إلى محمود درويش
ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

نشرة هلوسات البريدية

بعض مزودات البريد المجاني تصنف النشرات البريدية على أنها spam أو junk أو bulk (بريد غير مرغوب). إن لم تجد النشرة في بريدك الوارد فتأكد من وجودها في مجلد البريد الغير مرغوب.






في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow العجيلي وقضية الحرية
العجيلي وقضية الحرية Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
14 شباط 2007 الساعة 13:32

في حرب فلسطين عام 1948 سجل ثلاثون عضوا من أعضاء البرلمان السوري أسماءهم للتطوع من أجل فلسطين ولم يلتحق فعلياً بالجبهة إلا ثلاثة نواب أحدهم نائب الرقة الدكتور عبد السلام العجيلي!( كتاب جيش الانقاذ) هذه التجربة في حياة العجيلي كانت معلماً فارقاً في أدبه ومحاضراته وأثرت في حياته ومعرفته وجعلت الحرية والدفاع عنها بنداً أساسياً في حياته, إذ طالما جعل تجربته في حرب فلسطين تلك وسيلة لنقد الأنظمة الفاسدة. فقصة نبوءات الشيخ سلمان تفاجئنا اليوم بعد خمسين سنة من كتابتها بأنها صارت حقيقة مرة في الفساد والتكالب على رضا الأجنبي والمحتل " إن الخبثاء لا بد قادمون.

 أولئك الذين يبيعون أرضهم وملتهم ويتظاهرون بأنهم يضحون في سبيل الأرض والملة. ويأتي بعد ذلك الخونة الكاذبون , ثم خونة صادقون لا يبيعون الأرض, بل يتنصلون منها. كل هؤلاء سيأتي بدوره. من ينفض يده من فلسطين لأنها وقعت في حفرة أعمق من أن تلحقها يده المنقذة. ومن يبيع آلامها وأطفالها بفلس أو بضحكة امرأة. ويأتي من دمه ولحمه من تنصل من فلسطين لأنها تنغص نومه أو تفقر جيبه. وبعد كل هؤلاء يأتي الآخرون. إذا كان من قبلهم قد قبض ثمن الذي باعه من تراب الأرض المقدسة أو من دم أهلها, فإن هؤلاء سيدفعون فوق الأرض ثمناً لخلاصهم منها ومن أهلها.
حينذاك , حينذاك فقط , بعد أن يموت الناس ويحترق التراب ويحكم الفاشل ثم العاجز ثم الخائن ثم الفاجر, تهتز جنبات الأرض وتحبل الأمة بالألم لتلد المنقذ المطهر. هل فهمت ما أقول؟ لم تفهم أمس عند الغروب , هل فهمت الآن؟  (جيش الانقاذ ص 138)

