إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الاستعصاء الديموقراطي لدينا ما جعلنا نتأثّر بالإسلاميّة الإيرانية لا بتلك التركية
الاستعصاء الديموقراطي لدينا ما جعلنا نتأثّر بالإسلاميّة الإيرانية لا بتلك التركية Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
25 كانون الثاني 2008 الساعة 15:20
صالح بشير  - الحياة

لماذا أخفقت التجربة التركية في أن تستوي مثالا في العالم الإسلامي، أو ربما كان من الأصح والأدق القول: لماذا أخفق العالم الإسلامي، وذلك العربي الذي يخصنا هنا في المقام الأول، في استدخال مقاربة حزب «العدالة والتنمية»، علما بأن ما نالته تلك المقاربة من نجاح، كان حريا به أن يلعب لصالحها، طريقَ تطور محتمل نحو حداثة لا تقطع مع الأصول، أو ما يُحسب أصولا، في منطقة ما انفكت تكابد ذلك الهاجس، سؤالا ملحا ومسعى مضنيا ومستعصيا، منذ فجر النهضة والإصلاح؟

إذ يبدو أن «العقل العربي» (إن أخذنا بهذا المصطلح الرديء، على ذيوعه، وقد يكون ذيوعه ناجما عن رداءته) قد أفلح في «استيعاب» «النتوء» التركي، ومعنى الاستيعاب هنا ومدلوله هو التبهيت والتحييد، أي نزع وإنكار كل دلالة مستجدة قد تنبئ عنها الانتخابات التركية الأخيرة، وفوز حزب العدالة والتنمية فيها وفي أعقابها بالرئاستين (الحكومة والجمهورية)، ورد كل ذلك إلى مألوف معهود لا يسائِل ولا يربك ما استقر وما استتب من اطمئنان إيديولوجي.

وهكذا، انبرى إسلاميون كثر يجزمون بأن الحزب التركي توأم لهم صنو، ينتمي إلى مجالهم انتماء لا فكاك منه، حتى أن زعيم أحد التنظيمات الإسلامية العربية، اكتسب سمعة اعتدال وصيت مرونة، وعدّ بين أقرانه الأقرب إلى الأخذ بالحداثة وبمبادئها، قد كتب، غِبّ الفوز التركي المذكور، جاحدا عن هذا الأخير كل جدّة وكل خصوصية، فكاد يجعل من حزب «العدالة والتنمية» فرعا لحركة «الإخوان المسلمين»، فإذا ما يبديه الحزب ذاك من تعلق بالعلمانية، مع أنه ورد صريحا على ألسنة قادته، وبالديموقراطية، ومن توق إلى الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي وما إلى ذلك من مواقف معلومة لدى الإسلاميين الأتراك، لا تعدو أن تكون مما يقتضيه الصراع المرير، ضد مؤسسة عسكرية بديهي مدى جبروتها ومدى «علمانيتها» تطرّفا، من مناورات، أقوالا وأفعالا لا تنال من حقيقة «قناعاتهم». يكاد الكلام هذا ينسب إلى الإسلاميين الأتراك تهمة امتلاك «أجندة خفية»، تلك التي يبذلون قصارى الجهد في إعلان البراء منها...

هذا في حين رأى علمانيون عرب أن فوز حزب أردوغان، لا يقاس ولا يُدرك إلا بمعيار سعيه إلى علمانية كتلك التي يدينون بها (وهي لديهم غائمة في الغالب أو مبتسرة مفقّرة)، وأن الظاهرة التي يمثلها لا سبيل إلى تعليلها إلا بنجاعة العلمانية تلك ولا يمكنها، بحال من الأحوال، أن تُحسب للإسلام السياسي، ما يعني أن إنجاز حزب «العدالة والتنمية» التركي، لا يمكنه أن يُعزى، تأكدا أو احتمال انتكاس، إلا إلى نجاحه أو عدمه في الابتعاد عن منطلقاته الفكرية (الإسلامية) الأصلية أو المؤسسة.

وهكذا، صير، على الصعيد العربي، إلى استيعاب المستجدّ التركي، ضمن واقع الحرب الأهلية «الفكرية» الإيديولوجية الدائرة رحاها في منطقتنا على قدم وساق، وهي ككل حرب، فرز حاد لا يتسع إلى المواقع الوسطى، التي هي حيّز الحياة، سياسية كانت تلك الحياة أم سواها، تقوم على قدر من لبس لا على الحسم، على الترجيح لا على اليقين، على البحث عمّا يجمع (أصل معنى الاجتماع) لا على الإصرار على ما يميز ويقطع ويصرم. وبذلك حُيّد مفعول ذلك المستجد التركي وأُبطل، ولم يخلف نقاشا وسجالا كذينك اللذين بدا، لوهلة أولى، واعدا بهما، سعيا إلى سبر ممكناته واستكناه احتمالاته أفقا تاريخيا يعنينا، ومر علينا مرور الكرام. فأضعنا بذلك أبرز ما يميزه ويمثل فرادته، وما يُفترض أنه الإكسير الذي نسعى في طلبه منذ عصر النهضة: أنهى غربة الحداثة والديموقراطية الليبرالية بأن أسبغ عليهما شرعية إسلامية، أو أنه حاول ذلك ونال فيه نصيبا من النجاح لا يُنكر، متجاوزا بذلك ذلك التقابل، بل التناقض، الكؤود والمزمن في عالمنا: إما هذا وإما ذاك، إما الإسلام وإما الحداثة، ضدان لا يلتقيان إلا على سبيل التلفيق الفج في أفضل حالاته، أو غير النزيه في الغالب.

لماذا يجد ذلك المستجدّ التركي عسرا في النفاذ إلى وعي «نخبنا»، يسائله ويحرك ركوده؟ ربما وُجد لذلك تفسير أولي، هو المتمثل في أن «نخبنا» محافظة في العمق، يصح ذلك حتى على ما كان من أوساطها «ثوريا» أو زعم ذلك. هي محافظة بمعنى أنها لا تحب طرح الأسئلة، ولا تحب من المستجدات ما يؤدي إلى طرح أسئلة وإلى «استفزاز» ما هو مستتب مستقر من «قناعات» أو من إجابات قاطعة، تبقى هي الأصل، يُردّ إليه كل شيء، بما في ذلك، بل خصوصا، ما استجدّ، يُلفظ على نحو سافر، أو تجري مداورته ليعاد إدراجه في ما هو دارج مألوف، سواء كان ذلك الدارج المألوف إسلامويا أم علمانويا.

بطبيعة الحال لا نعني بالمحافظة مدلولها المعتاد في الحياة السياسية الغربية على سبيل المثال، القائم على الأخذ بهواجس قيمية دون نبذ الديموقراطية ولا فكرة التقدم، فمن هذه الزاوية، يُعدّ «العدالة والتنمية» حزبا محافظا وهو كثيرا ما يعرّف نفسه بأنه «محافظ»، إلا أنه، من وجه آخر، يخالف تلك الصفة لأنه تجاوز، من حيث الأداء، ما يُفترض أن هويته الإيديولوجية الأصلية تبرمجه لفعله وللقيام به.

ولعل ذلك ما يفسر أن حظوته لدينا ظلت متدنية قياسا إلى تلك التي حازت عليها تجربة سياسية إسلامية أخرى بارزة، هي التي تمثلت في «الثورة الإيرانية»، تلك التي كان لها صداها المعلوم، واستوت أنموذجا مؤسسا للإسلام السياسي في صيغته المعاصرة حتى لدى من يناصبون «الروافض» عداء قاتلا. وجه المحافظة في تلك الثورة، والذي جعلها أنموذجا أخاذا يستهوي، لا يتمثل في تزمتها الأخلاقي والاجتماعي ومنافاتها للديموقراطية تستعيض عنها بنظام حكم «أصيل»، بل في أنها تستعيد في خطابها إرثا احتجاجيا درجت عليه أجيال من «المناضلين» والحركات السياسية، على اختلاف مشاربها، في المنطقة، فكانت بذلك استئنافا لخطاب مألوف، كان لها، فوق ذلك، فضل الانتقال به من طور القول والتمني إلى طور الإنجاز: حشد الجماهير في ثورة شعبية، مجابهة الإمبريالية والصهيونية، قلب نظام حكم «عميل»... الخ. فلم تفعل بذلك غير تديين أو أسلمة ثقافة احتجاجية، كانت قبل ذلك راسخة مستشرية بين «النخب»، ولعل ذلك ما يفسر أن يساريين وقوميين كثراً، لم يجدوا كبيرا عناء في الانتقال من ماركسية أو من قومية أخذوا بها عقودا إلى موالاة الثورة الإيرانية، حيث لم يكلفهم الأمر، سوى استبدال مفردات بأخرى، تعبر عن نفس العاطفة الجياشة: فحل الكادحون محل «المستضعفون» محل «الكادحين» و«الاستكبار» محل «الإمبريالية» و«الشيطان الأكبر» محل «أميركا عدوة الشعوب» و«الجهاد» محل «النضال» وهلمّ جرا.

وذلك ليس حال التحول التركي، لأنه أنموذج يتطلب الأخذ به جهدا ويستلزم مساءلة المألوف لا تأكيده. حتى إسلاميته، أو انتسابه إلى الإسلام لا يشفعان له في ذلك الصدد. إذ لا يمكن استيعابه وإعادته، إعادة كسولة، إلى ذلك الجذع الراسخ من احتجاجٍ ومن قطيعةٍ ومن ضغينة حيال الذات أو بعضها المتمثل في الآخر الحميم، ناهيك عن العالم الخارجي. إنه أنموذج يفترض مراجعة الذات ومساءلتها، وإخضاعها إلى تحول فكري عميق، سعيا إلى تمثل الديموقراطية «ثقافة» لا شعارا وإلى سبل الإندراج في الواقع لا الاكتفاء برفضه، رفضا عنيفا مبرما، وعقيما بسبب ذلك.

إذ يبدو أن العامل الفاعل الحاسم في إقبالنا أو في إدبارنا على هذا النموذج أو ذاك، إنما هو الاستعصاء الديموقراطي المتمكّن عميقا في منطقتنا ولدى «نخبنا»، وهو الذي يتوسل الإيديولوجيات ويصطنعها وقد لا تكون هي مجترحته، حتى ما كان منها إسلامويا.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم