|
لا آكـل الباذنجـان , لا أحبذ الخبـز حين أتـناول الأرز , أســتـثقل الموز على معدتي ...أبتاع لنفسي العديد من القمصان , ألوانها مختلفة , قد تُـرمى لتُـهـجر في غياهب خزائـني , مثلهم سـراويل شـتى , من الجيـنز , من القطن من الكتـان والصوف , لكل فصول السنة , والأغلب أنها سـتُـنسـى هناك , قابعة , بعيدا عني , كما أنا بعيد عـن أنـات الجيـاع , وآلام الطاويـن ... حيـرتي , ترددي , انشغال البال مني , يكمن في مسألة الاختيار , بين الجاكيت البني , أو الأسود , بين المعطف الجلدي الهندي , أو ربما الرداء الكشميري , بين حذاء " بـالي " أو " جيـبرام " أو " ألـدو " , بين أن أستقبل الصباح برذاذ " أكواديسيلفا " , أو آثار المسك عند العصر , وطيبٌ مغدقٌ وفيرٌ من شـذا أراميس ...!! أين أنا .. وأين هم ...؟ أنـتـظر المطر ...أتـتبع النشرة الجوية .. فرحي بالغيوم كبير , سعادتي لا تـنكر لسحر السحاب , تلك التي تركض ركض الخائفين , كما إيـليا , فسؤالي للغمام كبير , لكن هو تـرف من نوع آخـر , يخيم بهدوء على المشاهد كلها , فيغزو اللون الرمادي بغلالته الرائقة كل الذكرى , ثم أنعم بارتـداء المعاطف الجلدية , والأحذية الجلدية ذات الرقاب العالية , وأضم في جيـبي محفظتي الجلدية , وبطاقات ائـتماني المصرفية البلاستيكية , أيضا , فرق كبير هو بين أكياس النايلون , يبيعها هؤلاء الفقراء الصغار في الحميدية , وبين من يشترونها , فرق هائل حين أضع عبوة مشروب غازي في سيـارتي , أرتشف منها القليل ثم أرميها , وبين من يجمع تلك العلب المعدنية من الشوارع وحاويات القمامة , ليبيعها بما يسد به الرمق , فرق بين من يرمي في الحاوية مخلفاته , وبين من يلتقط أوده من الحاوية نفسها , فرق بين أن أدخل مكانا بمعية أنثـى ليست في الحقيقة سوى زهـرة صناعية أعجبتها النجمة الثـلاثية التي تشمخ فوق أنف المرسيدس لتشكل رسم ماركتها , وبين شاب معوز خريج جامعي يعمل كنادل يقدم لي ولها شراب برتقال لا أتلذذ بمذاقه , فهو بلا لون ولا طعم , كما ابتسامة الشاب في وجهينا , و التي تصنعها قهرا آلية الحيـاة , وخشيته من التقصير , كي لا يطير , في نهاية المصير , مورد رزقه الشهري اليسير ... !!
كالطاووس أتبختر بمشيتي , أركب داحسي أو غبرائي الألمانية , لأقـتـحم ملكوت الاستعلاء الآني , ثم أمايـز وأفـرق في هذا الطقس الجلدي الجاموسي التمساحي الإنساني المثير الوثيـر , وبين تلك الآدام التي أطالعها باستغراب , بل بلا مبالاة على الأغلب , وبين آدامي , بين تلك الأعين الحزينة الجائعة الكسيرة الحسيرة في تأملاتها كسـوة عيـد , وحذاء جديد , ورطل من اللحم سيرحل لبعيد ... تدور الأيام لتجـتر كرّتها وسيرتهـا , ينهمـر الغيث مدرارا , تزيح قطراته بانتظام مساحات الزجاج , فأرى الدموع و قدسيتها فوق وجنات السابلة , من الفقراء والمعوزين تـُمسـح بأكمام القلوب الحانية , فأخاطب نفسي لأقنع ضميري , هل أستطيع أن أغير الكون لوحـدي ...لا ...هل لدي عصا سحرية ...لا ...هل لدي الطاقة لتغيير القسمة والنصيب ...لا ....فلماذا لا أمضي في مطري , وليغرقوا هم في سيولهم ...؟ لكني ...كاذب ..كاذب أنا ...ما أعظم استفحال الأنانية , حين نحاول ترتيق سرابيل ضمائرنا المهترئة , بفجـور دعوانا , وزيف ادعاءاتنا قلة الحيلة وذات اليـد , بل أستطيع , وأستطيع , وأستطيع ....لكني أناني , أعتقد الخلود في لحظات الهيام , أعتقد القوة أمام مرأى الهزال , أعتقد وأعتقد , وما أنا في الحقيقة إلا جاحـد جشع , أشـر بطـر , لئيم زنيـم , نـخفف من غلواء تـفلتات الضمائر في لحظات صفو , بترديد تلك الاسطوانة المشروخة , لا يموت أحـد من الجــوع ...!! من الفاجـر الكاذب الذي قال ذلك ...؟ بل يموت ...والله يموت ...ولكن ...