|
حين نقول أننا نريد أن نفسر الوجود, فما الذي نعنيه؟. وماذا نريد من هذا التفسير؟. بالنسبة للفلسفة فإن هذا السؤال هو جوهر وجودها. أي هي قامت من هذا السؤال, ومنه ومن خلال التأمل فيه, ظهرت مشكلاتها الأخرى, كالأخلاق, والميتافيزيقيا, والجمال, ونظرية المعرفة, كعناصر أساسية تتمحور حولها المعالجات الفلسفية. لأنها جميعا بطريقة او بأخرى تداعيات للسؤال الأول والاهم والذي انشأ الفلسفة أساسا ألا وهو: من أين يأتي الكون؟. من أين يأتي الكون تقودنا بشكل حتمي إلى صياغة أخرى هي : هل الله موجود؟. هل حين نتحدث عنه في خطابنا اليومي بكل تلك الحتمية نحن نعي ما نقول أم أننا فقط نردد مفردات لفظية نعجز عن إنكارها لأسباب نفسية؟. حين نجيب عن هذا السؤال تصبح إجابتنا على السؤال الثاني في الترتيب الفلسفي مشروعة الا وهو : ما شكل ذاك الوجود؟. وحين نجيب على هذا السؤال يحق لنا ان نطرح بثقة سؤالنا الثالث : ماهي طبيعة العلاقة بيننا وبينه، وبينه وبين الكائنات عموماً. وهكذا تجدون أن ميزان الأخلاق والجمال وباقي إشكالات الفلسفة مرتبطة بالإجابة على هذا التسلسل السؤالي. فبمعرفتنا لطبيعة الخالق وطبيعة العلاقة بيننا وبينه وبينه وبين الكائنات الأخرى نستطيع أن نحدد اطر الأخلاق بتجرد عن الزمان والمكان. فيما هي الآن أسيرة العادة والمصلحة وهذان العنصران إنكار للأخلاق ولو شكلاها لفظيا. لذا فإن استمرار الفلسفة في طرح هذه الأسئلة هو في حقيقته ليس تحديا للدين بل ممارسة للوجود, فهي قائمة عليها, ولرغبة الحصول على الإجابات الأكثر وضوحا فيها. ولكن الأديان تشعر ببعض الارتباك من التجريد المطلق الذي تمارسه الفلسفة على المفاهيم الشائعة لديها وإخضاع المسلمات الدينية إلى الأسئلة ضمن إطار قوانين العقل المطلق. هذه الممارسة تتطلب قدرة ذاتية من المفكر, وأقر بأنها قد لا تكون ممكنة للجميع, وبرأي المتواضع فإن هذا ما يقلق الأديان ومريديها. أي أن ينتقل السؤال من الخاصة إلى العامة, ولأبي الحامد الغزالي في هذا الأمر كتاب في صولات وجولات. ولكنني متمسك بحق العقل في إعلان أفكاره وعدم كبتها, فالمجاهرة بها إن ظنت الأديان انه انتقاص لها فهو فعل جاهل, ويقيني انه ممارسة صحية مادامت الغاية النهائية معرفة الحقيقة. عليه فأنني اطرح السؤال وأحاور سعيا للإجابة عليه.
قد يصح منطقيا أن ننطلق من النتيجة أو الأثر للوصل إلى تفسير الحدث, ولهذه المعادلة ذات الاتجاه المعكوس شرط لازم لا تقوم إلا به, ألا وهو المعرفة التامة بمكونات الحدث. إن كانت معرفتنا بمكونات الحدث ناقصة فإن الاستناد إليها يقود إلى احتمالات, مهما بدت النتيجة مقنعة, إلا أنها وفقا للعقل المطلق تبقى احتمال, لان التنامي الجديد في المعرفة عن الحدث يستدعي إعادة إنتاج المحاكمة العقلية وفقا للتغير الطارئ. قد نصل إلى نفس النتيجة بإعادتنا للمحاكمة وقد نصل إلى ما يخالف الحكم السابق, وحتى حين نصل إلى نفس الحكم السابق فإن ذلك لا يعني أن النتيجة قد صارت نهائية بل تبقى احتمالية ولن تكون نهائية, إلا في حالة واحدة : إن صارت معرفتنا بالحدث وتفاصيله نهائية. الحدث بالنسبة لنا هو العالم. الله لا يقف أمامنا. أنا, أنت, الجبال والبحار, كلنا موجودات حسية وهي حقيقة مطلقة, بيد أننا لا نملك عنها معرفة تامة. وعليه فإن استمرار استدلال الأديان بوجود الله ومعرفته انطلاقا من