إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow ابن رشد و تدبير السياسة
ابن رشد و تدبير السياسة Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
05 شباط 2008 الساعة 18:17
د. فريد العليبي - شبكة العلمانيين العرب

ظلت إشكالية السياسة لدي ابن رشد مجهولة من طرف القارئ العربي علي مدي عهود طويلة فقد نظر إلى كتب ابن رشد المتداولة علي أنها أبعد ما تكون عن السياسة و قضاياها ، لكن المتمعن في كتاب ابن رشد العائد لتوّه إلي اللغة العربية بعد غربة طويلة ، و نعني بذلك " مختصر كتاب السياسة لأفلاطون " [1] لا يمكنه إلا أن يعود إلي تلك الكتب دارسا إياها بعين جديدة ، فالخطاب الرشدي المبثوث في مؤلفات أبي الوليد العديدة ، يشي بمجموعة من الأفكار السياسية التي لا تتطلب فقط الإحاطة بمفاصلها و تفكيك آلياتها و إنما كذلك فهم ما قاله ابن رشد في مواضع أخري علي ضوئها، و فهمها هي ذاتها علي ضوء ما قيل في تلك المواضع ، فإشكالية السياسة إنما تمثل ضمن المتن الرشدي جزءا من كل ، و يستدعي الأمر تناولها علي هذا الأساس بالذات ، و بالتالي إخضاعها للمساءلة الفلسفية و تبيّن طبيعة المساهمة الرشدية في حقل الفلسفة السياسية .

و المقاربة الرشدية للمسألة السياسية مشبعة بالعودة إلي الأصول اليونانية و العربية ، فقد استحضر ابن رشد أفلاطون و أرسطو و الفارابي في ثنايا الكتاب الذي وضعه. كما اعتمد النص الأفلاطوني الذي شرحه كنقطة ارتكاز لنقد واقع عصره ، فنحن معه إزاء قول فلسفي حريص علي التدخل في مجريات المعيش الاجتماعي السياسي ، تشريحا و نقدا حيث يقول أبو الوليد " و الاجتماعات في كثير من الممالك الإسلامية اليوم ، إنما هي اجتماعات بيوتات لا غير ، و إنما بقي لهم من النواميس الناموس الذي يحفظ حقوقهم الأولي . و بيّن أن جميع أموال هذه المدينة أموال بيوتات ، و هم يضطرّون في بعض الأحيان إلي أن يخرجوا من البيت ما غلي من ممتلكاته ، و يدفعونه إلي من يقاتل عنهم ، فيعرض من ذلك مكوس و غرامات ، و القوم من هؤلاء صنفان ، صنف يعرف بالعامّة ، و آخر يعرف بالسّادة ، كما كان عليه الحال عند أهل فارس ، و كما عليه الحال في الكثير من مدننا ، و في هذه الحال يسلب سادتهم عامتهم ، و يمعن السادة في الاستيلاء علي أموال (العامة ) إلي أن يؤدي بهم الأمر إلي التسلط ، كما يعرض هذا في زمننا هذا و في مدننا هذه " [2]

و يذهب ابن رشد إلي أبعد من ذلك فيشير إلي ما يمكن أن يترتب عن ذلك الوضع من رد فعل من قبل " العامة " ، رابطا بين الوضع الاجتماعي و طبيعة السلطان السياسي بقوله " وإذا اتفق مع هذا أن كان هؤلاء الرؤساء لا يقسّمون فيهم بالعدل هذه الأموال المأخوذة منهم ، و كانوا يتسلطون عليهم ، كان ذلك أشد الأمور قسوة علي العامة ، و عندها يعملون للإطاحة بهؤلاء الرؤساء ، و يجتهد السيد فيهم في التغلب عليهم ، و لذلك تصير هذه المدينة في غاية المناقضة لمدينة جودة التسلط ، و الأموال المكتنزة أصلا في هذه المدينة هي اليوم في حقيقة أمرها أموال بيوتات أعني أنها من أجل بيوت السادة " [3] . و من البيّن أن ابن رشد من خلال حدّيثه عن " زماننا هذا و مدننا هذه " و " هذه المدينة اليوم " إنما يركز نظره علي المعضلات التي تعصف بالمجتمع الأندلسي و هو يعيش آخر أيامه ، مستعملا العقل سلاحا ، هذا العقل الذي أضحت سهام الجمود الفكري كلها متجهة صوبه ، في لحظة تاريخية تكلست فيها الأطر الاجتماعية السياسية و الفكرية ، مما استدعي خضّها بقوة لفضح ما يعتريها من نقائص ، و قد حاول ابن رشد القيام بذلك فجاء كلامه شهادة علي ما انحط إليه المجتمع الأندلسي من جور و تسلط فساءت أحواله و أضحت كل العلامات تشير إلي قرب انفجاره.

إن هذه الاعتبارات تتيح لنا مساءلة إشكالية السياسة في فلسفة ابن رشد في مستوييها المتصلين بتلخيص النص الأفلاطوني من جهة ، و من جهة ثانية بتدخل ابن رشد في ذلك النص لكي يسلط من خلاله نقده علي الوضع الذي يعاصره ، فابن رشد لم يكن مجرد ملخص للنص ، و إنما يتجاوز ذلك لكي يدلي بأفكاره الخاصة بشان القضايا المثارة ، في صلة بالهاجس الاجتماعي السياسي الذي أملي عليه قول ما قاله بعبارة صريحة حينا ، و التلميح و الإشارة أحيانا أخري ، بل إن صمته إزاء بعض المشكلات كان يكفي لكي ينطق بما يفكر فيه .

و اللاّفت للنظر أن المقاربة الرشدية بمضامينها المختلفة قد هاجرت بسرعة إلى أوربا، فترجمت العديد من مؤلفات ابن رشد إلى اللاتينية والعبرية ، و استثارت ردود فعل متباينة قبولا و رفضا ، و لكنها مارست في كل الحالات تأثيرها في تربة الثقافة الأوربية ، فـ" بالرغم من الإدانات المتوالية من السلطات الدينية المشرفة علي جامعة باريس في سنة 1271م وسنة 1277 م على وجه الخصوص ، فقد ظلت مؤلفات و شروح ابن رشد تحظي بعناية وافرة لدي المشتغلين بالفلسفة في أوربا في النصف الثاني من القرن الثالث عشر " [4]

أما بالنسبة إلى العرب فقد ظلت في منفاها ألقسري إلى وقت قريب ، و إذا أخذنا الجانب السياسي بعين النظر فان الكثير من الطروحات الرشدية حول نمط الحكم و العلاقة بين الدين و السياسة و موقع المرأة في المجتمع ، و الدور الذي علي الفيلسوف أن يؤديه في المدينة ، لا تزال تعاني من غربة إلى حدّ اليوم ، و لم تشق بعد طريقها إلى نسيج الحياة الاجتماعية و السياسية .

لقد حفّت بتشكل فلسفة ابن رشد عوائق شتي ، وصلت إلى حدّ إحراق كتبه و نفيه و لم يكن فيلسوف قرطبة علي جهل بذلك ، بل إننا عندما نقرأ كلماته التالية التي كتبها قبل محنته نلاحظ أنه كان علي بيّنة مما كان يمكن أن يحصل له ، يقول " من هذا النوع من الناس تظهر فئة السفسطائيين القائمين علي أمر هذه المدن ممن يعرضون عن كل ما هو جميل كالفلسفة و غيرها ، و يستحسنون كل ما هو قبيح ، و بالجملة كل الشرور المدنية الواقعة في مثل هذه المدن ، أما آراؤهم و تسلطهم علي المدن ، فهي أكبر أسباب ضياع الفلسفة و انطفاء نورها ، و ستعلم إذا تفحّصت الأمر أن أمثال هؤلاء الرجال هم الأكثر عددا في هذه المدن ، فإذا ما نجا أحد من الخلق في هذه المدن ، فانك لن تعدو الحق إذا قلت بان الله اصطفاه بعنايته السرمدية" [5]. فهل كان ابن رشد يشير إلى وضعه هو بالذات قبل أن يؤول إلى ما آل إليه من إقصاء و نفي ؟ هل كان يستحضر في ذهنه مصير ابن باجة الذي وجّه سهام نقده إلى وضع مماثل فقضي مسموما علي يد أعدائه ؟

لقد كان ابن رشد مدركا للمخاطر التي تتهدد القول الفلسفي العقلي في بيئة تخشبت ذهنيتها فأطلقت العنان لتكفير التفكير، و قد سار بحذر شديد و هو يواجه هذه الذهنية ، محاولا تجريدها من أعز أسلحتها و نعني بذلك المقدس الديني ، و رغم ذلك فان ردّة الفعل كانت عنيفة ، متّخذة شكل حملة ضارية أحرقت خلالها كتب الفلسفة وسط تهليل جمهور لا عقل له، و حرّم الاشتغال بالفلسفة بمرسوم أميري [6]

إن هذه الظروف المختلفة التي أحاطت بتشكل الخطاب السياسي الرشدي تتطلب المساءلة الفلسفية و الخوض في ذلك بالرجوع إلى النص ذاته و دراسته باعتماد المقارنة بينه و بين الآثار الرشدية الأخرى من جهة ، ومن جهة ثانية دراسته علي ضوء ما تضمنه النص الأفلاطوني الذي تعامل معه ابن رشد و النص الأرسطي الذي لم يحصل عليه ، و تأويلات جالينوس للنص الأفلاطوني و الموقف الرشدي منها ، و ما عرفه الفكر العربي من آثار فلسفية تخوض في الحقل نفسه، ونعني الحقل السياسي باستحضار الفارابي و ابن باجة كمصدرين هامين للتدبير المدني لدي العرب ، بالإضافة إلى فكر ابن تومرت و تجربته السياسية ، أي تأثيرات الثورة الموحدّية علي تناول ابن رشد لإشكالية السياسة.

إن دراسة مثل هذه تضعنا مباشرة أمام سيل من الأسئلة التي تتطلب الفحص و تلمس الأجوبة الممكنة بخصوصها، فقد تناول ابن رشد قضايا عديدة لا تزال تحتفظ من حيث طرحها براهنيتها بالنسبة للعرب علي وجه الخصوص ، و من بينها تعقل السياسة و تعدد أنظمة الحكم و أي منها ينبغي تفضيله علي غيره ، و الدور الذي يتوجب علي المرأة أن تضطلع به في المدينة وقضايا العدل و الحرية و الحرب والسلام .

لقد حرص ابن رشد علي تمثل علوم عصره فكانت محاولته تعقل الشأن السياسي من خلال التأسيس البرهاني للتدبير المدني، لأجل ذلك أكد علي ضرورة تحديد موضوع السياسة و الأسس التي تقوم عليها، و أوجه التماثل و الاختلاف بينها و بين المباحث الأخرى ، و عند قيامه بذلك أعلن انحيازه الكامل للعلم الأرسطي بأقسامه المختلفة .

و إذا كان لم يطلع علي سياسات أرسطو، فانه يبذل جهدا لكي يتمثل التصور الأرسطي للتدبير المدني، سنده في ذلك ما اطلع عليه من مؤلفات أرسطو. و عند بحثه في مواضيع العلوم و مبادئها يلاحظ أن هناك اختلافا جوهريا بين العلوم العملية و العلوم النظرية ، فموضوع العلم العملي الذي يتضمن السياسة و الأخلاق هو الأفعال الإرادية التي تصدر عن البشر و مبادؤه الإرادة و الاختيار، أما موضوع العلم النظري الذي يشتمل علي علم التعاليم بأقسامه المكونة من الحساب و الهندسة و الفلك و الموسيقي فهو الأشياء الطبيعية، ومبادؤه الطبع و الطبيعة ، يقول ابن رشد " أما أن هذا العلم المشهور بالعلم العملي يباين بجوهره العلوم النظرية ، فهذا مما لا شك فيه و لا جدال ، إذ كان موضوعه يختلف عن موضوع من موضوعات العلوم النظرية ، و مبادؤه تختلف عن مبادئها . و ذلك لأن موضوع هذا العلم هو الأفعال الإرادية التي تصدر عنا ، و مبادؤها الإرادة و الاختيار ، كما أن موضوع العلم الطبيعي هو الأشياء الطبيعية و مبادؤها الطبع و الطبيعة " [7]. يتعلق الاختلاف إذن بالموضوع المدروس و المنهج المتبع في الدراسة سواء بسواء ،. حيث يرسم ابن رشد الحدود الفاصلة بين العلمين المشار إليهما علي هذا المستوي بالذات ،أي مستوي المواضيع و المناهج .

و بعد أن يحدّد الفرق بين العلم النظري و العلم العملي بهذه الصورة ، يواصل تدقيق المسألة المثارة، فيتناول الفرق بينهما علي مستوي الغايات بقوله :" ثم إن هذا العلم يختلف أيضا عن العلوم النظرية من جهة أن غاية العلم هذه هي العلم لذات العلم ، و إن وجد فيها ما له صلة بالعمل فبالعرض ، كما هو الشأن في كثير من الأمور التي ينظر فيها أهل التعاليم . و لما كان هذا العلم الغاية منه العمل فقط ، فان أجزاءه المستفادة مما هو عملي تختلف بالقرب منه و البعد ، و لهذا فما كان من الأمور العامة المستنبطة في هذا العلم أكثر كلية كان أكثر بعدا عن العمل، و ما كان منها أقل كلية ازداد منه قربا ، لكونها مستفادة مما هو عملي ، و ذلك كالأمر في صناعة الطب : و لذلك سمي القسم الأول منها بالقسم النظري، و القسم الثاني بالعملي " [8]

بيّن إذن أن غاية العلم النظري هي " العلم لذات العلم "، و الذي يحيط بهذا العلم غير مطالب بان يمر به إلى مستوي ممارسته أما غاية العلم العملي فإنها تتمثل في العمل، مما يجعل المعارف المترتبة عنه تقتضي ممارستها . و إذا ما ارتبط علم نظري ما بغاية عملية، فان ذلك يحدث اتفاقا فقط .

و بعد أن يدقق الحدود التي تفصل العلمين عن بعضهما البعض يتجه صوب تدقيق معني العلم المدني و النظر في الأقسام المكونة له بقوله " و لهذا السبب انقسمت هذه الصناعة ( العلم المدني) إلى قسمين : قسم أول تذكر فيه الملكات و الأفعال الإرادية و العادات جملة، في مقالة جامعة ، تعرف منها نسبة بعضها إلى بعض ، و أي الملكات تؤثر في غيرها ، و القسم الثاني يفحص فيه عن الكيفية التي ترسخ بها هذه الملكات في النفوس ، و كيف تعمل ملكة في أخري ، حتى يكون الفعل الحاصل من الملكة المقصودة علي أكمل وجه ، و أي ملكة تكون كالعائق لغيرها " [9]

و يلاحظ ابن رشد أن كتاب أرسطو " في الأخلاق إلى نيقوماخوس " يخوض في القسم الأول من العلم المدني ( الأخلاق) أما القسم الثانى (السياسة) فيطرقه أفلاطون في كتابه "الجمهورية" و حتى يكتمل بنيان هذا العلم يلجأ إلى تلخيص مؤلف أفلاطون لتعذر الحصول علي كتاب أرسطو في السياسة ، يقول : " و القسم الأول من هذه الصناعة يتضمنه الكتاب المعروف بـ"نوكوماخيا " لأرسطو ، و الثاني يفحص عنه في كتابه المعروف بـ " السياسة " و أيضا في كتاب أفلاطون الذي نروم تلخيصه هاهنا, نظرا لأننا لم نحصل علي كتاب أرسطو " [10]. غير أن طريق ابن رشد إلى هذا الهدف لم تكن سهلة ، فالكتاب الذي يتعامل معه يعود إلى مرحلة ما قبل العلم الأرسطي ، لذلك توجب عليه تنقيته من كل ما هو غريب عن العلم ، فخطاب أفلاطون في السياسة تخللته الأساطير و اختلط فيه البر هاني بالجدلي .

و لكي توضع الأمور في نصابها العلمي ينبغي الاحتفاظ بما هو برهاني و تجاهل ما عداه ، و هذا هو الذي فعله ابن رشد فقد تعامل مع الكتاب بانتقائية تعلن عن ذاتها بصراحة ، فاستبعد الأقسام التي لا علاقة لها بالسياسة كعلم ، و ركز النظر علي الأقسام الأخرى التي تندرج ضمن مسعاه القاضي بالتأسيس البرهاني للسياسة .

وإذا كان كتاب " الجمهورية " قد جاء في شكل حوارات فان ابن رشد صاغ مجموع آراء أفلاطون بخصوص السياسة وفق أسلوب يعتمد تحليل القضايا ، و عند بحثه في الكيفية التي يمكن أن يتأسس بها علم السياسة، يعمد إلى تناول الأرضية التي يمكن أن يقوم عليها ، ملاحظا أنها تتمثل في علم الأخلاق الذي يتأسس بدوره علي علم النفس، مما يعني أن علم الأخلاق و علم السياسة يجدان في علم النفس أساسهما المشترك باعتبارهما ينتميان إلى علم واحد هو العلم المدني ، و لذلك فانه عندما يعرض لرئاسة الفيلسوف للمدينة يشبهها برئاسة العقل للنفس ، يقول " فبيّن إذن أن الرئاسة هي لهذا الجزء من المدينة ، أعني أهل العلوم النظرية و من هو علي رأسهم و كذلك الشأن في النفس، فالعدل هو أن يفعل كل جزء من أجزائها ما هو عليه أن يفعل ، بالقدر الذي يجب ، و في الوقت الذي يجب . و هذا إنما يحصل بالضرورة في أجزاء النفس إن قادها سلطان العقل " [11]

و عند الحدّيث عن نشأة المدينة ، يلاحظ أن ما يفرض تلك النشأة هو حاجة الإنسان إلى الاجتماع و استحالة عيشه في عزلة عن بقية الأفراد المحيطين به ، إذ :" أن الإنسان يحتاج في حصوله علي فضيلته إلى أناس غيره ، و لذلك قيل بحقّ عن الإنسان انه مدني بطبعه " [12]

و هذا الاجتماع ينبغي أن يخضع برأيه إلى تدبير عقلي كي ينظم علي النحو الذي يضمن للإنسان حريته و كرامته ، و إلا فانه يكون ضالا جاهلا ، تسلط خلاله علي الناس شتي صنوف القهر . و من ثمة يفرق فيلسوف قرطبة بين نوعين من السياسات : سياسة فاضلة و سياسة ضالة . فمن جهة هناك المدينة الفاضلة و من جهة ثانية هناك المدن الأخرى التي تتصف بالضلال و تسبب للفرد الشقاء ، فإذا كانت المدينة الفاضلة حكيمة ، شجاعة ، عفيفة ، عادلة ، فان المدينة الضالة فاسدة ، جاهلة ، جائرة ، يقول " و بيّن أن هذه المدينة إذا كان حال أهلها هذه الحال ، فإنها ستخلو من الحسد و البغضاء . و كذا من سوء الحال ، و غير ذلك من الشرور القائمة في هذه المدن ( الأخرى ) ، و لذلك فلا حاجة لهم إلى سنّ العقوبات درءا للاستيلاء علي الأموال، أو السرقة أو غير ذلك من هذه الأمور القائمة في هذه المدن . بل إن هؤلاء القوم هم في غاية السموّ و السعادة ، فإنهم سعداء لا يلحقهم شئ من تلك الشرور التي تلحق أهل هذه المدن " [13]. و يبدو ابن رشد من خلال هذا التحديد للمدينة الفاضلة و أحوالها، كأنما يستحضر ابن باجة الذي يقول بخصوصها: " و بيّن أن المدينة الفاضلة قد أعطي فيها كل إنسان أفضل ما هو معدّ نحوه ، و أن آراءها كلها صادقة ، و انه لا رأي كاذب فيها ، و أن أعمالها هي الفاضلة بإطلاق " [14]

و من الواضح أن المقاربة الرشدية لمسألة أنظمة الحكم تضعنا منذ البدء على أرضية رسم الحدّ الفاصل بين نظامين متمايزين من حيث طبيعتهما ، نظام فاضل ، و نظام فاسد . و لئن كان ابن رشد يتبع رئيسيا نفس التقسيم الذي وضعه أفلاطون لأنظمة الحكم : المدينة الفاضلة ، مدينة الكرامة ، مدينة الأقلية الموسرة ، المدينة الجماعية ، مدينة وحدانية التسلط ،فانه يضيف إلى ذلك نوعن آخرين وهما مدينة الضرورة و مدينة الشهوة، في تفاعل واضح مع فلسفة الفارابي السياسية. كما أنه يركز النظر بصورة لافتة على قضية تأسيس المدينة الفاضلة ، فيخوض في هذا الأمر من مختلف جوانبه بما في ذلك بحث إمكانية المرور بالمدينة الفاضلة من مستوى التصور الفلسفي إلى مستوى التطبيق العملي . و يقدم بهذا الخصوص إجابة واضحة ، فالمدينة الفاضلة ممكنة التحقيق فعليا و في الأندلس نفسها ، لذلك نراه يورد اعتراضا ممكنا على نشأتها ثم يقوم بنقضه درءا لكل تشكيك ، يقول " فان قال قائل : إذا كان وجود هذه المدينة إنما يكون ممكنا بوجود مثل هؤلاء القوم ( الفلاسفة) و بتلك الصفات التي نشأوا عليها في هذه المدينة ، فلا سبيل إذن إلى وجود هذه المدينة ، و صار ما كنّا نعتقده ممّا افترضناه في قولنا ممتنع الوجود ؟ و الجواب هو انه يمكن أن نربي أناسا بهذه الصفات الطبيعية التي وصفناهم بها ، و مع ذلك (= إلى جانب ذلك ) ينشأون و قد اختاروا الناموس العام المشترك الذي لا مناص لأمة من هذه الأمم من اختياره ، و تكون مع ذلك شريعتهم الخاصة بهم غير مخالفة للشرائع الإنسانية ، و تكون الفلسفة قد بلغت علي عهدهم غايتها . و ذلك كما هو عليه الحال في زماننا هذا و في ملتنا هذه [ الإسلام] ، فإذا ما اتفق لمثل هؤلاء أن يكونوا أصحاب حكومة وذلك في زمن لا ينقطع، صار ممكنا أن توجد هذه المدينة " [15]

و بذلك فانه يري في التأسيس الفعلي للمدينة الفاضلة قطيعة مع ما آل إليه الوضع السياسي في الأندلس من فساد كان سببه التنكر للفلسفة و الفلاسفة " الذين هم حقا فلاسفة " [16] و إتباع السفسطائيين " ممن يعرضون عن كل ما هو جميل كالفلسفة وغيرها ، و يستحسنون كل ما هو قبيح ، و بالجملة كل الشرور المدنية الواقعة في مثل هذه المدن" [17] . و بالتالي فان من أوكد المهام التي ينبغي القيام بها لفتح السبيل أمام تأسيس نظام حكم فاضل، إعادة الاعتبار للفيلسوف و الكفّ عن اضطهاده، فالفلسفة وحدها بإمكانها إصلاح ما فسد ، أي أننا إزاء دعوة صريحة من قبله إلى القطع مع وضع تسوده أنظمة حكم فاسدة ، أداتها المادية القمع المباشر للبشر ، و سندها الإيديولوجي الأكاذيب الخطابية التي يروجها سفسطائيون ينتدبون للغرض . هذه الأنظمة السياسية الضالة التي تحيل الفيلسوف الحقيقي إلى الصمت، و تحكم عليه بـ"التوحّد " ، يقول ابن رشد " و إذا اتفق و نشا في هذه المدن فيلسوف حقيقي ، كان بمنزلة إنسان وقع بين وحوش ضارية ، فلا هو قادر علي أن يشاركها فسادها ، و لا هو يأمن علي نفسه منها ، و ذلك بأنه [يفضل] التوحّد و يعيش عيشة المنعزل " [18]

و يعطي ابن رشد أهمية كبري للممارسة السياسية ، أي لما يطبق واقعيا ، إذ يمكن لهذا الحاكم أو ذاك أن تكون آراؤه جميلة، و لكن ممارسته تناقض ذلك ، مما يتطلب الحكم علي صنيع النظام السياسي لا من خلال ما يقوله أصحابه عن أنفسهم ، و إنما من خلال أعمالهم ، يقول عند الحديث عن تحول المدينة الناقصة إلى مدينة فاضلة " و بالجملة فتحولها إلى مدينة فاضلة أقرب إلى أن يكون في هذا الزمان بالإعمال الصالحة منه بالآراء الحسنة ، و أنت تلمس ذلك في مدننا . و بالجملة فلن يصعب علي من كملت لديه أجزاء الفلسفة و [اطلع] علي طرق تحول المدن أن يري أنها لن تؤول نحو الأفضل بالآراء [وحدها] " [19]

و من المسائل التي عرض لها ابن رشد بالتحليل مسألة المرأة و الموقع الذي ينبغي أن تشغله في المجتمع . و يكشف تحليله لهذه المسألة عن تمثلها من جهة كما وردت علي لسان أفلاطون، و من جهة ثانية كما هي عليه واقعيا ضمن المحيط الثقافي الذي عاش فيه و من ثمة تبين الآفاق الممكنة لتحرر جمهور النساء ، لما لذلك من علاقة وثيقة بتطور المجتمع ، فالمشروع السياسي الرشدي إنما يهدف إلى مقاصد كبري تتصل بمجموع الشعب الذي يمثل جمهور النساء وفق ابن رشد سواده الأعظم ، و إذا ما ظل ذلك الجمهور علي تخلفه ، و أستبعد من المشاركة في الحياة الاقتصادية و السياسية و الثقافية، و سجن بين جدران أربعة ، فان النتيجة تكون تخلف المجتمع بأسره ، الذي سوف يرزح لا محالة تحت عبء الفقر و الجهل . و تقوم إستراتيجية ابن رشد في تناول هذه المسألة ، علي نسف المرتكزات النظرية التي تعتمد تقليديا لاستعباد المرأة ، و إقصائها من كل مشاركة في الحياة العامة ، لأجل ذلك ينصب اهتمامه علي تأكيد المساواة النوعية بين المرأة و الرجل من حيث امتلاك العقل، مما يعني أنهما من طبيعة واحدّة باعتبارهما بشرا ، مؤكدا انه إذا كانت هناك اختلافات ، فهي اختلافات كمية و ليست نوعية ، يقول: " إن النساء من جهة أنهن و الرجال نوع واحد في الغاية الإنسانية ، فإنهن بالضرورة يشتركن و إياهم فيها [ الأفعال الإنسانية] ، و إن اختلفن عنهم بعض الاختلاف ، أعني أن الرجال أكثر كدّا في الأعمال الإنسانية من النساء ، و إن لم يكن من غير الممتنع أن تكون النساء أكثر حذقا في بعض الأعمال ، كما يظن ذلك في فنّ الموسيقي العملية ، و لذلك يقال أن الألحان تبلغ كمالها إن أنشأها الرجال و عملتها النساء " [20]

و مثلما هو بيّن ، فان الأمر لا يتعلق بتناقض بين الجنسين يؤدي إلى التمييز بينهما ، و يشرع أفضلية هذا علي ذاك ، و إنما باختلاف في تأدية بعض الأعمال ، و بوحدة في النوع الذي هو الكائن الإنساني . و عندما يقرّ ابن رشد بتفوّق الرجل علي المرأة في بعض المهن، فانه لا يترك الأمر يمضي هكذا دون أن يرد للنساء ما لهن من صفة التفوق علي الرجال في مهن أخري ، فتكون النتيجة هنا كذلك اختلافا لا يمكن أن يكون مبرّرا للتمييز بين الجنسين . بل انه يذهب إلى بعد من ذلك ، مؤكدا أن الكثير من المهن التي يعتقد عادة أنها حكر علي الرجال يمكن للنسوة القيام بها ، و من بينها أن يكن فيلسوفات و رئيسات و محاربات ، يقول " و قد يتبيّن ذلك غاية البيان بالفحص ، و ذلك أننا نري نساء يشاركن الرجال في الصنائع إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة ، و إن كان معظم النساء أشد حذقا من الرجال في بعض الصنائع ، إلا أنهن في هذا أقل منهم قوة ، و إن كان معظم النساء أشد حذقا من الرجال في بعض الصنائع ، كما في صناعة النسيج و الخياطة و غيرهما ، و أما اشتراكهن في صناعة الحرب و غيرها ، فذلك بيّن من حال ساكني البراري و أهل الثغور و مثل هذا ما جبلت عليه بعض النساء من الذكاء و حسن الاستعداد فلا يمتنع أن يكون لذلك بينهن حكيمات أو صاحبات رياسة " [21]

و إزاء المشكّكين في ذلك يلجا ابن رشد إلى الحجاج الفلسفي، مؤكدا أن وجهة نظره إنما تصدر عن فحص و تدقيق وأن البراهين التجريبية تدعمها ، يقول " وقد تبيّن ذلك بالفحص في الحيوان ، أعني أنه ينبغي أن يكون هناك في النساء حافظات ، و ذلك[ حاصل] عند الحيوانات التي شبّهنا بها الحافظ فيما تقدم . و نري هذا في أنثي الكلاب ، فهي تحمي ما تحميه الذكور منها ، و تصارع ما تصارع ذكورها ، غير أنها أضعف منها في ذلك . و قد جعلت الطبيعة أحيانا للذكر ـ و هو نادر ـ آلة بها يحارب و لم تضعها للأنثى ، كما هو عليه الحال في الخنزير ( الوحشي ) ، و لما كانت الآلات ( = كالأنياب و المخالب ) التي بها تهاجم الحيوانات التي من شأنها أن تهاجم ، هي في الذكر منها و الأنثى في الأغلب علي حدّ سواء ، فذلك دليل علي أن الأنثى تفعل هي أيضا نفس ما يفعله الذكر " [22]

يحرص ابن رشد إذن علي تأكيد المساواة بين الجنسين ، محاولا البرهنة على ذلك عقليا و تجريبيا ، و لنا أن نتساءل عن سرّ هذا الحرص ، و للإجابة نقول : إن ذلك مرتبط بمشروع التجديد السياسي الاجتماعي الذي يطمح إلى جعله حقيقة واقعة بالنسبة لمجتمعه و عصره ، فالأمر لا يتوقف مثلما ذكرنا على مجرد تلخيص وجهة نظر أفلاطون في السياسة ، و إنما الإنكباب علي مشكلات واقعية تعوق حركة مجتمعه ، فالنظرة الدونية للمرأة و استبعاد النساء من عملية الإنتاج الخ.. عوامل من شأنها جعل المجتمع يتخبط في الفقر و التخلف ، لذلك ينتقد ابن رشد إبقاء المرأة في البيت ، و يشير بضرورة خروجها للعمل لتشارك الرجل الأنشطة الفكرية و العملية ، فمن أسباب شقاء المدن سجن النساء في البيوت ، و اختزال طاقتهن في الحضانة و طهي الطعام و غسل الثياب و خدمة الأزواج ، فهن يؤلفن وفق تقديراته ثلثي السكان ، فإذا ما أصابت هذا العدد الهائل من الناس العطالة فان المجتمع بأسره سوف يتأثر لا محالة ، يقول " و إنما زالت كفاية النساء في هذه المدن لأنهن أتخذن للنسل دون غيره ، و للقيام بأزواجهن ، و كذا للإنجاب و الرضاعة و التربية ، فكان ذلك مبطلا لأفعالهن [الأخرى] . و لما لم تكن النساء في هذه المدن مهيئات علي نحو من الفضائل الإنسانية، كان الغالب عليهن فيها أن يشبهن الأعشاب . و لكونهن حملا ثقيلا على الرجال صرن سببا من أسباب فقر هذه المدن ، و بالرغم من أنهن فيها ضعف عدد الرجال فإنهن لا يقمن بجلائل الأعمال الضرورية، و إنما ينتدبن في الغالب لأقل الأعمال كما في صناعة الغزل و النسيج ، عندما تدعو الحاجة إلى الأموال بسبب الأنفاق ، و هذا كله بيّن بنفسه " [23]

و الواضح من هذه المعالجة للمسألة النسوية أنها تروم إصلاحا سياسيا اقتصاديا اجتماعيا ، فجمهور النساء أضحي على هامش الحياة الاقتصادية جرّاء استبعاده القسري ، مما جعله يشغل موقعا طفيليا ، يستهلك دون أن ينتج ، مثله مثل الأعشاب الطفيلية ، و للنهوض بالمجتمع تصبح مشاركة المرأة في الإنتاج من خلال انخراطها في العمل متأكدة . و للاتجاه صوب هذا الهدف يحاول ابن رشد إقناع الرجل نفسه بان المرأة التي لا تعمل هي عالة عليه ، فهي تلحق به الأذى اقتصاديا و اجتماعيا .

انه يدعو إلى القطع مع نوع من التعامل مع المرأة أدي إلى تبليد ذهنها ، وشلّ طاقتها ، فالمجتمع الأندلسي لم يعتن بتهيئة المرأة للأعمال الجليلة فأصبحت مثل الأعشاب التي تنبت بين الزرع فتلحق الضرر به ، فهي تنمو كيفما اتفق ، و لا نفع يتأتى منها ، و من ثمة يخاطب ابن رشد الرجال ، فنزعتهم الذكورية و ما يترافق معها من تهميش دور المرأة هي سبب البلاء الذي يقعون هم بالأخص تحت وطأته.

و هو يعترض صراحة على استبعاد بعض الشرائع المرأة من أن تكون حاكمة و رئيسة ، يقول " و لما ظن أن يكون هذا الصنف نادرا في النساء ، منعت بعض الشرائع أن تجعل فيهنّ الإمامة ، أعني الإمامة الكبري ، و لإمكان وجود هذا بينهن أبعدت ذلك بعض الشرائع " [24] . و ابن رشد يستعمل هنا عبارة " ظن " لكي يبرز أن الأمر لا يرتقي إلي مرتبة اليقين ، و إنما هو من قبيل التخمين و التشكّك ، ملاحظا أن تلك "الشرائع " منعت تقلّد المرأة الرئاسة (الإمامة الكبري ) بالاستناد إلى ذلك ، أي أنها استندت إلى خلفية مشكوك في صحتها .

و عرض ابن رشد منطلقا من نفس هذه الروح النقدية التحررية إلى مسألة الحرية ، و معالجته لها تشي بنزعة تحررية لافتة، إذ عارض آراء المتكلمين و خاصة المعتزلة و الجبرية بخصوصها فقد " افترق المسلمون في هذا المعني إلى فرقتين ، فرقة اعتقدت أن اكتساب الإنسان هو سبب المعصية و الحسنة ، و فرقة اعتقدت نقيض هذا ، و هو أن الإنسان مجبور على أفعاله و مقهور وهم الجبرية " [25] . و ينقض ابن رشد تصورات الفريقين ملحقا الاشاعرة بالجبرية ، فمعضلة القضاء و القدر لا تجد حلّها في الدائرة الكلامية و إنما في الدائرة الفلسفية علي وجه الحصر. و الجدير بالتنويه هنا انه يقف علي طرفي نقيض مع الأب الروحي للدولة التي عاش في كنفها ، و نعني المهدي بن تومرت. مما يعني تنكّره للمذهب الرسمي لتلك الدولة ، و ذلك في انحياز واضح من طرفه للفلسفة. فإذا كان ابن تومرت يري أن مصير الإنسان محدّد سلفا فالسعيد سعيد في بطن أمه و الشقي شقي في بطن أمه و " جميع المخلوقات صادرة عن قضائه و قدره، أظهرها الباري سبحانه كما قدرها في أزليته من غير زيادة و لا نقصان ، لا تبديل في المقدورو لا تحويل في المحتوم ، أوجدها لا بواسطة و لا لعلّة " [26] فان ابن رشد يضفي علي معضلة القضاء و القدر طابعا عقليا صرفا ، غير انه إذا كان نقضه لأراء الجبرية مفهوما فكيف نفهم تصديه في نفس الوقت لآراء المعتزلة؟

لقد أكدت هذه الفرقة أن الإنسان مسؤول عن أفعاله فهو الذي يقوم بها ، و من ثمّة كانت مسؤوليته عنها فقد " اتفق كل أهل العدل علي أن أفعال العباد من تصرفهم ، و قيامهم و قعودهم حادثة من جهتهم ، و أن الله جلّ و عزّ أقدرهم على ذلك ، و لا فاعل لها و لا محدث سواهم " [27] . لقد رأي ابن رشد في الحلّ المعتزلي تنكرا للأسباب الموضوعية المستقلة عن إرادة الإنسان ، لذلك فهو يجرّد المتكلمين جميعهم من ادّعاء القدرة علي حلّ تلك المعضلة ، فقد كانت آراؤهم أحادية الجانب ، فالجبرية غلّبت الأسباب الخارجية، أما المعتزلة فقد غلبت الإرادة الذاتية للإنسان . بينما نحا ابن رشد منحي تأليفيا من خلال الربط بين الجانبين المشار إليهما،أي الأسباب الموضوعيّة من جهة و إرادة الإنسان من جهة ثانية ، فأفعال الإنسان إراديّة و هو مسؤول عنها لا محالة ، غير أنها تحدث ضمن محيط من الأسباب الموضوعية الضرورية المستقلة عن إرادته ، يقول " لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخّرها الله لنا من خارج و زوال العوائق عنها ، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا " [28] و اللافت أن أبا الوليد يخرج معضلة القضاء و القدر من مجال الدين إلى مجال الفلسفة ، فالنظام و الترتيب الذي عليه الكائنات هو القضاء و القدر.

و لا يختلف تناوله لمسألة العدل عما ذكرنا ه، فقد التزم في تحليلها حدود القول الفلسفي ، فالعدل برأيه إنما يتمثل في احترام كل فرد الوظيفة التي هو مؤهل للقيام بها بحكم طبيعته، فالعدل يستلزم " أن لا يقوم (الفرد) إلا بعمل واحد من الأعمال التي تحتاجها (المدينة) و هو العمل الذي أعدّ له بالطبع " [29] أي إن العدل يتطلب " احترام ما توجبه النواميس" [30] . و هذا يحيل إلى ضرورة سيادة النظام و الانسجام و التناسق ، بينما يسود الجور عندما ينتشر الاضطراب و تعم ّالفوضى .

وقد انتصر أبو الوليد لفكرة العدل شرعيا أيضا ، وتصدي لأقوال المتكلمين و خاصة الاشاعرة لقولهم إن أفعال الإنسان وحدها يمكن أن تنطبق عليها صفات مثل العدل و الجور، أما أفعال الله فهي عادلة بإطلاق، معتبرا هذا القول " في غاية الشّناعة " [31] فبرأيه هناك آيات تنص علي العدل الإلهي مثل " شهد الله انه لا اله ألا هو و الملائكة و أولو العلم قائما بالقسط " آل عمران 18 و " ما ربك بظلام للعبيد " آل عمران 182 أو " إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون " يونس 44. و يقوم حجاج أبي الوليد ضد خصومه علي وعي كامل بما يتضمّنه النص القرآني من آيات أخري تشير إلى أن الله يضلّ من يشاء و يهدي من يشاء / إبراهيم 4 أو الآية التي تقول " و لو شئنا لآتينا كل نفس هداها " السجدة 13

و في مواجهة هذا التعارض لا حلّ سوي التأويل العقلي فالإنسان مسؤول عن أفعاله كما تقدم ذكره، و الله ليس سببا للجور و إنما يتعلق الأمر بعوامل موضوعية أوجدها الله في المخلوقات، أي إن أسباب الهداية و الضلال سواء بسواء موجودة فيها، و عندما يقدم الإنسان علي هذا الفعل أو ذاك فانه وحده المسؤول عمّا اختاره لأجل ذلك يحاسب عليه . إن الله مسؤول برأيه عن خلق أسباب الضلال لا عن الضلال نفسه ، و إذا كان الله خالقا للشر فانه إنما يفعل ذلك لأجل الخير، انه " خالق للخير لذات الخير و خالق للشر من أجل الخير " [32] .

و قد أضفي أبو الوليد علي العدل دلالات ذات شأن فهو يستدعي برأيه الإصغاء لمن يخالفنا الرأي إذ " من العدل كما يقول الحكيم أن يأتي الرّجل من الحجج لخصومه بمثل ما يأتي لنفسه ، أعني أن يجهد نفسه في طلب الحجج لخصومه كما يجهد نفسه في طلب الحجج لمذهبه " [33] ، و إذا ما نزّلنا هذا القول ضمن المجال السياسي فان ذلك يعني أن العلاقة بين الفر قاء السياسيين يجب أن تقوم علي الحوار و نبذ الإقصاء

كما عرض لمسألة الحرب من ذات الزاوية ، و هو لا يتناولها نظريّا فقط ، و إنما عمليا أيضا فقد انشغل بالقضايا الواقعية التي تثيرها الحرب ، وفي كتابه الفقهي بداية المجتهد و نهاية المقتصد خصّص فصلا كاملا للحديث عن الجهاد، كما انشغل بمساءلة الحرب مفهوميّا في تلخيصه للجمهورية ، و بحث علاقتها بتأسيس المدينة الفاضلة و ديمومة بقائها .

واعتبر الحرب صناعة و حرفة تخضع لتقسيم العمل الذي يجب أن تسير وفقه المدينة الفاضلة، مما يعني وجود طبقة بعينها تقوم بهذه الوظيفة ، و هي طبقة الحرّاس (الحفظة) و رأي أن المدينة الفاضلة معنية بإكراه مدن الضّلال علي السير علي طريق الفضيلة و إذا حصل ذلك بالإقناع و السّبل السّلمية فان ذلك يكون أفضل .

لقد طرق فيلسوف قرطبة إشكالية السياسة و ما تتفرع إليها من قضايا من زاوية عقلية، و من البيّن أن الكثير من طروحاته لا تزال محافظة علي قيمتها بالنسبة إلى العرب علي وجه الخصوص ، مثل موقفه من المرأة ، و نقده للجور و الاستبداد ، ودعوته إلى النظر في الشأن السياسي من موقع التفكّر و الرويّة ، و تصدّيه لتدخّل رجال الدين في شتي مناحي الحياة الاجتماعية السياسية ، و دفاعه عن تأصيل الفلسفة في التربة العربية . و عندما نلقي نظرة على ما يحدث راهنا في دنيا العرب من انتشار التكفير و غياب التسامح و تفشّي الطائفية الخ ... نتنبه إلى راهنية ابن رشد ونقف علي مدي الحاجة للإفادة من الموروث الزّاخر الذي تركه لنا .

و إذا كانت مساهمة ابن رشد في حقل الفلسفة السياسية قد و ضعت نصب العين الارتقاء بالتعامل مع الظاهرة السياسية من مستوي التعاطي العرضي و الخطابي إلى مستوي التحليل البرهاني و هو ما ذكرناه، فان ذلك لا يعني أن السياسة قد تحوّلت معه إلى علم مستقل بذاته، فهذه المهمّة لن تنجز إلا لاحقا علي يد هوبز و ماكيفال علي وجه الخصوص، حيث ستستقل السياسة عن الأخلاق و تصبح لها مفاهيمها و مبادؤها و قوانينها المخصوصة علي المستوي الابستمي، بينما ظلت لدي أبي الوليد منشدّة إلى القيم الأخلاقية و تدور في فضاء التدبير المدني بمعناه الإغريقي .

و رغم القيمة التي تتمتع بها مساهمته فإنها لا ترتقي أيضا إلى مستوي الفلسفة السياسية ، لما يفترضه مثل ذلك الارتقاء من الكشف عن المبادئ و الغايات المحرّكة للظاهرة السياسية فابن رشد لا يزعم لنفسه انه توصّل إلى إنتاج مبادئ و نظريات سياسية أو صاغ تعريفات و مفاهيم جديدة ، و إنما تحرك رئيسيا وهو يتناول المسألة السياسية علي أرضية التفاعل مع النصوص الفلسفية الإغريقية و العربية التي سبقته و أبدي في علاقة بذلك آراءه السياسية . لأجل هذا فان ما قدمه لنا علي هذا الصعيد يصح أن نسمه علي وجه التدقيق بأنه رؤية سياسية نجدها مبثوثة في سائر مؤلفاته ، و بالتالي من الخطإ حصرها في تلخيصه لجمهورية أفلاطون، رغم أن هذا الأثر يظلّ الموضع الأهم الذي ضمّنه أبو الوليد رؤيته السياسية موضوع حديثنا .
حواشي

[1] العنوان الكامل للكتاب هو : ابن رشد ، الضروري في السياسة، مختصر كتاب السياسة لأفلاطون ، نقله من العبرية إلى العربية : أحمد شحلان ،الطبعة الأولي ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ، 1998 .

[2] م ن ، ص ص175/176.

[3] م ن ، ص 176.

[4] عبد الرحمان بدوى ، الفلسفة و الفلاسفة في الحضارة العربية سوسة/تونس ، دار المعارف ، 1993، ص149.

[5] ابن رشد ، مختصر كتاب السياسة، م س ، ص ص 140/141

[6] أنظر نص المرسوم الوارد في: ابن عبد الملك ، الذّيل و التكملة ، السفر السادس ، الطبعة الأولي ، بيروت ، دار الثقافة ، ص 27.

[7] ابن رشد ، مختصر كتاب السياسة ، م س ، ص 72.

[8] م ن ، ص ص ،72/73.

[9] م ن ، ص 73.

[10] م ن ، ص ن.

[11] م ن ، ص 77.

[12] م ن ، ص 74.

[13] م ن ، ص 131.

[14] ابن باجة ، تدبير المتوحّد ،ضمن رسائل ابن باجة الالهية، تحقيق ماجد فخرى ، بيروت، دار النهار ، 1968 ، ص 41.

[15] ابن رشد ، مختصر كتاب السياسة ، م س ، ص 139.

[16] م ن ، ص ن .

[17] م ن ، ص 140.

[18] م ن ، ص 141.

[19] م ن ، ص ص 164/165 .

[20] م ن ، ص 124.

[21] م ن ، ص ص 124/125.

[22] م ن ، ص 125.

[23] م ن ، ص ن .

[24] م ن ، ص ن .

[25] ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلّة ، الطبعة الأولى ، بيروت ، مركز دراسات الوحدّة العربية ، 1998 ، ص 187

[26] ابن تومرت ، أعزّ ما يطلب ، الرباط / المغرب ، مؤسسة الغنى للنشر ، 1997 ، ص 218 .

[27] القاضى عبد الجبار ، المغنى في أبواب التوحيد و العدل ، ج 8 القاهرة ، المؤسّسة المصريّة العامة للتأليف و الترجمة و الطباعة و النشر ، بدون تاريخ ، ص 3 .

[28] ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلة ، م س ، ص 188.

[29] ابن رشد ، مختصر كتاب السياسة ، م س ، ص ص 119/120.

[30] م ن ، ص 120 .

[31] ابن رشد ، الكشف عن مناهج الأدلة ، م س ، ص 195

[32] م ن ، ص 197.

[33] ابن رشد ، تهافت التهافت ،الطبعة الأولي ، بيروت ، مركز دراسات الوحدة العربية ،1998 ،ص 280 .

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم