ليس في كل ليلة من العمر يمكن لك أن تنال شرف دمعة خالية من الأنانية, ولا في كل ليلة من العمر يتاح لك أن تكون جزءاً ن أعمار الكثيرين بقربك, ممن جمعك بھم رابط شفاف وبسيط, بشفافية الألم, أو الحب. إلا أن من كان في باب توما ليلة التاسع من آذار حظي ولا شك ببعض ذلك, كانت تلك من الليالي النادرة التي تكشف دمشق يھا عن روحھا الحقيقية, تزيل حجبھا, وتكشف صدرھا الشاب لكل العجائز من أمثالنا, وقد أتعبتنا الحياة وما أتعبتھا, وأشاخنا لبعد وما أشاخھا. ھي ليلة نادرة كانت دمشق فيھا في أوج دَ مْ شَ ق تھا, وكانت عروبتھا فيھا في ريعان ستينياتھا, من قال أن لستينيات من القرن الفائت ھي أوج العروبة؟ لو جلس التاريخ في مقھى غزل في ليلة التاسع من آذار, لغير في دفاتره الكثير!
وليس السر ببعيد عن الفھم, فدمشق التي فاضت علينا بعطرھا ما فاضت إلا للقاء حبيب قديم, ففي ھذه الليلة, طارت قطعة من لسطين وحطت في باب توما, قطعة أصيلة من فلسطين. فعبر الإنترنت, ومن منزلھا الناصري الذي زھا ھو الآخر فلسطينيته, غنت ريم بنا لشباب دمشق, وعبر الشاشة الصغيرة, ومكبرات الصوت المتواضعة في مقھى غزل الدمشقي, كانت يم بنا تكھرب أرواحنا واحداً فواحد اً, وتتيح لنا أن نحب كما لم نحب منذ زمن, وأن نبكي كما لم يسمعنا أحد نبكي منذ زمن, أن ننتصر لوھلة على كل الحدود, والاتفاقيات الموقعة وغير الموقعة, والحصار, والإعلام, وجفاف بردى, وقوانين العقوبات, والقرارات الدولية, وأنفسنا! وبمنتھى أنانيتنا, أنانية المحب, غنت ريم حزنھا فأفرحتنا, وغنت ألمھا فأزالت أوجاعنا, وغنت أطفالھا القتلى ليزھو الأطفال لأحياء في أرواحنا, وغنت جدتھا العرجاء, وعودتھا اللاعرجاء إلى الأزاھر التي ستحفظ لھا صوتھا ورائحتھا وشكلھا, نخجل قليلاً من يومياتنا, وابتذال الحياة التي نجحت لوھلة أن تجرفنا. في إحدى الليالي الحارة من صيف العام 2004 , ومن على شرفة منزلي في مدينة الخرطوم, كنت وأصدقائي نستمع إلى سجيل جميل لمي نصر في حفلة استضافھا فيھا شباب اللاذقية, كان أصدقائي السودانيون يستمعون, ويذھلون كيف يقف الجميع ليصفقوا بمجرد ورود كلمة من مثل ميسلون, أو النبطية, أو الزيتون! كنت في أوج فخري في ذلك اليوم, سكِراً بوطني في مدينة تحرّم السكر, قلت لأصدقائي أن لا أحد سيستطيع يوماً أن يقتل العروبة في سوريا! شكراً ريم بنا, وشكراً دمشق, إلى لحظات فخر جديدة حقنتني بالحياة, ستنجو روحي إذاً لبعض سنوات قادمة, وسأنتظر سيدة عظيمة أخرى تعيد لي ألق ھذه الليلة الدمشقية العظيمة, سيدة بحجم ريم بنا ودمشق, تأتيني في وقتھا, كما أتيتن في وقتكن ليلة الأمس, لتذكرني "بحالي". ****
|