إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow ... من أجل أن تنجو «القضيّة» من الاندثار
... من أجل أن تنجو «القضيّة» من الاندثار Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
28 كانون الثاني 2008 الساعة 17:39
صالح بشير - الحياة

كفّت إسرائيل عن أن تكون للفلسطينيين مشكلة. تجاوزت ذلك وتخطته إلى ما هو أبعد، إذ ارتسمت بالنسبة إليهم أفقا لا يبرحونه، لا يترك لهم من حيز مبادرة خارجه، يحتوي ويستوعب كل خياراتهم الممكنة، يقننها ويتحكم بمآلاتها، يحيلها جميعها إلى اللاجدوى، في ما يخصهم، وإلى غاية ترتضيها الدولة العبرية.

فإسرائيل «تقترح» على الفلسطينيين كل ما يريدون وتتسع لكل المتاح لهم، إن أرادوا التفاوض فاوضتهم وإن مالوا إلى الكفاح المسلح أو الجهاد قاتلتهم، بعد أن حيّدت مفعول الأمرين وأبطلته، وساوت بينهما نتيجةً ومآلا، فجعلت التفاوض لا يفضي إلى تسوية والقتال، ذاك الذي تخوضه «حماس»، لا يعد بتحرير. ذاك تقبل عليه قولا وتأتي كل ما يحول دونه فعلا، وهذا، ولم يبق منه غير صواريخ بدائية تُطلق أو عمليات انتحارية يبدو أن جدار الفصل كان على قدر من فاعلية في الوقاية منها، يُتّخذ ذريعة لإيقاع أقصى الإيذاء والدمار على ما هو جار هذه الأيام في قطاع غزة... حرب تيئيس لا هوادة فيها، قسمت الدولة العبرية بمقتضاها الفلسطينيين إلى فئتين ميّزت بينهما تعاطيا وجمعت بينهما في القنوط.

وهكذا، كف التفاوض أو القتال عن أن يكونا أحد خيارين فلسطينيين يصار إلى توخيهما في مواجهة إسرائيل، التي حصّنت نفسها من التأثر بهما (إلا في الحدود الأمنية الدنيا)، بل نجحت في الاستفادة منهما لاستبعاد أي حل. لذلك، أضحى الأخذ بأحد الخيارين مجرد إعلان هوية، سياسية أو إيديولوجية، يتوسله هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك، خطابا موجها إلى الذات، يؤكد انتسابها إلى استراتيجية السلام أو إلى استراتيجية القتال، وموجها من ورائها إلى العالم الخارجي، مجموعة دولية، يُرجى ضغطها الذي لا يأتي، أو «أمة» و»جماهير»، تُرجى نصرتها التي لا تأتي هي بدورها.

تلك هي الحال التي بلغتها القضية الفلسطينية. أول ما يتبادر إلى الذهن في تعليلها هو، بداهة، ميزان القوة وما آل إليه من انخرام، وهو تعليل صحيح إلا أنه قد لا يفي... إذ لا يمكن لميزان القوة ذاك، في بعده الثنائي و»المادي» الصرف، إلا أن يكون مختلا بين دولة محتلّة وحركة تحرر، فلا يُصار إلى تعديله، حتى قلب علاقة الغلبة والتحلل منها، إلا باستنهاض عوامل لا تنتسب إلى مجال القوة المادية، تحوّلا قيمياً و/أو انتقالا من طور استراتيجي إلى آخر.

هل كان للإدارة وللجيش الأميركي أن يهزما في فيتنام، على سبيل المثال، لو لم يهزما أمام رأيهما العام؟ وهل كان لفرنسا أن تخرج طريدة من الجزائر لولا أنها خاضت حربا مستحيلة، كان يمكنها أن تربحها عسكريا، ولكن ما كان يمكنها بحال من الأحول إلا أن تخسرها سياسيا لأنها كانت تعنتاً أهوج مُكابرا في وجه تحول عنيد، هو المتمثل في أفول الإمبراطوريات الاستعمارية التي «أنتجها» القرن التاسع عشر؟

مثل ذلك لم يحصل بالنسبة إلى القضية الفلسطينية. فلا الرأي العام الإسرائيلي تحول على نحو جدي باتجاه الإقرار بالحقوق الفلسطينية، وهو إن كان قد أوحى بذلك في بعض الأطوار، لدى انطلاق مسار التسوية في بداية تسعينات القرن الماضي، إلا أنه ما لبث أن ارتد وتراجع، بعد أن نجحت دولته في ربط الكفاح الفلسطيني بالإرهاب، وأفلحت في إقناعه بأن كلفة مواجهة ذلك «الإرهاب» أبهظ من كلفة التغاضي عنه أو التفاوض مع من قُدِّموا على أنهم يمثلونه ويزاولونه (بمن فيهم الرئيس الراحل ياسر عرفات). أما عن التحولات الكبرى الناجمة عن نهاية الحرب الباردة، فلم تجر لغير صالح الدولة العبرية، ما كذّب تحليلات متفائلة كانت قد ذهبت إلى توقّع تراجع حظوة تلك الدولة لدى الولايات المتحدة، بالنظر إلى انتفاء وظيفتها في مواجهة النفوذ السوفياتي... ربما كان عذر تلك التحليلات أنه ما كان لها أن تتوقع الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، إيذانا بانطلاق «الحملة الكونية» ضد الإرهاب، تلك التي مكّنت الدولة العبرية من وظيفة ومن دور مستجدّين.

تبقى لافتةً، على أية حال، تلك القدرة التي تبديها الصهيونية على الاصطفاف المجدي لدى كل تحول إمبراطوري: أفلحت في الاستيطان وفي نيل وعد بلفور ثم الدولة، في نطاق الامتداد الاستعماري الغربي، الفرنسي-البريطاني، ثم اهتدت إلى المعسكر المناسب، المجزي، لدى نشوب الحرب الباردة واستتباب نظامها، ثم وجدت مكانها، بيسر وسهولة، في الحرب الكونية ضد الإرهاب، بمساعدة فلسطينية نشيطة والحق يُقال. ربما عاد ذلك، إلى أن إسرائيل، لم تكن، في أي طور من تلك الأطوار، قطبا إمبراطوريا قائم الذات، أصالة عن نفسها، بل هي أحسنت الالتحاق بالمشاريع الإمبراطورية الناهضة، والتحلل من تلك الآفلة.

وذلك، بطبيعة الحال، لم يكن شأن الجانب الفلسطيني في أي من تلك الأطوار، لأنه، منذ البداية، عمد إلى «قومنة» قضيته، وإلى «تدويلها» استطرادا، وهو ما تم على حساب بلورة الاتساق في مطلب وطني ناجز معلوم. صحيح أن ذلك كان من شأنه أن يجعل الجانب ذاك، نظريا، أكثر تنبها إلى الملابسات الدولية، وأكثر قدرة على انتهازها، وقد وضع فيها كل بيضه وقصر عليها علامات وجوده، ولكن ذلك لم يحصل، حتى أن زعامة ياسر عرفات، التي كثيرا ما حسب لها نجاحها في «وضع القضية الفلسطينية على خريطة العالم» هي نفسها التي أخفقت في اجتراح الوطنية الفلسطينية كيانا عندما آلت إليها السلطة. حيل دونها وذلك لا شك، لكن تلك الاعتبارات لا يمكنها أن تستوي أعذارا لأنها من مقتضيات الصراع.

يعود ذلك بالتأكيد إلى خاصية فلسطينة، تمت الإشارة إليها في غير هذا الحيز، تلك التي مفادها أن علاقة الفلسطينيين بوطنيتهم تقوم على ارتباك معضل، يجعل من العسير أو من المتعذر، من حيث المبدأ، المطابقة بين الوطن (كحيز تاريخي) وبين الوطنية كإمكانية سياسية، بحيث لا يسع القبول بأحدهما إلا أن يكون تضحية بالثاني: فإما المطالبة بالوطن، كل فلسطين التاريخية، وذلك ما لا «يتحقق»، إن افترضنا إمكانية تحققه، إلا بإيكال أمره إلى «الأمة» العربية، أيام «المد القومي»، أو الإسلامية، في زمننا هذا، أي بنكران الوطنية، وإما الإقبال على هذه الأخيرة، وذلك ما لا سبيل إلى تصوره والإقرار به، إلا بالتضحية بالوطن، أي بارتضاء وطن منقوص، هو ذلك الحيز الترابي الذي قد تنسحب منه إسرائيل. هذا الإعضال هو الذي تجسد حركة فتح، و»سلطتها الوطنية»، وحركة حماس و»حكومتها المُقالة» كلاّ من شقيه المتواجهين المتنافييْن إلى درجة الاقتتال والانشطار.

لم توجد حركة وطنية، في العصور الحديثة، واجهها إعضال من هذا القبيل، بتنافر على هذه الدرجة من الحدة بين الواقعية، بما هي اعتبار لما يتيحه ميزان القوة وأخذ علم بما آلت إليه الأمور على الأرض، وبين الواقع الأصلي، خصوصا أن العدو، أو الخصم-الشريك إن حبذنا مصطلحات التسوية، يواجه أصحاب المنحيين بامتناع متساوٍ، يفند الآخذين بالواقعية، بإمعانه في الاستيطان وفي كل ما من شأنه أن يجهض أي تسوية، ويفند المتشبثين بالواقع الأصلي، بما يمتلكه من أسباب قوته المعلومة. قد تعتقد الدولة العبرية أن الوضع هذا، أي توخيها استراتيجية «سد الآفاق»، يجعلها في حِلّ من حلّ القضية الفلسطينية، بإدراجها في أبد أو في أفق مستقبلي لا يحده أجل، وقد تكون محقة في ذلك بمقاييس موازين القوة الآنية، لكنها إذ تفعل ذلك، إنما ترجح كفة المتشبثين بالواقع الأصلي، وهؤلاء من طينة إيديولوجية لا تعبأ بالتاريخ ولا بملابساته، تقيسه، إن قاسته، بالأجيال، لا بالسنين ولا بالعقود... فهل يكون ذلك ما تريده؟ ذاك احتمال لا يمكن استبعاده.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم