً التشكيك لا بليبرالية هؤلاء وعقلانيتهم فحسب، بل بكونهم عقلاء أيضاً، بوضعه صفة العقلاء بين حاصرتين. واللافت أن الدكتور أبو زيد لم يسم أحداً من هؤلاء ذوي النوايا الخبيثة والمقاصد المشبوهة، الذين يزيفون قيم الليبرالية والعقلانية عن عمد؛ ما يعني أن كل من له رأي مختلف عن رأيه في المقاومة بوجه عام أو في مقاومة حزب الله وحركة حماس بوجه خاص، وكل من له رأي مخالف لرأيه في جماعة الأخوان المسلمين في مصر أو الأردن، وكل من له رأي مختلف في ثورة عرابي أو في ثورة عبد الناصر أو في غيرها، هو من هؤلاء الذين "يتبرؤون من تاريخهم ويغسلون أيديهم من "عار المقاومة" ويدافعون عن حق أمريكة في الدفاع عن مصالحها وفي مقاومة الإرهاب .. إلخ. واللافت أيضاً أن الدكتور أبو زيد لم يفرق بين أن يكون المرء عقلانياً و ليبرالياً يؤمن حقاً بحرية الفكر والضمير وبحرية الرأي والتعبير وبحقوق الإنسان والمواطن، وبين أن يكون مدافعاً عن "الليبرالية" أو عن "العقلانية"، شأنه في ذلك شأن المدافعين الأشاوس عن القومية العربية أو عن الإسلام أو عن الماركسية المختزلة إلى دكتاتورية البروليتاريا، الذين يرون في كل من يخالف رأيهم ورؤيتهم لما هي العروبة وما هو الإسلام وما هي الماركسية خارجاً عليها وعدواً لها، بل كافراً أو زنديقاً أو محرِّفاً ومنحرفاً عن جادة الصواب. ليت الدكتور أبو زيد انتقد من أراد أن ينتقدهم، ولم يسمهم، باسمه الشخصي، الذي نقدره، وانطلاقاً من رؤيته الخاصة، التي نحترمها، ونختلف معها، لا باسم العقلانية والليبرالية، أو بغية الدفاع عنهما، لكي لا تتحول العقلانية والليبرالية إلى أيديولوجية، كغيرها من الأيديولوجيات الشائعة، فيتحول الحوار إلى سجال أيديولوجي يصير معه أي متكلم ممثلاً للأيديولوجية التي يُنسَب إليها أو ينتسب، وتكف الآراء عن كونها كذلك فتصير إيمانات، وتتلاشى قيمة المتكلم في قيمة الكلام. وليته سمى من أراد أن ينتقدهم، لأن عدم التسمية، في هذا السياق، عيب في النقد، يعرف الدكتور أبو زيد مداخله ومخارجه ومأتاه ومنتهاه وما يولده من التباسات، لكي لا يحمِّل العقلانية والليبرالية "أوزار" الآراء الشخصية والاقتناعات الذاتية والانحيازات الأيديولوجية والسياسية، ولكي لا تصير معايير العقلانية والليبرالية معايير ذاتية وظرفية. فرأي الدكتور شاكر النابلسي أو رأي الكاتب في مقاومة حزب الله أو حركة حماس، مثلاً، ليس رأي العقلانية والليبرالية، وقد يختلف معه كثيرون ممن يُنسبون إلى الليبرالية أو ينسبون أنفسهم إليها، فالليبرالية، كما يعرف الدكتور أبو زيد، وكما يعلِّم، ليست عقيدة أو مذهباً، إلا في نظر أصحاب العقائد والمذاهب، العلمانية منها وغير العلمانية، وليس لها قرآن فيه علم ما تقدم وما تأخر، ولا تأخذ بقياس الغائب على الشاهد، ولا تستنفد في هذه المنظومة الفكرية أو تلك، فلسفية كانت هذه المنظومة أم علمية. فكيف استقام عنده أن يكون هناك عقلانية عوراء هي عقلانية الآخرين، وعقلانية سليمة جميلة العينين وكحيلة هي عقلانيته، وليبرالية عرجاء هي ليبرالية المختلفين وأخرى سليمة هي ليبراليته؟! ألا يتساوى هذا مع موقف الجماعات الإسلامية، التي تزعم كل منها أنها الإسلام الصحيح والدين القويم والملة الناجية؟! الحق والحقيقة لا يقومان على الاقتناع الذاتي ولا يقومان على المشاعر والعواطف والانحيازات الظرفية، إلا عند من يسوغون لأنفسهم أن يكونوا مشرِّعين وقضاة ومنفِّذين، كالذين تسببوا بمحنة الدكتور أبو زيد المعروفة للجميع، والذين "أراحوا" فرج فودة ومهدي عامل وغيرهما من غثاثتهم وغثاثة زمنهم (على مذهب القائل: اخمدوا الأنفاس؛ هذا جهدكم؛ وبه منجاتنا منكم، وشكراً). ما يدعو إلى الدهشة والعجب أن خطاب الدكتور أبو زيد، في هذه المقالة، لا يختلف في كثير أو قليل عن خطاب هؤلاء، فهو كما يقال يرتع في فنائهم ويحلب في إنائهم، كأن به ولعاً بالاستبداد والمستبدين وبـ "المقاومة" والمقاومين، "منذ نعومة أظفاره". وما أحسب إلا أن هؤلاء سيقولون للدكتور أبو زيد، كما قالوا ذات يوم لكريم مروة: أهلاً وسهلاً، ولكن لم تعود إلينا من النافذة، لا من الباب؟ أن يكون المرء مدافعاً غيوراً عن العقلانية والليبرالية يعني أن هاتين تعينتا في وعيه نسقاً كاملاً وناجزاً، وأنموذجاً معيارياً، وصار بوسعه أن ينصب نفسه قاضياً أو محتسباً يملك زمام الحق وناصية الحقيقة، ولا ينقصه سوى سيف أو خنجر أو مسدس لكي، يطهر أرض العقلانية والليبرالية من الأعشاب الضارة ومن الشوك والزؤان ومن الدخلاء والأدعياء، الذين ليسوا من نسل عقلانيته وليبراليته، وليس فيهم من هو "عقلاني منذ نعومة أظفاره". لعل الدكتور أبو زيد لم يلاحظ أنه، في غمرة حماسته المشروعة لحزب الله، وغضبه المشروع من العدوان الإسرائيلي على لبنان شعباً وأرضاً ومدنية وثقافة وجمالاً ..، لم يلاحظ أنه قلص حدود العقلانية والليبرالية إلى مستوى الحماسة والغضب، أي إلى مستوى الشعور، وهو يعرف أكثر مني، على الأقل، أن العقلانية والليبرالية فضاء مفتوح لا حدود له، هو فضاء العقل والحرية أو قل فضاء العقل الحر والحرية العاقلة؛ وأن رأي الذين لم يروا سوى "جريمة حزب الله" مساو في القيمة والمشروعية لرأي الذين لم يروا سوى جريمة إسرائيل، وأن في كل من الرأيين المختلفين نسبة من الخطأ ونسبة من الصواب، وأن الحَكَم الذي تُرضى حكومته في اختلافهما وخلافهما هو، العقل لا الشعور ولا الاقتناع الذاتي. من المؤسف أن يسف الخطاب العقلاني إلى مستوى إخراج المختلفين من دائرة العقل، مع أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين الناس، كما وصفه ديكارت ("لا يستطيع الإنسان أن يظل صامتاً إزاء خطاب الليبراليين «العقلاء») ووصف آرائهم بالأهواء العقلية، على ما في التركيب من تناقض ومعاضلة، واتهامهم بأنهم لا يرون، "أو بالأحرى لا يريدون أن يروا"، جريمة إسرائيل، وهو تعبير مخفف عن الاتهام بالعمالة والخيانة، على نحو ما هو رائج في "الخطاب السياسي" الراهن. والكاتب يربأ بالدكتور أبو زيد عن الولوج في هذا الباب، والولوغ في دماء الليبراليين مع الوالغين، وما أكثرهم. فمن حق الدكتور أبو زيد أن يكون مغرماً بحزب الله وحركة حماس أو بالأخوان المسلمين أو غيرهم، إعجاباً بتليد فضائلهم وطريفها أو تكفيراً عن ذنب اقترفه أو تقرباً من "الجماهير"، وليس لأحد أن ينازعه في ذلك، فللناس في ما يعشقون مذاهب؛ ولكن من حق الآخرين أن يكون لأي منهم رأي مختلف وعشق آخر و"أهواء عقلية" لا تهضمها معدة أبو زيد العقلانية، منذ نعومة أظفاره. ومن واجب أبو زيد (واجباً أخلاقياً) أن تأخذه الرحمة بأولئك الذي لم يولدوا عقلانيين ومؤمنين بالليبرالية مثله، وأن يأخذهم (على قد عقولهم، فيجادلهم بالتي هي أحسن) بلا تسفيه أو تخوين أو تلويح بالتخوين، وألا يكون هواه أو عشقه معياراً وحيداً للعقلانية والليبرالية وللحقيقة والوطنية أو القومية إذا شئت، ومِسنَّاً يشحذ به هؤلاء خناجرهم، التي يتوعدون بها الليبراليين والعقلانيين، فالمتسبب بالجريمة كفاعلها، وجرح أبو زيد نفسه لم يبرأ بعد، ولا يزال دمه مهدوراً ورأسه مطلوبا، ولا أحسب أن موقفه هذا سيشفع له عندهم، فقد أُعلن مرتداً كافراً وانتهى الأمر، وإله هؤلاء لا يغفر ولا يرحم ولا يسامح ولا يقبل التوبةً. إذا كانت "أهم سمات المفكر العقلاني الليبرالي التمتع بحاسة نقدية مرهفة، تجعله قادراً علي نقد نفسه ومراجعة مقولاته". فإننا لم نسمع من الدكتور أبو زيد شيئاً عن أسطرة الوقائع وتقديس الأشخاص والأشياء أيضاً، وإزاء غريزة الافتراس الفصائلية ومبدأ "الدفاع الذاتي" والقائمة طويلة؟! قد يقول قائل: لم هذا الاهتمام المتأخر عن وقته كثيراً بمقالة كتبت في ظروف عصيبة قبل أكثر من عام؟. جوابي: لأنها مقالة للدكتور نصر حامد أبو زيد، لم أقرأها في حينها، وقد فاجأتني حين قرأتها، ووجدت نفسي معنياً بمضمونها، فلست من المعجبين لا بالطلائع الثورية ولا بالفصائل والكتائب والسرايا والجماعات، ولا سيما جماعات "المقاومة الإسلامية" المسلحة، من الصومال الهادر إلى العراق الثائر. ولأن الكلمة المنطوقة شهادة، فما بالك إذا كانت مكتوبة؟ ولأنني أعتقد أن المثقفين من أمثال الدكتور أبو زيد مسؤولين لا عن الأخطاء التي وقعت فحسب، بل عن تلك التي ستقع أيضاً.
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|