إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






مقالات مختارة متنوعة
في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow حين يسمع المسلمون الأخبار السيئة فقط
حين يسمع المسلمون الأخبار السيئة فقط Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
20 شباط 2008 الساعة 16:37
د. وائل مرزا - ( كلنا شركاء )

لنا أن نتخيل ماسيحدث لو أن مجلةً أمريكية كبرى صدرت وعلى غلافها الموضوع الرئيس للعدد يتحدث عن فشل الإسلام والمسلمين في أوروبا.. أو لو أن كبير أساقفة الكنيسة البريطانية هاجم الشريعة الإسلامية ودعا إلى عدم تطبيقها في أي مكانٍ من العالم.. أو لو أن باحثاً مشهوراً في الشؤون الاستراتيجية والأمنية نشر دراسةً تؤكد بأن العالمَ سيكون أفضل مما هو عليه اليوم لو لم يكن الإسلام موجوداً في تاريخ البشرية أصلاً..
ليس من الصعب توقّعُ ردّة فعل المسلمين، أو شرائحَ واسعة منهم على الأقل، لو أن أياً من الأحداث السابقة جرت فعلياً في الواقع المعاصر. فالتجربة القريبة الماضية تؤكد أن العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه يهتزّ غضباً بسبب هذا النوع من (الأخبار السيئة). وتبدو النتيجةُ نفسها سواء تعلّقَ الأمر بتصريحاتٍ لبابا الكنيسة الكاثوليكية أو برسومٍ كرتونية نُشرت في جريدةٍ أوربية هامشيةٍ أو بخبرٍ سيئٍ آخر يقع مابين هذين الخبرين. فالقضية في النهاية قضيةُ ثقافةٍ سائدة في العالم الإسلامي بشكلٍ عام، وفي العالم العربي خصوصاً. وهي ثقافةٌ دفاعيةٌ تلبّست صورة (الضحية)، وأصبحت ترى ذاتها وترى العالم، وتتعامل مع ذاتها ومع العالم،من خلال تلك الصورة. من هنا، باتَ من النادرأن تجد محركاً للفعل البشري في هذه الثقافة يستطيع كسر ذلك التلبّس، والخروج من حصاره الخانق. بل ربما نلمح أحياناً أننا بإزاء روحٍ قلقةٍ مسكونةٍ بهاجس البحث في أحداث العالم الواسع عن كل مايؤكد الشعور بأنها ضحية، لأن تلك الروح تحتاج إلى مثل هذه المؤشرات التي يُمكن لها، ولها وحدها، أن تؤكد إحساسها بالهوية والانتماء!..
لانريد ممارسة التعميم الشامل في هذا المجال، ولكن تتابعَ الوقائع وتكرارها يُظهر وجود مشكلةٍ هي أعمق مما يعتقد الكثيرون، ويجب تسليط الضوء عليها بكل مايمكن من الصراحة والوضوح.
وعلى سبيل المثال، فالأحداث أو (الأخبار السيئة) المذكورة في مطلع هذا المقال لم تحدث قطّ، وإنما حدث في الواقع ماهو نقيضُها تماماً. فقد صدرت الأسبوع الماضي مجلة (التايم) الأمريكية الواسعة الانتشار وعلى غلافها صور رجال ونساء على درجةٍ من الأناقة، منها صورة امرأتين ترتديان الزي الإسلامي، مع عنوان موضوع الغلاف التالي (قصة نجاح المسلمين في أوروبا). وداخل العدد، يعرض التقرير مجموعةً من قصص نجاح المسلمين والمسلمات في تلك القارة، مع التأكيد على وجود شرائح واسعة من مسلمين يُبدعون في إيجاد أنماط للحياة والتميز والنجاح لايتضارب فيها الالتزامُ بتعاليم الدين مع حياتهم في الواقع الأوروبي.
وفي الأسبوع نفسه تقريباً، صدرت تصريحات القسّ الدكتور روان ويليامز كبير أساقفة كانتربري (الكنيسة الإنجليكانية البريطانية) لهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي)، والتي قال فيها أن على الناس التعامل بذهنٍ منفتح مع الشريعة الاسلامية. حيث اعتبر الرجل أن تبنّي بعض أوجه الشريعة الإسلامية في بريطانيا "أمرٌ لا مفر منه"، مذكراً بأن الآراء المسيحية المناهضة للإجهاض مثلاً "أَخَذها القانونُ في الاعتبار". ولتوضيح رأيه قال ويليامز: " إن تطبيقاً جزئياً لبعض قواعد الشريعة الإسلامية قد يساعد على بلوغ انسجامٍ اجتماعي". وضرب مثلاً على ذلك بتمكين المسلمين من فضّ نزاعاتهم العائلية والمالية أمام محاكم شرعية. مؤكداً بأنه:" لا ينبغي أن يُفرض على المسلمين الخيار الصعب بين الولاء الثقافي والولاء السياسي". وموضحاً أخيراً بأن هذا يحتاج لتفهمٍ عميقٍ لقوانين الشريعة الإسلامية، بعيداً عن هيمنة بعض التقارير الإعلامية "المغرضة" التي قال أن الرأي العام لا يزال متأثراً بها.
تعرض الرجل بعدها لهجومٍ من قبل شريحةٍ واسعةٍ من السياسيين والإعلاميين وبعض رجال الدين إلى حدّ دعوته للاستقالة. مع هذا، تمسّك ويليامز بتصريحاته وأكد بيان صدر عن مكتبه أنه لا يفكر في الاستقالة، وأن رؤيته جاءت بناءً على "دراسة معمقة" اشترك فيها خبراء قانونيون على درايةٍ عالية بنظم القضاء الإسلامي واليهودي.
وقبلها بأسبوع، نشر غراهام فوللر أستاذ التاريخ والمسؤول السابق في الاستخبارات الأمريكية دراسةً بعنوان (عالم بدون الإسلام) في مجلة (شؤون خارجية) المرموقة، خلُص فيها إلى أن الإسلام ليس مسؤولاً عن الاضطرابات الدولية الراهنة. فبعد وضع سيناريو لايوجد فيه الإسلام في الشرق الأوسط ومتابعة تطورات ذلك السيناريو يصل الكاتب إلى النتيجة التالية: " من دون الإسلام، لكان وجه الشرق الأوسط لايزال معقداً ومتضارباً. فالصراعات حول السلطة والأراضي والنفوذ والتجارة كانت موجودة قبل فترة طويلة من مجيء الإسلام... إنه شرق أوسط تسيطر عليه المسيحية الأرثوذكسية الشرقية وهي كنيسةٌ لطالما كانت تاريخياً ونفسياً مرتابةً من الغرب وحتى معاديةً له... وقد غزته الجيوش الإمبريالية الغربية مراراً واغتصبت موارده، وأعاد الغرب رسم حدوده بالقوة لتراعي مصالحه المتعددة، وأرسيت أنظمة تطيع الأوامر الغربية. كانت فلسطين ستحترق رغم ذلك. ولبقيت إيران قوميةً بشدة. ولكنا رأينا الفلسطينيين يقاومون اليهود، والشيشانيين يقاومون الروس، والإيرانيين يقاومون البريطانيين والأمريكيين". مؤكداً بالمقابل أن الإسلام "أدى إلى نشوء حضارةٍ واسعة تتشارك [مع غيرها] الكثير من المبادىء الفلسفية والفنية والاجتماعية، ونظرةً أخلاقية، وحسّ العدالة والشريعة والحكم السليم، وكلها في ثقافة سامية عميقة الجذور". ثم يختم الباحث دراسته قائلاً: "الأوربيون هم الذين فرضوا على بقية العالم حربين عالميتين. وهما نزاعان عالميان مدمران لامثيل لهما في التاريخ الإسلامي. قد يتمنى البعض أن يكون (العالم دون إسلام)، حيث من المفترض ألا توجد هذه المشاكل. لكن في الحقيقة، فإن النزاعات والخصومات والأزمات في عالمٍ كهذا لن تكون مختلفةً جداً عن تلك التي نعانيها اليوم".
لاأعتقد أن هناك حاجةً لشرح الدلالات الإيجابية الهائلة للآراء والتصريحات السابقة بالنسبة للمسلمين ودينهم. لكن هذه الوقائع المهمّة، التي جاءت خلال الأسابيع الثلاثة الماضية فقط، مرّت وكأنها لم تحدث على الإطلاق في العالم الإسلامي.. لايتوقع المرء طبعاً خروج مظاهرات ابتهاج لمثل تلك الأحداث. ولكنه يتوقع فِعلاً إيجابياً بخصوصها يأتي من عشرات الهيئات والمنظمات والجمعيات والأحزاب والمؤسسات التي تتسابق لاصطياد الأخبار والأحداث السلبية، وعلى تعريف ملايين المسلمين بها، وعلى تحريضهم لاستنكارها بجميع الوسائل والأساليب.
من المؤكد أن هناك كثيراً من الأخبار السيئة بالنسبة للمسلمين في هذا العالم. لكن نظرةً أكثر شمولاً للعالم نفسهِ تُظهر أن فيه كثيراً من الأخبار الجيدة أيضاً. وإذا ماقصّرت النُّخب الفكرية والإعلامية في أداء دورها من خلال التعريف بتلك الأخبار وإيضاح دلالاتها وأخذ زمام المبادرة في التعامل الإيجابي معها، فإن هذا يعني أن النخب بحدّ ذاتها هي جزءٌ من المشكلة. وهو أمرٌ لن يؤدي في نهاية المطاف إلا لزيادة كل مافيه الضرر على المسلمين من الأخبار والأحداث.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم