ارسل مساهمة
 
اتصل بنا

في سورية
البداية arrow مختارات متنوعة arrow الوجوه العديدة للأصولية
الوجوه العديدة للأصولية Print E-mail
هلوسات - مختارات متنوعة
12 آذار 2008 الساعة 13:02
عمر الكدي - هولندا العالمية

يزعم بيني شانون، أستاذ الفلسفة الادراكية في الجامعة العبرية بإسرائيل، أن النبي موسى كان تحت تأثير أعشاب مخدرة، عندما وقف فوق جبل سيناء، ليستلم من الله الوصايا العشر. وكان شانون قد نشر مقالة في مجلة (تايم أند مايند) البريطانية، يقول فيها أنه ليس النبي موسى وحده، الذي كان تحت تأثير المخدرات، وإنما أغلب من كان معه من اليهود، وبنى شانون استنتاجه على وجود نبتتان في شبه جزيرة سيناء، يحتويان على مواد مخدرة، بإمكانها التأثير على عقل الإنسان، وتشبه بعض الأعشاب المخدرة الموجودة في غابات الأمازون.

مجرد هلوسات

ويعلق شانون على ما حدث للنبي موسى في سيناء قائلا "فإما أن الأمر كان حادثة كونية خارقة للعادة، وهذا أمر لا أؤمن به، أو أسطورة، وهذا أيضاً أمر لا أؤمن به.. ولكن ما أرجحه هو أن حادثة ما جمعت موسى وشعب إسرائيل تحت تأثير المخدرات." ووفقا لتجاربه الشخصية وخاصة بعد أن تعاطى أنواعا من المخدرات في أريزونا الأمريكية، يقول شانون أنه جرب رؤى بدلالات دينية وروحية، وبالتالي وفقا لشانون فإن كل ما شاهده النبي موسى، والوارد في العهد القديم مجرد هلوسات.

حتى الآن لم تصدر أي ردة فعل من الأوساط الدينية اليهودية المتشددة، ويبدو أنها لن تفعل، فالقانون الإسرائيلي المؤسس على القيم العلمانية، وحرية التعبير، يسمح لأي شخص بالتعبير عن آراءه، وحتى لو انتقد المقدس مثلما فعل الباحث الإسرائيلي، كما أن كبار الحخامات يدركون أن أي رد فعل متشنج ضد شانون، سيجعله مشهورا، وسيروج لنظريته أكثر مما لو تم تجاهلها كليا، ومن الواضح أن ما يقوله شانون لا يرقى إلى الدليل العلمي القاطع، وخاصة أنه استخدم قرائن وليس حججا علمية دامغة.

وبهذا الصدد يصعب المزج بين العلم والدين، حتى عندما يرى العلم أن الكثير من العقائد الدينية المنتشرة في العالم تستند على مزاعم غير صحيحة، إلا أن منطق الدين يفرض على أتباعه الإيمان القاطع، الذي لا يتطلب الأدلة على صحته، ومع الوقت يتحول إلى إيمان صلب لا يمكن التأثير فيه.

فيلدرز وسبينوزا

ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها التوراة إلى المسالة العلمية، فقد سبق للفيلسوف باروخ سبينوزا في القرن السادس عشر، أن أكد في كتابة (رسالة في اللاهوت والسياسة) أن التوراة كتبها بشر، ولا علاقة للسماء بما جاء فيه، وبين أن معظم التوراة كتبت بعد موسى بسنوات طويلة، وانعكس في نصوصه كل ما مر به اليهود من أحداث، وخاصة بعد نفيهم إلى بابل. لم ينطلق سبينوزا من قرائن متناثرة هنا وهناك، وإنما من تحليل النصوص، مستخدما كل إمكانيات العقل البشري للوصول إلى يقين آخر غير اليقين الديني، وقد دفع سبينوزا الثمن كاملا من أجل فتح الطريق أمام العقل البشري، عندما تبرأت منه الطائفة اليهودية في هولندا، واضطر للانتقال من أمستردام إلى مدينة لاهاي، ومات دون أن يستطيع نشر أهم مؤلفاته، وهو ما يجبرنا اليوم على المقارنة بين ذلك المفكر العظيم، الذي أسس لعصر الأنوار الأوروبي، والذي طبق مبدأ ديكارت (أنا أفكر إذن أنا موجود)، مع ما يقوم به السياسي اليميني الشعبوي خيرت فيلدرز، الذي لا ينطلق من نفس منطلقات سبينوزا، وإنما يحاول في هذا الزمن الذي تتصادم فيه أصوليات العالم بشدة، من الوصول إلى السلطة، على أشلاء ضحايا هذا العنف الأعمى، والذي على عكس سبينوزا يستحق التجاهل الكامل، لأن ردود الفعل المتشنجة على ما يقوم به، سيساعده في مخططه عندما يرد المتطرفون المسلمون بعنف فتزيد مقاعد حزبه في البرلمان الهولندي، وهي حتى الآن لم تتجاوز التسعة مقاعد، من مائة وخمسين مقعدا.

رومان وليس يهود

وفي حادثة أخرى أثبت عالمان إسرائيليان عن طريق استخدام تقنيات التحقيق الجنائي، أن البقايا البشرية التي عثر عليها في قلعة (مسادا) تعود إلى الرومان وليس كما ورد في التوراة، الذي يؤكد أن قرابة 2000 يهودي انتحروا في تلك القلعة الصحراوية عام 73 قبل الميلاد، خوفا من الوقوع بين يدي الرومان، وكان علماء الآثار قد عثروا في الستينات على بقايا رجلين وامرأة، واستخدم الأصوليون اليهود هذه الحادثة كدليل على الميثولوجيا القومية الإسرائيلية.

كل هذا يؤكد أن السجال بين العلم والدين لن يتوقف يوما واحد، وهو دليل نضج الحضارة والثقافة التي تقوم بهذه المراجعات، خاصة وأن الدساتير الحديثة تكفل لأي إنسان الحرية في الاعتقاد كما يشاء، شريطة أن لا يتحول اعتقاده إلى عائق يقف في طريق حرية الآخرين، وكانت الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي لا تضيق بمثل هؤلاء، هكذا عاش ومات أبو العلاء المعري في بلده بمعرة النعمان، بعيدا عن أي ملاحقة، وهو الذي كان يصنف نفسه ( ربوبيا) أي يؤمن بالرب، وينكر النبوة، بل ألف كتابا كاملا، ليؤكد أنه أفضل من القرآن، بينما كان أبوبكر الرازي طبيبا للخلفاء، بالرغم أنه كان يؤمن بما يؤمن به المعري، وأعلن رأيه صراحة في كتبه، دون أن يطاله أي مكروه.

اليوم يحاول الأصوليون في الشرق والغرب خطف الدين من المؤمنين لأغراض سياسية. ليس فقط الأصوليون الدينيون، وإنما حتى الأصوليون الليبراليون والسيد خيرت فيلدرز أفضل مروج لهذه الأصولية.

هلوسات - سورية - مجتمع - ثقافة - منتديات

تعليقات الزوار - لن ينشر أي تعليق فيه شخصنة أو عنصرية أو طائفية أو تحريض على العنف أو خارج عن أدب الحوار
الاسم