|
|
مختارات متنوعة
السلطة «السلطانية» تدرأ الفتنة، ونظيرتها المحدثة تفعل العكس | السلطة «السلطانية» تدرأ الفتنة، ونظيرتها المحدثة تفعل العكس |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 14 شباط 2008 الساعة 16:03 | ||
|
صالح بشير - الحياة يقال في دولنا «الحديثة»، وهذه لا تتصف بتلك الصفة إلا من باب معاصرتها للحداثة وتزامنها معها وامتلاكها بعض أدواتها وتمثلها لها وتوسلها تمثلا وتوسّلا إجرائييْن، بأنها ليست أكثر من امتداد للدولة السلطانية. وهو قول قد يكون مصيبا وجيها، أو هكذا يبدو للوهلة الأولى أو في بعض أوجهه، إن نحن اعتبرنا مثلا الدولة السلطانية سلطة أمر واقع، لا تستند إلى شرعية مسبقة تتأسس عليها وتكون الدافع إلى ارتضائها من قبل الخاضعين لها، بل هي تستقي «شرعيتها»، ابتزازا، من احتكارها لوسائل العنف، ومن وظيفة آلت إليها من جرّاء ذلك، هي المتمثلة في التعويل عليها لدرء الفتنة والفوضى، تبرر التغاضي عن جورها وعن كل ما تقدم من آثامها وما تأخر. إن كان الأمر كذلك، ويبدو أنه كذلك، فالسلطات القائمة في سواد بلدان المنطقة من تلك الطينة «السلطانية»، أوغلت في اكتساب تلك السمة أو تلك «الوظيفة» حتى أضحتا كل مقومات وجودها وبقائها، وحتى بات توجس زوالها وانهيارها هاجسا مقيما واحتمالا يقض المضاجع في الكثير من الحالات، لا يعد بانعتاق بل ينذر بما هو أدهى: بتفكك المجتمعات واستشراء الاحتراب بين مكوناتها، ترديا مضطردا لا قرار له، على ما تدل السابقة العراقية دلالة بليغة جليّة. ولعل بعض أكثر ما يلفت، في ما يخص تمكن ذلك الأنموذج «السلطاني»، عدا عن استفحاله على صعيد المنطقة، توخيه واحتذاؤه في حالات وفي بلدان، كان يُفترض فيها حيازة ما من شأنه أن يجعلها في حل من اعتماده. خذ مثلا دولة الجزائر، فهذه كانت ثمرة ثورة تحررية عُدّت بين أبرز ملاحم القرن العشرين وأكثرها إشراقا، وكان يُتوسم فيها، بصفتها تلك، أن تستند إلى شرعية صلبة لا تُضاهى، لأن الثورة تلك أوجدت شعبا ووطنا، جديدين و»حديثين»، خرجا من سديم التاريخ إلى الوجود بفعلِ إرادة وبمبادرةٍ تأسيسييْن استثنائييْن، وجعلت من تلك الدولة تعبيرهما الناجز، لكن شيئا من ذلك لم يحصل، إذ آلت السلطة في ذلك البلد، في نهاية مطافها، إلى احتذاء الأنموذج «السلطاني»، ربما لأن التجربة تلك لم تقطع مع «ثقافة» بعينها، هي تلك التي تنظر إلى السلطة على أنها غنيمة، خصوصا في بلد اقتصاده ريعي، وجد في عائدات النفط والغاز أسباب تمكّنه، أو ربما لأن حرب التحرير الجزائرية كانت أيضا حربا أهلية، خيضت ضد المحتل كما خيضت ضد جزائريين، من تيارات وطنية أخرى («حزب الشعب» الذي كان يقوده مصالي الحاج) أو ممن اصطفوا إلى جانب فرنسا، ما جعل حرب التحرير تلك تنتهي إلى تكريس غالب ومغلوب، على الصعيد المحلي الداخلي، مع ما يستتبعه ذلك من إدراج القسر والقصاص في علاقة الغلبة تلك. ليس هنا مجال تحليل الحالة الجزائرية، التي لم نوردها، اقتضابا، إلا في معرض الحديث عن السلطة «السلطانية» المُفترضة أنموذجا سائدا متمكنا على صعيد المنطقة، حتى حيث كان يمكن، نظريا وبمقياس توافر شرعية مؤسِّسة، تجنبه. وما يهمنا في هذه العجالة، هو مساءلة ذلك الأنموذج «السلطاني» ليس بمعايير دولة القانون، فذلك أمر سهل، في المتناول، معلومة نتائجه سلفا، ويمثل بالتالي تمرينا لا طائل من ورائه، بل قياسا على سلفه التقليدي والذي يستوي امتدادا له أو هكذا يُفترض، وذلك تحديدا من زاوية تلك الوظيفة المناطة به، والتي تُتخذ ذريعة أو مبررا للتغاضي عن نقائصه، حتى ما كان منها فادحا، نعني درء الفتنة التي هي «أشد من الكفر». وإذا كان صحيحا أن الأنموذج «السلطاني» التقليدي ونظيره المُحدث، يلتقيان في احتكارهما لوسائل العنف (طبعا على غير تلك السوية الحديثة، القائمة على تفويض من المواطنين، في إطارٍ من ضوابط قانونية) واستخدامها لإرساء سلطة أمر واقع، ولكن هنالك