ومرة عندما تأتي الشرطة لمطالبة أحد مقاتلي حرب فلسطين بمسدس قد استلمه يقول المقاتل :أضاعوا فلسطين ولاحقوني من أجل مسدس!
ولعل تجربته في حرب فلسطين واطلاعه على حقيقة ماجرى حصّنه من الانجرار خلف الفساد مثلما انجر الكثير من المثقفين والكتاب الذين طوعتهم أربعون سنة من الأحكام العرفية وجعلت التملق وسيلة للعيش والترفع في الحياة العامة بل بالعكس فقد جعل العجيلي قضية الحرية أولوية في حياته وفي كتاباته وفي اسفاره.
فعندما كتب عن اختراقه لأوربا الشرقية بقطار الشرق السريع كسائح شهد على الستار الحديدي الذي أسدل على شعوب أوربا الشرقية وشعوب الأنظمة الموالية لها, عبَر متظاهراً بالجهل , لكنه يدرك مأساوية ذلك الستار الحديدي الذي ظلت آثاره حتى اليوم على شعوب منطقتنا....
فعند الحدود اليوغسلافية يصف لنا هذه الحالة المزرية في حياة ذلك الشعب يذكرنا بأيام جحافل الازدحام على السمنة والمحارم التي مرت بنا:
وفي معاملات التحويل اكتشفت أني لا أستطيع أن أشتري بالدينارات اليوغسلافية شيئا لأنه لم يكن في محطة بلغراد ما يؤكل , لا في المطعم ولا في الأكشاك المغلقة, ولا على الأرصفة المقفرة! لن تستطيع أن تجد كسرة خبز هناك إلا إذا كنت تملك بطاقة بها, وكنت تملك مع البطاقة الوقت الكافي للوقوف في الصف حتى يصل إليك الدور. وعبثاً كنت أبحث في محطة بلغراد عن بائع بسكويت أو شوكولاته. فلم يكن هناك غير لوحات كبيرة , على الطريقة الشيوعية لصور الزعماء السياسيين! وغير لوحة إحصائية تملأ أحد جدران المحطة , تبين عدد الكيلومترات من الخطوط الحديدة التي مُدت في كل عام من الأعوام الخمسة الأخيرة . وهو عدد , كما هو مفهوم , متزايد طرداً عاما بعد عام. (حكايات من الرحلات ص57)(ص 60 -61 )
 وفي بلغاريا حين اكتشفوا أن لدي كتابين وآلة تصوير !! ألقى الشرطي الكتابين وآلة التصوير في الحقيبة , واستوثق من إغلاقها إغلاقاً تاماً, ثم جاء بخيط قنب فأحاط به الحقيبة , وعقده على قطعة من الرصاص ختمها بخاتم معه, وأشار إلي بأن عليَ أن لا أفتح الحقيبة حتى عبوري الحدود البلغارية مرة أخرى في الجانب التركي.
ثم غادرني بعد أن أفلح في إقناعي بحركاته وتصرفاته أني حقاً قد اخترقت الستار الحديدي أكثر مما أقنعتني اللوحات المركوزة على الحدود البلغارية اليوغسلافية. (حكايات من الرحلات   ص 62 )
وحين طلعت علينا الشمس ووقف القطار في إحدى المحطات البلغارية الصغيرة في الصباح خيل إلي اني أسمع دوي طبل قريب فأطللت برأسي من نافذة العربة وهناك رأيت طابوراً من العمال ومجارفهم ومعاولهم على أكتافهم يمشون مهرولين وراء علم أحمر على دوي الطبل في طريقهم إلى المزرعة ، كان قماش العلم جديداً نظيفاً زاهي الحمرة , يخفق خفقاً قوياً في مهب نسيم الصباح , أما ثياب العمال فكانت أسمالاً ممزقة بالية وأحسب أنها كانت قذرة. وكانوا يهرولون في استكانة ما أظن أني أستطيع تسميتها نشاطاً....
فالعجيلي ظل طوال حياته محتفظاً باستقلاله وحريته فكان رغم كونه إنساناً اجتماعياً ومخالطاً للناس كان يضع حداً غير مرئي بينه وبين الآخرين حامياً أوقات قراءته وتأمله وكتابته , وكان يسافر وحيداً ويقود سيارته بنفسه حتى أواخر أيامه وكان يقضي ثلاثة أشهر على الأقل من كل سنة في السفر لئلا تبتلعه عادات المدينة الصغيرة والشبه قروية أو تبتلعه حمى البلاد وشعاراتها الجوفاء التي ساقت الناس إلى مزيد من الرضوخ وغياب الحرية وانعدام الفاعلية في حين أنه ظل نابضاً بالفاعلية من قراءة وكتابة ومحاضرات ومقابلات صحفية وتلفزيونية حتى أواخر أيامه .
ولم تلن عزيمته أمام تهجمات كتاب ثورة الحرف ووصمهم له بالإقطاعي والبرجوازي والإرستقراطي في حمأة الجنون الثورجي , ولم يبدِ اهتماماً بالمقالات اللاذعة التي هاجمته وخاصة كتاب الأدب والإيدلوجية في سورية والذي يعتبر معلما سلبياً في تاريخ الثقافة السورية اليوم!! وقد تجاوز كاتباه افكار ذلك الكتاب وتطورا في منحى آخر أكثر عمقا!!
 
* * *
دائماً كنت أرى العجيلي وهو يتمشى مساءاً على الجسر القديم وحيداً يتأمل النهر ويخلو إلى أفكاره . أحياناً أتحدث معه بعد استئذان بالسماح بقطع وحدته , ودائماً يتحدث عن أهمية أن نجد طريقنا كشباب بالعمل الجاد الدؤوب "اكتبوا للصحافة ,أصدروا الكتب , كونوا متواجدين دائماً فلا يجوز للأديب أن يبقَى متوارياً ... ويتحدث عن أيام حرية الصحافة التي حرمنا منها نحن الجيل الذي ولد وترعرع في ظل الأحكام العرفية وغياب الصحافة الحرة.
والعجيب في الأمر أن الطريق الذي كان يمشي عليه العجيلي متحدثاً عن الحرية والصحافة والأمل تم تزيينه ببناء سجن عند مدخل الجسر القديم . الجسر الذي يعتبر مسرى ذكريات المدينة ,أغان الرقة القديمة:
 " من فوق جسر الرقة سلم عليَ بإيده!!"
وذكريات أهل الرقة عن فيضانات النهر ووصوله إلى هنا أو إلى هناك أو حتى وصوله إلى الساعة في سنة كذا أو في سنة كذا وفي كتابات العجيلي ولاسيما رائعته "النهر سلطان"التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني .
كنا نظن أن هذا الطريق الذي كان يمشيه العجيلي كل يوم وكان منتزه الرقة الوحيد منذ الأربعينات سوف يبقى مرتبطاً بالذكريات الجميلة وأن تبنى على جانبيه المقاهي والمطاعم , ولقد ظننا عند بدء البناء أن يكون مركزاً للأبحاث النهرية أو فندقاً جميلاً , لكنه كان بناءا لسجن ومعتقل يعبر عن سمة العصر، في عالمنا العربي، الذي عشناه حتى اليوم !
لكن العجيلي يرد على ذلك بذكرياته , ويقول أن عاملة المقسم أيام الخمسينات اتصلت بي طالبة الإذن مني إن كنت أوافق أن تعطي رقم هاتف منزلي لرئيس الجمهورية , تصوروا هذا الخاطر السوريالي في عالمنا العربي اليوم: رئيس الجمهورية يستأذن مواطناً لأخذ رقم هاتف منزله!! في حين أن رقيبا في المخابرات اليوم يعرف عنا كل مايخطر على بالنا ومالا يخطر أيضا
* * *
منذ طفولتي وأنا أسمع بالعجيلي كطبيب وإنسان محترم في المدينة ولم يحصل أن أجمع الناس في الرقة على احترام شخص والاعتراف بأهميته مثلما أجمعوا على احترام وأهمية العجيلي
ولماعرفته كانت ذكرياته غير سعيدة عن كتاب ثورة الحرف الذين شنوا حملة شعواء ضده وكان متحفظاً تجاه جيلنا الذي أتى بعدهم ولم يستوثق منا إلا بعد سنين طويلة وكان واثقا من صحة اختياره للحرية والاسقلال إذ بقي راسخا ومشهورا
والذين بقوا من جماعة ثورة الحرف مثل ابراهيم الخليل وابراهيم الجرادي وعبدالله أبو هيف وخليل الجاسم وعوا متأخرين أهمية العجيلي وضرورة الاستفادة من تجربته والاعتزاز بها بالمواكبة مع فك الحصار العام عن العجيلي .
وهاهي الرقة التي غادرها العجيلي ماتزال تعتز به وتجعله أيقونتها ومصدر فخرها مع الفرات ومع ماضيها التاريخي كعاصمة للرشيد لمدة تسع سنوات في أوج ازدهار الدولة العباسية!!
وكلنا أمل أن يصبح بيته متحفاً للعجيلي وإننا نناشد الجميع أن يجعلوا هذه الأمنية واقعاً لأبناء الرقة ولأدباء سورية وللكتاب والمفكرين العرب جميعاً
 
19/12/2006

بقلم ابراهيم علوش.

أرسلها للموقع: محمد نورالله


هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم