| إلى محمود درويش |
|---|
|
|
| نشرة هلوسات البريدية |
|---|
|
بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب. |
مختارات متنوعة
في أن سلطاتنا تؤسّس للعنف والاحتراب الأهليّين | في أن سلطاتنا تؤسّس للعنف والاحتراب الأهليّين |
|
|
| هلوسات - مختارات متنوعة | ||
| 06 آذار 2008 الساعة 17:15 | ||
|
صالح بشير - الحياة
قد لا تعدو الحرب الأهلية، وفق بعض تعريفاتها (التي لا تدعي استيفاءً جامعا مانعا)، أن تكون قنوطا ويأسا حيال العنف «الشرعي» أو الرسمي، المناط أمره إلى الدولة، أو ارتيابا به، من قبل فئات، مكوّنات، تتمايز بانتماء خصوصي ما، تتوجس أو تستشعر أن العنف «الشرعي» ذاك يقصر عن حمايتها وقد يستهدفها، فهي لذلك تأخذ أمر الدفاع (وهو دفاع قد يكون هجوميا) عن نفسها بيدها، فتنزع أو تعمد إلى «عسكرة» وجودها. إن صح هذا التعريف (وهو، تكراراً، لا يدّعي استيفاء)، يكون النزاع الأهلي بعدا تكوينيا وبنيويا في الدولة وفي الكيانية العربيتيْن المُحدثتيْن، وتلك فرضية نطلقها، بطبيعة الحال، على وجه التعميم الغالب لا على سبيل الحصر الجازم. لا يعود ذلك فقط إلى ما هو مشترك من سمات بين تينك الدولة والكيانية وبين دول وكيانيات من قبيلها في أرجاء العالم أو في التاريخ، تأخذ بالاستبداد هويةَ حكم وتتوخى الإدماج القسري وسيلة لإنشاء «الأوطان» وصونها، بل ربما عاد أساسا وفي المقام الأول، إلى مواصفات خصوصية وفارقة، تستحضر إخفاقا تاريخيا موروثا، استأنفته دول المنطقة العربية المعاصرة، فقامت بـ»تحديثه» دون أن تتجاوزه أو تقطع معه. ينعقد الإخفاق ذاك على موضوعة العنف، منزلته ومرجعياته وأحقية مزاولته وتولّيه وسبل تنظيمه وتقنيه وتوظيفه وتصريفه في العلاقة بين الحاكم والمحكوم. إذ لم تهتدِ الدولة، والحياة السياسية في الفضاء العربي-الإسلامي استطرادا أو منطلقا، إلى وسيلة لـ»تدجين» العنف وضبطه، بالرغم من حضوره الطاغي، أداة امتيازية لإقامة السلطان وإدامته. لذلك ظلت تلك الدولة عندنا... دولة، أي تدول وتزول، حتى حدد ابن خلدون عمرها الافتراضي بثلاثة أجيال (أي نحو قرن أو ما يزيد عليه عقدا أو عقدين)، هي فترة ذواء عصبية من العصبيات وعنفها المؤسس، تعقبها عصبية أخرى، وذلك على العكس من نظيرتها الغربية (التي استوت أنموذجا للدولة الحديثة)، والتي تقوم على فكرة الثبات والاستمرارية، كما يدل اسمها في اللغات الأوروبية (state بالإنكليزية، état بالفرنسية، stato بالإيطالية...الخ) وهي كلها مشتقة من كلمة status اللاتينية، التي تفيد معنى الاستتباب والثبات والاندراج في بقاء يطول، مؤسسة تنفكّ عن دورة الحياة «البيولوجية»، إن جازت العبارة، تتجاوزها فلا تتماهى معها ولا تحاكيها. آية تلك الاستمرارية وإكسيرها «احتكار العنف الشرعي» من قبل الدولة، إن نحن اعتمدنا ذلك التعريف الشهير الذي سكّه الألماني ماكس فيبر وأضحى مرجعيّا. احتكار العنف، بإناطته بتلك المرتبة المتعالية المتمثلة في الدولة، يضمن، أقله نظريا، حياده، أي عدم مصادرته وتوسله من قبل فئة على حساب المجموعة (التحليل الماركسي يدحض ذلك بطبيعة الحال ولا يقره، ولكن ذلك موضوع آخر)، و»شرعيته» تضمن القبول به من قبل الجماعة وارتضاءه، وسيلة لإحلال الأمن والاستقرار. أي أن المقاربة تلك، لا تخرج العنف من المجتمع فعلا أي مزاولةً، إلا كي تعيد إدراجه فيه مبدأً وتقنينا. والأمر هذا ليس من مكتسبات الحداثة ومن منجزاتها، وإن كانت قد ذهبت فيه شأوا أبعد، بل هو نتاج جهد ضارب في القدم في أوروبا. فمنذ العصر الوسيط، كان الفكر السياسي-اللاهوتي الغربي قد صاغ، على ما بينت دراسة بديعة للمؤرخ الألماني إرنست كانتوروفيتش، مبدأ «جسديْ الملك»، القائم على القول بأن للعاهل جسديْن، واحدا فيزيائيا، خاضعا للدورة البيولوجية، يدركه الفساد والفناء، والثاني اعتباريا، أو سياسيا إن شئنا، وهذا لا يفنى، بل ينتقل، على منوال تناسخ الأرواح ربما، من عاهل إلى الذي يخلفه. وقد أوردت الدراسة المذكورة مثال قضية نظرت فيها إحدى المحاكم، بطلها أحد ملوك بريطانيا، استولى على أرض، فكان لا بد من تبين بأي صفة من صفتيه أقدم على «فعله» ذاك: بوصفه جسدا فيزيائيا (أي لمصلحته الخاصة) أم بوصفه جسدا اعتباريا (ما قد يفترض دوافع تتعلق بالمصلحة العامة). هذا ناهيك عن التجمعات السكانية التي قامت، منذ العصر الوسيط، على هامش العالم الإقطاعي، وتمكنت تدريجيا، حتى أفضت إلى ظهور البورجوازية، كان عليها أن تتصدى لمسألة العنف وتقنينه، تفاوضا وبلورة قانونية، إن في علاقاتها بين أفرادها داخلها أو في علاقتها مع السادة الإقطاعيين، وذلك كان أيضا شأن المدن-الدول التي قامت، خصوصا في إيطاليا، لا سيما تلك التي اعتمدت منها نظاما جمهوريا. أما الفضاء العربي-الإسلامي، فقد كان له تاريخ آخر مع العنف العام. فهو مع اعتماده والغلو في ذلك، أداة لتأسيس الممالك والذود عنها، خصوصا منذ أن أضحى «الملك عضوضا»، أخفق في حل مشكلته، بحيث يمكن القول إن الدولة لم تتمكن أبدا من «احتكار العنف الشرعي» ومن امتلاكه. صحيح أن العنف وامتلاك ناصيته، مؤسس للدول، عصبية صاعدة، إن أخذنا بالأنموذج الخلدوني، ولكن العنف ذاك هو عنف ما قبل الدولة، لا يلبث قيام هذه الأخيرة واستواؤها أن يفضي، حسب الأنموذج إياه، إلى فقدانه، كأنما العنف النقيض الناجز للدولة مع أنه أداة اجتراحها، وهو لذلك يبقى، بمعنى من المعاني خارجا عنها، ليس صلاحية من صلاحياتها، ناهيك عن أن يكون صلاحيتها الحصرية، بحيث كثيرا ما يصار إلى ممارسته بواسطة التفويض، إما إلى قبائل حليفة، يناط بها أمر استحصال الضرائب والجبايات أو مجابهة المناوئين، أو إلى مجموعات عرقية طرفية، من سكان الجبال النائية القصية غالبا، أي من خارج النصاب الاجتماعي القائم، يتم استقدامهم مقاتلين، ومعلوم الدور القتالي الذي تولاه الأتراك (منذ العصر العباسي) والغز والأكراد والشركس والألبان الأرناؤوط في ما بعد، أولئك الذين أشار المؤرخ الفرنسي فرنان بروديل ذات مرة إلى دورهم العسكري البارز في العهد العثماني، وهم الذين تأتت منهم أسرة محمد علي في مصر وأسرة البايات الحسينيين في تونس. المشكلة أن القبائل ولاؤها ملتبس أو مشروط، ودورها العسكري ارتزاقي أو في عداده، هذا إن لم تتقوّ شوكتها فتطمح إلى الملك، في حين أن مقاتلي الأعراق، وإن اكتسبوا جاذبيتهم من وقوعهم خارج ولاءات وعصبيات ما قبل الدولة المحلية، إلا أنهم كثيرا ما يستولون على الحكم لحسابهم، على ما يدل قيام السلطنات المملوكية، التي حكمت العالم العربي الإسلامي خلال الفترة الأطول من تاريخه. وفي الحالتين، بقي العنف العام برانيا، غير شرعي، لا تضبطه ضوابط قانونية، حتى عندما تتمكن السلطة، سلطة الأمر الواقع، من احتكاره. فلم تظهر أولى المحاولات لإقامة جيوش نظامية، أجهزة تدين بالولاء للدولة، إلا في عهد محمد علي في مصر، في أواخر القرن الثامن عشر، وفي عهد المشير أحمد باشا باي في تونس، في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، وقد فشلت المحاولتان. مشكلة العنف الشرعي تلك، ورثتها السلطات «الحديثة» في المنطقة برمتها وبحذافيرها... فهذه أيضا سلطات أمر واقع، تزاول عنفا برانيا، أي تتولاه، بـ»تفويض» ليس معلوما مأتاه، قوة من خارج النصاب القائم، هي المؤسسة العسكرية في الغالب، وهذه كثيرا ما تتماهى مع أقليات، عرقية أو مذهبية، من سكان الجبال ممن أقبلوا على الانخراط في الجيش، وسيلة لكسب العيش ثم للاستحواذ على الحكم، وفق أنموذج مملوكي راسخ معلوم. فهي إذن مؤسسة عسكرية لا تدين بالولاء للدولة، بل تجعل هذه الأخيرة تدين لها بالولاء. وهي كذلك سلطات لا تتوانى عن استنهاض القبيلة، تفوض لها شيئا من صلاحيات «الدولة»، عندما ترى ذلك مناسبا على ما فعل صدام حسين مع العشائر و»والنشامى» وعلى ما يفعل الاحتلال الأميركي في العراق إياه. لكل ذلك، فإن السلطات تلك تؤسس للحروب الأهلية وتبتثعها. فهي عندما تخفق في احتكار العنف، أو عندما تحتكره على نحو غير شرعي، إنما تشرع الباب واسعا أمام «خصخصة» العنف، عنف الطوائف والفئات والإثنيات التي لا تتعرف على نفسها في الدول القائمة. ... وهذا أيضا من عوامل الاستعصاء الديموقراطي في مناطقنا.
|
||
|
|
|
أكثر المواضيع قراءة هذا الأسبوع |
|
|
| RSS Feeds |
|---|
| مواقع سورية |
|---|
| مواقع مهمة |
|---|