فارقا في الدرجة وفي طريقة مزاولة السلطة في الأنموذجين، لا يلبث أن يتبدى، تلقائيا وبقوة الأشياء، فارقا نوعيا. يتمثل الفارق ذاك في أن السلطة «السلطانية» التقليدية كانت محدودة المدى والأثر بطبيعتها، كانت تتوقف عند القوة المادية حصرا أو تكاد، وهذه لم تكن فاعلة في كل مكان ودوما وعلى نحو متساو، حتى أنه ليمكن القول أن السيطرة الترابية كانت في كثير من الأحيان، إن لم يكن في غالبها، اسميّة لا أكثر، لا ترتب خضوعا ولا انصياعا، أو أن السيطرة تلك، والحاجة إلى فرضها، عينية وآنية، تسفر عن نفسها، فعلا قتاليا، لدى نشوب تمرد من قبل فئة أو منطقة ما، أو لدى استحصال الضرائب، التي كانت كثيرا ما تُمنع، فتؤخذ عنوة، نهبا أو ما يوازيه، في حملات يُصار إلى تجريدها، قد لا تفي بها القوة الذاتية فيتم اللجوء إلى قبائل تتولى المهمة بمقابل. أما في ما عدا ذلك، فلم تكن السلطة «السلطانية» التقليدية، مهما بلغت من القوة والسطوة، وهما عادة أوج وجيز لا يلبث أن يزول، قادرة على إرساء سيطرة مستدامة، متكاملة شاملة، على كل المناطق الخاضعة لها اسميا. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها أن قبائل بعينها كانت، في بدايات القرن العشرين وقبيل فرض «الحماية» الفرنسية، تمنع سلطان المغرب من عبور أراضيها، لدى تنقله من مدينة الرباط إلى مدينة مكناس، العاصمة التاريخية للعرش العلوي، فلم يكن يجد بدا من الامتثال لذلك المنع. وذلك بطبيعة الحال ليس شأن الأنموذج «السلطاني» المُحدث. فهذا الأخير، وإن تماثل مع سابقه التقليدي في أنه سلطة أمرٍ واقع، يختلف عنه في أنه يمتلك من أدوات السيطرة ما لم يكن متاحا لهذا الأخير. فهو حائز على أسباب فرض السيطرة، التي جعلتها الوسائل الحديثة تبلغ شأوا غير مسبوق، وهو يصيب من أدوات القسر والتحكم والإشراف ما لم يكن في متناول أسلافه. وهو ما عاد يكتفي بالقوة المادية، وهذه تعاظمت بين يديه وبلغت أقصى الفاعلية، أجهزة شرطة واستخبارات وجيوشا وأسلحة ومعدات، وبنى تحتية تربط جميع أطراف البلد ومناطقه، حتى ما كان منها قصيّا، بمركز السلطة والقرار، بل أضيفت إليها وسائل سيطرة مستحدثة، من جهاز إداري كلي الحضور ومن تعليم وإعلام رسمي وأحزاب حاكمة ونقابات رسمية، ومنظمات شتى، تُحكم قبضتها على كل شيء. لعل ذلك مثلا ما يفسر، وإن على نحو جزئي، بروز مطالب قومية أو إثنية أو لغوية، أي غير مذهبية وغير طائفية، لم تكن معهودة في تاريخ المنطقة، شأن تلك الكردية أو الأمازيغية. فعندما كان الأكراد والأمازيع بعيدين عن سلطة الدولة، وعندما كانوا يتولون أمر تعليمهم (المتواضع) بأنفسهم بواسطة «الملا» أو «الطالب»، لم يكونوا يستشعرون اللغة العربية خطرا على هويتهم، ولكنهم أضحوا يرونها كذلك بعد أن تحولت إلى لغة «رسمية»، «وطنية»، أداة إدماج قسري بين يدي الدولة «السلطانية» المحدثة... وقس على ذلك، سائر مظاهر التعدد الأخرى. وهكذا، إذا كانت السلطة «السلطانية» التقليدية، لمحدودية قوتها، تستمد بعض شرعيتها من وظيفتها في درء الفتنة، فإن نظيرتها المحدثة إنما تنسف وظيفتها تلك من حيث تزعم النهوض بها. فهي، إذ استلهمت، بعد الاستقلال عن الاستعمار، أنموذج الدولة اليعقوبية، البالغة المركزية، لم تأت إلا ما من شأنه أن يستثير الفتنة، خصوصا حيثما تماهت السلطة مع طائفة بعينها أو مع منطقة دون سواها، فبعثت توجس الفئات الأخرى، مناطق أو إثنيات أو مجموعات مذهبية، لا يمكنها أن ترى في سلطة الأمر الواقع غير ما يبعث على الريبة، بل على العداء. فإذا السلطة تلك لا تني تعيد إنتاج مسببات الفتنة وبواعثها، لأن ذلك من صلب طبيعتها أصلا، ولأنه وسيلة إعادة استيلاد «شرعيتها» عرَضا. ولعل ذلك بعض أجلى مظاهر إسهام السلطات القائمة، أو جلها، في ذلك الاستعصاء الديموقراطي الذي ما انفكت المنطقة تكابده، انسدادا لا يبشر بخلاص.
|
||
|
|
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|