لم تعتد أعينـنا اختبار الجوع , مفردة الجوع قصية عصية على فهم من يـبيـت دفـآن شبعان ريـان , فتتحول لوجبـة تجريدية تـأنفها معـدة الواقعية .... رذاذ المطر , أستمع لتسبيحه على زجاج السيارة وكل بدنها , لذة الهواء الساخن تنبعث من فتحات التهوية , أكاد أشعر بالخلـود , بالعظمة , ربما نوع من البـارانويـا يعلق بقطرات المطر , فينقطع حبل الرجاء حينها بيني وبينهم , أنـتـفخ وأنتشي , ثم أتناساهم , أنا الفرد المحظي , العالم عندي ما يبقي على مسافة أمان بيني وبين هؤلاء , نعم , أنا أصلي الجمعة , وفوقها أصوم أيضا , وقد أعتمر , اؤمن بالله , وأطمح بالجنة , أشارك في الدعاء ضد الغزاة في أي مكان من الأرض , لعنت شارون وبوش مع اللاعنين , سخطت من جوني أبي زيد , ولم أرتح لموفاز , حزنت لمجازر نابلس وغزة , وخجلت مع الشعب الكادح بعد أبي غريب .... صحيح أني لا أدفع زكـاة مالي , أي نعم اني لا أتبرع بنقودي إلا بما يخرس الألسن أمام بعض الدهماء , وصحيح أني أمرر صفقات غير شرعية ( ككل التجار ) هكذا أقول ما أعتقد بأن الجميع يردده , لكني رجل خير , أتمنى أن يزول الفقر , كيف يزول الفقر , لا أعلم...؟ ربما طريقة سحرية كالتي سمعتها من صديقة عاقلة رددت المقولة الشهيرة : إن أردت أن تقضي على الفقر , فاقتل كل الفقراء , هكذا يسود الرخاء ..!! ربما أرتشي , ربما أزوّر بعض المعاملات , ربما أمرّر صفقات مسمّمة للناس , ربما أدمـر اقتصاد البلاد , ربما أتنزه بين كان وموناكو , وربما على ضفاف بحيرة ليمان , أو على ضفاف اللوار والدانوب , هذا فيما لو طرأ طارىء , لكني وطني , نشـمي , عربي أصلي مأصل , وربما أكون من الأشـراف , وما أكثر نسل الأشراف في أيامنا , نعم , أنا ببساطة مخلوق إنساني من الطراز الأول , فأنا مع المنددين , والشاجبين , واللاعنين , أنا مع المستنكرين المدينين والقلقـين , أنا مع المطبلين والمزمرين , أنا مع المطبعين والمطوعين , أنا من يفعل كل هذا وذاك ولكن , بعد أن أقول : ( كل الناس هيك ماشيه ) , ( إذا لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب ) ( ياعمي بلا فزلكات وعطيني واحد ما بيقدم رشوة مشان يمشي شغله ) ...( ايه كل الناس بترمي وسخ بالشارع وقفت علي يعني ...!!؟ ) ( أخي السارق من السارق كالوارث من أبيه ..) ( يابي .. هاتلي واحد شريف ) ...أخي ..عمي ..أخي ..عمي ..أخي ..يابي ..خالي ....عمي ...ا!! ايه انشاالله العمى ضربك وضربه , وضرب أخوك وأخوه , عمك وعمه , وخالك وخاله يابي , والعمى يضرب هالزمان العاطل ....!! لكن , يبقى من يبحث عن لقمة العيش , يبقى من يبحث عنها رغما عني وعن أمثالي وهو يعشق كرامته , ويحتفظ بماء وجهه , ولا يعلم الناس أنه بات طاويا , يؤثر عض الجوع مع العفـة , يفضله على الإتجـار بقطع نادر لا أعرفه , غريب عني , بون شاسع وسفر بعيد ورحلة شاقة , قد يراني الكثير من الواصلين لمآربهم بنجاح عزيز , لكن , فرق كبير , بين يد تـتطاول لتـحوز الذهب , وبين يد هي الذهب ذاته , قنواته غير قنواتي , محطاته نائية عن محطاتي , أعيادهم لها معنى , وعيدي ما هو إلا رقم في دورتي المالية السنوية , قيمتهم باقية في علو وزهـو حق خليق بهم , وقيمتي مادتها قد تنخفض مع داوجونز , أو كاك , أو نيكاي وناسداك , قيم كهذه , تنهار في أوقات كثيرة , وبكل يســر وغفــلة و سهولة ... أي عيد هو هذا الذي نرفـل بثيابنا الجديدة , أي عيد هو الذي نرى فيه زحام الخلائق ونحن في بعد عنهم كبير , أي عيد هذا الذي نمتهن فيه النفاق والرياء والتمثيل على أنفسنا قبل الناس , أي عيد هذا الذي لا نتمنى فيه السعادة كحقيقة لسوانا , أي عيد هذا الذي ننحر فيه مع الخراف آمـال الأيـامى , ولا نمسح فيه على هامات اليتامى , أي عيد هذا الذي نكوم فيه كل أصناف البسطرمة , والرومي والضـأن , الحمام والفري , الكافيار والأسقمري والرنجة والمحار , نغوص في كل تلك المتع , ونعلم علم اليقين أن الفقر تحت أبنيتنا قد يكمن بنظرة أب كريم عفيف مقهور يحمل ربطة خبـز ودجاجة مشوية , هي خير ما يستطيع الدخول به في يوم كهذا على أطفاله ..... تذهب اللحظات , نرمي بكل تلك الألـوان من الطعام والشراب , فلا متسع في الثلاجـة , صدقوني , لم يمس بعضها , نرميها مع دخول صباح جديد , فأنا فرد عندي الكثير , ماذا أفعل به ..سأرميه إذن , وعلى الضفة الأخرى ربما سـنتعرف فرحة الأطفال ودجاجتهم المشوية , فرحين بها , لا يخلفون من العظم إلا النذر اليسير , فالفقر يدفعك لاحتـرام نعم الله ... وأعـود للبداية .... فـأنــا ... لا آكـل البـاذنجـان , ولا الخبز بجانب الأرز , وأستثقل الموز على معدتي , لم لا , ولدي فضيلة الاختيــار مرحبـا بالأعيــاد ... أحمد علي المصطفى - شام برس
|