الأثر هو طرح معاب منطقيا إن أسس على الحتمية وليس الاحتمالية, لان معرفتنا للأثر لم تكتمل وبالتالي فإن النتيجة التي تعتبرها الأديان نهائية هي في حقيقتها, ووفقا للاستدلال السابق, نتيجة احتمالية تقبل التثبيت النهائي او الجزئي او الرفض المطلق. عليه فإن دليل الأديان في وجود الله غير صحيح وفقا لقواعد العقل المطلق, وهنا أصل المشكلة بين الفلسفة والأديان. فالأديان تقول بالتسليم عند الإشكال, والفلسفة تقول بالمزيد من التأمل للاستدلال. وهذا فرق عظيم في الآلية, ولكنه في الهدف واحد. فكلا الطرفين يقصد في نهاية المطاف الحقيقة المطلقة. من الممكن أن نقبل من الأديان رأيها هذا, لولا أنها في الأساس أقنعت المؤمنين بها, وبوجودها, مستندة إلى مبدأ الجدلية الذي تنكر على الفلاسفة حقهم في الخوض فيه. آلية الإقناع الجدلي غير المستند إلى الدليل المادي تمثلها الآية القرآنية التالية : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه, قال من يحي العظام وهي رميم, قل يحيها الذي أنشأها أول مرة, وهو بكل خلق عليم, الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا, فإذا انتم منه توقدون, أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ان يخلق مثلهن, بل وهو الخلاق العليم, إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. هذه الآية تعتمد الأسلوب الجدلي في الوصول إلى تفسير النتيجة النهائي استنادا إلى المحسوس, وقد سلمنا قبلا بان إدراكنا للمحسوس هذا قائم, نعم على حقيقة مطلقة كوجود, ولكن على معرفة ناقصة بطبيعة هذا الوجود. هنا قبل أن امضي أود أن أسجل نتائج منطقية وليست خلافية أولها أن المنطق فعلا يفترض أن من خلق السماء قادر على أن يخلق مثلها, فالمنطق يفترض القدرة على إعادة التجربة مع توافر عناصر البدء الأول, وان من خلق الأرض قادر على أن يخلق مثلها وهكذا, هنا لا خلاف. ولكن المراوغة اللفظية للأديان في مثل هكذا استشهادات تقع في التالي : أولا - إن الآية استسلمت ودون إيضاح إلى أن خلق الإنسان تم بالصورة التمثيلية النمطية, أي عظم يتم كسوه بلحم وارض تعلوها سماء, وهذا نقل حرفي لتصورات مباشرة لا تفسر الأمر بصورته النهائية وإنما تخاطب الجانب العاطفي من المتلقي ولا تشكل بذاتها دليلا عقلياً قاطعا, فمن منا لا يعرف أن اللحم يكسو العظم وانه إن نظر إلى الأعلى يجد سماءً. الأديان انطلقت من موجودات لا علاقة لها بها لتقول أنها دليل لا كون الحقيقة المطلقة ولم تتكبد عناء تقديم الدليل على الغموض المتلبس في السياق اللفظي, وهذه النقطة سيرد شرحها قريبا. خصوصا وان العلوم الحديثة قد أثبتت علاقة الكائنات بالخلية الأولى وتطورها وكي لا افتح باب الجدل الفرعي فسأقول أنها نظرية وإن لم يقم الدليل النهائي والقطعي على صحتها, ولكنه وبالمثل, لم يقم الدليل النهائي والقطعي على صحة التصوير المباشر الذي أتت به الأديان. وبنفس الطريقة التي لا يمكن فيها نفي نظرية الخلق بالتصوير المباشر بالدليل القطعي النهائي, انطلاقا من معطياتنا المعرفية الحظية, لا يمكن منطقيا أيضا نفي نظرية التطور, إما وفقا لداروين, أو وفقا للرأي القائل بقوانين التطور المنضبط " راجع أسفل الصفحة توضح للاختصار "*. ثانيا – انه ليس بالضرورة أن يكون منشئ الشيء قادر على إدارته. ثالثا – أنه ليس بالضرورة أن يكون منشئ الشيء قادر على إفنائه. رابعا – انه ليس بالضرورة أن تكون سيطرة المنشئ مطلقة بعد إنشائه, بل ربما متأرجحة واحتمالية متفاوتة وهي أمور سترد أمثلة عليها في السياق. خامسا – وهي بند فيه بنود. مقولة إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. أي إن الخلق الإلهي هو أمر وليس فعل. ولكننا نعلم من رواية أخرى إن ادم خلق من تراب. أي عجن التراب بالماء وصور على شاكلة رجل, وهذا عمل وليس أمر. كما أن حواء خلقت من ضلع لآدم استل من أضلاعه وهو نائم وبني عليه من التراب الممزوج بالماء ليصير طينا جسما وهذا بدوره عمل لا أمر. والرواية تقول أن الله خلق السماوات و الأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش, كما في الإسلام, واستراح في السابع كما في المسيحية. وهنا نحن نتحدث عن ستة أيام من الجهد في خلق النجوم والسماء والأرض وهذا كله عمل لا أمر. قد يقول قائل أن ستة أيام في مجرى مليارات السنين هو الصفر أي مابين الكاف والنون. وهنا نقطة: إن يوم السماء " بألف سنة مما تعدون " هذا كلام القرآن. أي أننا نتحدث عن ستة آلاف سنة وهذه بحال لا يمكن أن تكون صفرا, وبغض النظر عما يمكن أن تكون عليه هذه المدة من قصر أو طول , مقارنة بعمر الكون. فهي تتضمن عملا ومواظبة على الإنتاج تجعل الخلق تراكم وليس أمرا واستجابة. أي أن الكون هو نتاج عمل وليس نتاج ما بين الكاف والنون. كما أن حواء خلقت بعد أن وجد الله ادم في حال من الحزن, وهذا الحزن دلالة على أن الجنة بذاتها ليست سببا للسعادة وإنما صحبة حواء ما جعلها كذلك. وهنا تناقض آخر. فمتى وفي أي الأحوال كانت الجنة تعبيرا عن كمال الله؟. قبل خلق حواء أم بعده؟. أم قبل خلق ادم وحواء؟. أم بعد خلقهما؟. نحن أمام تراكم في العمل والنتائج ولسنا أمام قوانين قطعية تنم عن دراية الكمال المطلق. الرأي الديني يقفز فوق كل هذه الحقائق في مداهمة عاطفية لا تستسلم لها الفلسفة ولذا يبقى السؤال فيها عند الفلاسفة قائما بينما تغبش عليه دموع المؤمنين, وهذا ليس انتقاصا بل تذكير. هنا دعونا نضع التوتر جانبا ونسعى قدر المستطاع إلى ضبط المشاعر النفسية, لان الغرض كما سبق وان أوضحت ليس نفي الأديان بل الوصول إليها بالقناعة وليس بالوراثة. وهذا ما يدفعني إلى إعادة إحياء الأسئلة بما فيها سؤال العنوان : هل الله موجود؟. ولتخفيف توتر القارئ استحضر معه حديثا نبويا عمن يبعثه الله على رأس كل قرن ليجدد للأمة دينها, ولو لبضعة سطور اقبلوا مني سعي لهذا الدور. كل موجود له احتمالين لا ثالث لهما. متجانس أو متباين. المتجانس ما داخله وخارجه واحد. والمتباين ما كان جوهره مختلف عن ظاهره. ان اكون كبشر متجانسا فمعنى هذا أن لا وجود للروح وأنها محض خلافة ابتدعها الإنسان فيما ابتدع من أساطير. أن أكون متباينا فمعنى هذا أن لي جسدا يمثل ظاهري ولي باطن تمثله روحي. وبالمثل إن كان الكون متجانسا فغاية العالم فيه, ولا يدار بعقل خارج عنه, كما قال أرسطو, وهذا ينفي مبدأ الاتصال الخاص بين الله والإنسان لأنه أساسا غير منفصل عنه وعلاقته به علاقة الكل بالجزء, أي علاقة الشمس والشعاع. وان كان الوجود غير متجانس فالله منفصل عن الكون وجودا وهذا لا يعني بعد بالضرورة أن فرضية الاتصال الخاص بين الله والإنسان صحيحة ولكنها تصبح ممكنة. لمن التبست عليه قاعدة الاسقاط فيمكنه العودة إلى كتاب آراء المدينة الفاضلة للفارابي وسيجد استطراد في شرحها " الحيوان عالم صغير والعالم حيوان كبير " وهذه القاعدة هي ليست محل خلاف لانها مما يستشهد به رجال الدين في ادبياتهم. هل يمكن حسم هذا النقاش لصالح احد الفرضين؟. لا, ليس بالمعطيات العلمية اللحظية, وليس امامنا سوى الاستدلال العقلي. أنا كجسد موجود, اعرف ذلك بالحقيقة المطلقة التي تنقلها حواسي بتصوراتها المباشرة, وهذا النقل الذي تقوم به الحواس هو ما يسمى بالحقيقة المطلقة. أما الروح فهي فرض ممكن ولكنه غير حتمي وقد يكون وجود الروح ليس أكثر من خيال إنساني, فما من دليل عليها, وقد تكون الحياة مجرد حالة تفاعل المادة كيميائيا, وهو فرض اقرب إلى المنطق تسنده مشاهدات تعفن المواد الكربونية بوجود الماء والهواء وما ينتجه التعفن من حياة مجهرية من العدم. أي تفاعل كيميائي انشأ حياة تنتهي بانتهاء أسباب التفاعل الكيميائي. نعم إن احدنا هو أكثر تعقيدا من كل تلك المجهريات ولكن اصغر تلك المجهريات يحمل وبلا خلاف فكرة الحياة بكاملها, فكل حيوان هو عالم صغير, وتفسير هذا الحيوان يعطي تفسير العالم الكبير. عليه, فإنني لا استطيع أن استسلم لفرضية وجود الروح لمجرد توقف كيمياء الجسد عن التفاعل. ببساطة قد يكون الأمر تفسيرا من فترة المراهقة الإنسانية افترضه مفكر ذو خيال خصب قبل آلاف السنين, ولا يمكن إنكار الجانب الإبداعي في هذا التفكير, وهو من نمط التصورات التي لا يمكن نفيها, ليس لصحتها بل ربما لعدم وجودها. كأن أقول أن كوكب الجوزانتيك غني بالمجانكسفنتيس. ويمكن للبشرية أن تسير آلاف السنين وآلاف اخرى بعدها من السنين دون ان تتمكن من نفي نظريتي . لسبب بسيط جدا, انه بالأساس لا وجود لكوكب اسمه الجوزانتيك ليكون تاليا هناك وجود لمادة اسمها المجانكسفنتيس ليصح ثالثا أن ذاك الكوكب التخيلي غني بها. النقطة التي يجب ألا تغيب عن وعينا هي الخيال المركب, ليس فقط ثلاثيا كما لاغلبنا, بل ما هو أكثر تعقيدا من التثليث. هذا الخيال يمتلكه عدد قليل من البشر, قد يقل عن الواحد بين المليون, ولكن هذا الواحد من المليون يولد من فجر الإنسانية, ويفكر, وينتج, يفعل ذلك انطلاقا من عنصرين أساسيين : الأول مداركه الحضارية اللحظية. الثاني حاجاته النفسية والمادية المباشرة. يجب ألا نمنع عقلنا من افتراض أن الكثير من الأفكار التي وصلتنا هي ليست في حقيقتها سوى إنتاج إبداعي لأحد عظماء الإنسانية في التخيل والتركيب, ولكن بكل بساطة من عصر الكهوف. فكر احدهم باحثا عن تفسير بكل ما تعنيه الفكرة والإبداع الخيالي للإنسان العبقري ذو الخيال المعقد, قبل مائة ألف عام أو أكثر أو اقل, وأنتج واحدة من أخصب الأفكار التي توارثتها الإنسانية جمعاء, حتى صارت راسبا غير قابل للنقاش لدى حضارات كاملة بأجيالها . هل تعرفون من فكر بالبرغي؟. هل يمكن أن تصدقوا أن تلك الفكرة هي واحدة من أسس الحضارة الإنسانية جمعاء؟. انظروا حولكم, هل هناك شيء لا يدخل فيه البرغي بطريقة أو بأخرى؟. ولو عثر أحدكم على هذا الشيء, هل يمكن أن يرجع إلى التصميم القديم لهذا الجهاز أو تلك الآلة ويفترض إمكانية تصنيعها من دون البرغي؟. هل لولا ذاك النموذج القديم كان من الممكن الوصول إلى النموذج الجديد الذي لا يحتوي على البرغي؟. من اخترع البرغي؟. حتى لو قام الدليل القاطع على أن اسمه فلان وعاش في بلدة كذا سنة كذا, هل سيغير هذا من حقيقة أن هذا العقل, وبغض النظر عن المكان والزمان, هو واحد من أروع وأفضل العقول التي شهدتها البشرية. إنها فكرة خلاقة لو سجلت كبراءة اختراع, وجبي عنها ضريبة, لفاز صاحبها بما هو أكثر, وبمرات ومرات, من ثروة بيل غيتس. ألا يعقل أن عقلا كعظمة عقل مخترع البرغي, ولكن أقدم منه بمئات آلاف السنين, كان ذا نزعة تأملية, بدلا من أن تكون ميكانيكية, واستغرق بعيدا وهو يفكر, محاولا إيجاد حل لقضية الموت, فخلص خياله الخصب والاستثنائي , إلى أن هناك موجود منفصل اسمه الروح؟. الكثير من الأفكار أنتجها العقل الإنساني في مراحل الحياة الإنسانية جمعاء, ولكن القليل من الأسئلة طرحت على صحتها حين تكون تلك الأفكار مرتبطة بالأديان, وهنا مرة أخرى أقول: هذا جوهر الخلاف بين الدين والفلسفة, السؤال. مع ذلك ومسايرة للاحتمالات فسأبقي فرضية وجود الروح قائمة رغم غياب الدليل عليها. الروح وفقا للفرض الديني هي موجود مستقل عن الجسد, يحرك الجسد ويعطيه الطاقة, ويديره كما يدير الله العالم, وانه بخروجها منه يفقد الجسد الطاقة فينتهي, فيما هي تتابع البقاء. انه خيال أخصب من كوكب الجوزانتيك, صاحبكم الذي سكن الكهف قبل مئات آلاف السنين, غلبني وأنا استخدم الانترنيت وأعيش في القرن الواحد والعشرين. ولو علمت له قبرا, أقولها وبكل صراحة, لصليت عليه تعظيما لما ملك من خيال, فقد تركني بغير حيلة, حتى لم يعد لدي من سبيل سوى أن افترض صحة نظريته سعيا لنفيها. فقط تخيلوا معي أن الإنسانية وعبر مئات آلاف السنين مشغولة بفكرة رجل كان جالسا خارج كهفه, بكل ما لرجل الكهف من ملامح لا حضارية, يراقب صراعا لأرنب صغير مع الموت وهو يستسلم له رويدا رويدا, ربما لمعت من أشعة الشمس زفرات رطبة للأرنب المحتضر فظنها صاحبنا الروح تغادر الجسد, وكما صاح نيوتن وجدتها, صاح هو الآخر وجدتها. وبإيجاده هذا, أو بزفرات الأرنب تلك, أسست حضارات, وقامت فرضيات, وتقاتلت أقوام, وفنيت أخرى. وبرغم كل ذلك أقول انه لامناص لي من أن أناقش الفرض "الروح ", رغم غياب الدليل من العقل القطعي, لعلي بالطريق انفيه. هنا لابد لنا من العودة إلى نظرية كانط فهو يقول : إننا نفسر تجمد الماء بأنه ناتج عن البرودة ولكننا لا نملك أي تفسير لماذا يكون البرد سببا للتجمد, أي ما هي الضرورة التي تجعل الماء يتجمد بالبرودة. فنحن قادرون على تحديد الظاهرة ولكننا غير قادرون على تحديد سبب الظاهرة. فلو وصلنا إلى أن الله منفصل عن العالم فإننا لن نستطيع أن نصل لماذا هو منفصل عن العالم ولا طبيعة السبب الذي يجعله منفصل عن العالم. فكل تفسير سوف يحتوي ضمنا سرا جديدا ( س تقود إلى ب و ب تقود إلى ج ) ولكن لماذا تقود ( س إلى ب ) لو فسر انه بسبب وجود س1 بين س وب فاننا بحاجة إلى معرفة لماذا تقود س إلى س1 ولو فرضنا وجود س2 في الطريق فهذا سيتطلب تفسيرا جديدا وهكذا. نظرية السببية نفاها كانط كأساس لمعرفة العالم وقال أنها ممكنة لتفسير الأجزاء ولكنها عاجزة عن تفسير الكل. وهذا لما سبق شرحه صحيح. عليه نحن أمام احتمالات في طبيعة وجود الله ولسنا أمام يقين قطعي. سوف أفترض لسهولة الشرح وجود الله ومنه انتقل تجاوزا إلى طبيعة هذا الوجود. هل الله هو ما تقول عنه الأديان؟. مع انه من الصعب أن نجعل أصحاب الدين الواحد متفقون على ماهية واحدة حتى تجعل الأديان على اختلافها متفقة على تلك الماهية, إلا أنني سأفترض للتسهيل وجود اتفاق فرضي بين الأديان جميعا بمذاهبها على تلك الماهية, واعود للسؤال : هل الله هو ما تفترضه الأديان؟. أم انه وجود آخر مغاير لتلك الفرضية؟. انطلاقا من إقرار فكرة الوجود المنفصل تنطلق فكرة الغيبيات بكليتها, من الجنة والنار وعذاب القبر ... الخ. لأنه إن لم يكن الله منفصلا عن العالم فإنه لا أنبياء ولا اتصالات خاصة مع البشر, وتاليا لا أديان ولا غيبيات, وسر العالم كائن فيه. هذا التذكير فقط لمن ابعد طول السطور ذهنه عن القضية الأصلية. منه فإن وجود الله هو فَرَضٌ وإمكان وليس مطلق بالمحسوس. أي أن الاستدلال عليه قام من تفسير الأثر كما قالت الآية التي قدمت فيها هذه السطور. فانفصال الله عن العالم وفقا لقواعد العقل القطعي هو ممكن وليس مطلق. فما لدينا من حقيقة مطلقة هو وجود العالم لأننا نراه, أما الله فإننا نستدل على احتمالات منها أنه منفصل على العالم, فهذا الانفصال هو إمكان. والغيبيات بدورها, إن صح الانفصال, هي محض احتمالات, قد تكون وقد لا تكون, لأنه ما من دليل أساسا على أن لله هو منفصل بالكينونة التي قالت بها الأديان, حتى حين يقوم لنا الدليل على انفصاله. فهي ممكنة إن صح الممكن الأول . أي أنها ممكنة معلولة على ممكن سابق, وهذا الوجود هو ضعف مركب على ضعف لا يقبله العقل القطعي, ومع ذلك سأفترض وجودها وفقا لما صورته الأديان. هنا ومرة أخرى سأتجاوز عن ضعف آخر أمام قواعد العقل القطعي تقع فيه الأديان وأناقش فرضية وجود الغيبيات انطلاقا من حتمية وجودها, فرضا, وصولا إلى نفيها جدلا, مذكرا ان الأديان اعتمدت الجدل وسيلة للتصديق كما في الآية السابقة. كلنا نعرف أن الحديث القدسي يقع في الشرع الإسلامي من حيث الأثر موقع القرآن, فهو قطعي الدلالة. وكلنا لاشك يعرف الحديث القدسي : لقد تقت أن اعرف فخلقت الخلق كي يعرفون. هنا لا عبرة للحرفية لأنني سأناقش المعنى والصورة. إذن الله كان موجود قبل العالم, وهو ما يزال موجود مع العالم, وسيظل موجودا بعد العالم. نحن هنا أمام ثلاث حالات, أيها اخترنا لنصف الله فيها انه كان بصفة بالكمال المطلق نكون بقولنا قد قلنا ضمنا انه لم يكن بالكمال المطلق في الحالين الآخرين. وهذا يناقض احد أعتى ركائز الإيمان, إن الله مطلق الكمال بلا تغير. سيقول قائل سفسطائي أن الله كامل في الحالات الثلاث. هنا الجواب : ولكنك تقول أنها حالات أي أنها غير متطابقة, فأيها يعلو على أي؟. وان بسطتها على مستو واحد فأيها يمينا وأيها يسارا؟. وتاليا أيها أكرم على أي؟. لنعود إلى نفس التفسير السابق أن تغير الحال من نقص الكمال. وهذا مناف لما نفترضه في الله من كمال مطلق. ولا تنسوا كلمة خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. هنا لن افتح جدلا في كلمة " استوى " وما تعنيه من حال سابق لم يكن فيه استواء, فما لدينا من التباس كاف بذاته. سأنتقل الآن إلى الجانب النفسي من التوصيف الذي يقدمه الحديث السابق. لقد تقت أن اعرف. السنا أمام حال متبدل. هو كان في هدوء نفسي فخالجه لاحقا شعور قال فيه انه توق فاستجاب إلى هذا الشعور بالتبرير, ألا وهو خلق العالم ليحقق النتيجة بان يعرف ؟. هذا تبدل في الحال! وتبدل الحال نقص في الكمال, لأننا بحاجة لان نعرف أي الحالين كان الكمال المطلق. وعندها نصف الحال الآخر بأنه الأقل كمالا. جانب آخر. إن الله مستغن عن العالمين. كلكم يعرف هذه الجملة. ولكن الحديث السابق بكل ما فيه من قطعية وإجماع للمصادر على توثيقه يقول عكس ذلك. هو يقول أننا كخلق نحقق لله حاجة, ونشبع فيه التوق. لقد خلقنا ليعرف, فنحن طريقه لاستدلاله لذاته وهو بدون خلقنا لا يعرف. هذا ما يقال عنه في علم الاجتماع الانحن والهم. أي بطريقة ما نحن علة ليس لوجوده بل لبعض صفاته. والقول بان الله معلول لآخر قول بنقص الكمال. فالله علة ذاته. وهناك إشكالية أخرى يطرحها هذا الحديث. إن الله كان قادرا على الإيجاد وهو بدون عالم, محركه النفسي للإيجاد وهو التوق, وسنتغاضى عن هذا السبب وما يفترضه من ضعف في الذات الإلهية, لنصل إلى نتيجة أخرى, ألا وهي لماذا إذن سوف يفني الله العالم إن كان يحقق له حاجة إشباع التوق؟. لماذا يعيد نفسه إلى الحرمان الذي ابتدأ به؟. وهل تلك الحاجة مؤقتة؟. إذن ما هي علة نشوئها غانيك عن علة زمنيتها؟. غانيك عن أن الأساس الديني يقول أن الله هو خارج الزمن, وكلنا يعرف أن الحركة تولد الزمن وما نراه من تسلسل للأحداث في الحديث يجعل الله داخل الزمن لا خارجه. الأمر برمته بالنسبة لي هو إسقاط إنساني للذات على الله. فالتوق, والتغير, وباقي دلالات الحديث, هي من طبيعة الإنسان وليست من طبيعة الكمال المطلق, لذا أجدني مضطرا إلى نفيها, إن كنت سوف اقبل أن الذات الأولى البادئة المحركة هي ذات تتصف بالكمال المطلق. الخروج من هذا التناقض الذي بين أيدينا هو في مقولة أرسطو : إن البادئ الأول للعالم غير متقدم عليه تقدما زمنيا ولكن أسبقيته كأسبقية المقدمة للنتيجة في الاستدلال المنطقي. هنا ومرة ثالثة سوف أتغاضى عن كل الضعف السابق وأعود إلى افتراض صحة الدعوة الدينية وأناقش وجود الغيبيات انطلاقا من الكمال الإلهي المطلق متناسيا كل ما سبق, مسلما بلا ضعف المتون سابقة. دعوني في هذه المرحلة الجديدة من النقاش انقل الجمل إلى صياغات محددة تسهيلا للاستمرار. فنحن نناقش الجنة والنار كرمزين للغيبيات عموما. وما نناقشه هو : هل الموجود الغيبي هو عصي عن الإدراك كما قالت الأديان؟. أم انه قابل للإدراك؟. أي هل ما قالته الأديان أن عقلنا غير قادر على إدراك الجنة والنار صحيح, ولذا اكتفت بالتصورات الأولية عنهما ؟. أم أن هذا بدوره قابل للنقض كما النقاط السابقة ؟. اصطلاحا سوف أطلق اسم الفرض الغيبي على الغيبيات . عدم المعرفة لها سببين لا ثالث لهما. الأول- نقص الوسائل المستخدمة في تراكم المعرفة لحظة أو استمرارا. الثاني- هو عجز العقل بذاته عن فهم الموضوع. أما القول بالسبب الثالث ألا وهو ممانعة الشيء بذاته فهي إعادة صياغة للسبب الثاني أي عجز العقل وللقارئ أن يختار أي الصياغتين فالاستدلال للنفي واحد. في الحالة الأولى سوف افترض أن ماسة ما في كوكب ما وهي مجهولة لنا . إلا انه علينا أن نقر أن الماسة بذاتها ليست مجهولة, وان مكان الكوكب أيضا ليس موضوع يمتنع عقلنا عن إدراكه, وان موقع الماسة على الكوكب ليس بعائق بذاته. لأننا إن كنا قد بدأنا مشوارنا العملي للحضارة قبل بضعة الآف من السنين فإن زمنا كافيا يمكننا من مراكمة كم من المعارف بما يهيئ لنا الوسائل اللازمة لبلوغ الكوكب ومسحه والعثور على الماسة أو الجسم الغريب وتحليله. الأمر مرتبط ببعد الكوكب وتقنيات الوصول . ولكن الماسة أو المعدن, والكوكب ومكانه, جمعها مواضيع ليست خارج نطاق عقلنا. لذا فان افتراض أن تكون الغيبيات هي مجهول في مكان بعيد, وان هذا ما يقف عائقا أمام إدراكنا لها هو ساقط هنا. الاحتمال الثاني: أن العقل بذاته له ممانعة في إدراك الغيبيات أو لمن يشاء أن الغيبيات بذاته تخلق ممانعة لإدراكها. في كلا الصياغتين نحن أمام حالة معرفة لموجود, ولسنا أمام مجهول مطلق. من أين تنشأ المعرفة؟. لكي نعرف الشيء لابد أولا ألا يكون مجهولا, لان المجهول وكوننا لا نعرفه لا يثير فينا السؤال لكي نعرفه. فلو قلت الموندرينجينتاو. هي فقط الحروف ولكن لا دلالة أخرى لدينا غير أنها الحروف. فإنني لا انفي شكلا من أشكال المعرفة بذلك فالحروف بذاتها بعض المعرفة. لأننا وفي اضعف الإيمان قد عرفنا اسم الموندرينجينتاو ووضعنا لو رسم بين الكلمات يختلف عن باقي كلمات الصفحة؟. إذن لكي لا نعرف الشيء بالمطلق يجب ألا نعرف عن وجوده أصلا, بغض النظر إن تكون معرفتنا عنه صحيحة أو خاطئة, ولكن مادمنا قد عرفنا عنه ولو قليلا فهو معرفة وليس لا معرفة. المعرفة هذه لها ثلاث عناصر : الأول: الحد كسلب وإيجاد. الثاني: التصور كمحرك للعقل في السؤال. الثالث: الاحتمالات كتراكم تجريبي للنفي أو الإثبات. أولا- الحد وهو وفقا لتعريف ايسبينوزا: سلب للشيء من المحيط أي حدٌ له وإيجاد. أي لو وقفت على قمة جبل ونظرت أسفلا تجاه البحر فإنني سوف أرى جبلا, ثم شاطئ, وبعدها بحر, وهذا حدود ما أرى. ما جعلني أميز الجبل عن الشاطئ هو وجود حد فاصل, هذا الحد هو ما سلب الشاطئ من الجبل وأوجده. وإلا لكان الجبل والبحر واحد. وما جعلني أميز البحر عن الشاطئ هو وجود حد فاصل بينهما وإلا لكنت أقف وسط البحر. إذن وجود الشيء مرتبط بحده والحد هو السلب والإيجاد. هل الغيبيات هي أمر واحد أم أنها أمور؟. أي هل الجنة والنار غرفة واحدة أم مواقع جغرافيا مختلفة؟. لنراجع ما لدينا من تصورات, وأنتم مقرون أن ما نقل إليكم هو اليقين المطلق, فلا نقبل من حيث المبدأ أن الوحي أبغلكم خطأ, أو عامدا بتضليل. في الغيبيات لدينا, ووفقا لنقل الوحي, صراط تحته واد نسير عليه, فمنا من يسقط ومنا من يصل إلى الطرف المقابل, وهناك بعد الصراط وقفة لنا للجنة باب عليه يساق إليها غيري, فأنا ولاشك بعد سطوري هذه ساقط في ذاك الوادي لا محال. ماذا نلاحظ؟. هناك حدود تفصل الجنة عن النار. وفي الجنة هناك حدود تفصل الأشياء داخلها عن بعضها. أي نهر, وشجر, وثمر, وحور, وغلمان, والحدود بما تسلب به الشيء عن محيطه تقيم أول ركائز المعرفة. ثانيا – التصورات, بغض النظر عن صحتها من عدمها فهي مؤشرات للعقل ليستدل بها. وهنا نحن اتفقنا على ان الوحي ينقل الخبر الصادق أي أن ما لدينا من تصورات هو عين اليقين مما يجعل العنصر الثاني للمعرفة ليس فقط قائم ولكنه قائم على يقين. ثالثا – الاحتمالات, عن ماهية الموجود الغيبي, أي تراكم التجربة والمعرفة. ولان تصوراتنا, وان تكن محدودة, عن الموجود الغيبي إلا أنها حقيقة مطلقة وفقا للرواية الدينية. فان تراكم الاحتمالات في النفي والإثبات صار أسهل وأسرع وبالتالي احد أسس العطالة قد سقط. لقد حددنا البحر, وشكلنا عنه تصورات, وصرنا نخوض في الاحتمالات. فاقترب منه وألمس الماء لأجد انه ليس بحار ولا بارد, وهذه تجربة توضح المعرفة فتنفي أو تثبت احد الاحتمالات, مع انه من الممكن أن الإنسان وقف مئات السنين يخاف من الاقتراب من البحر معتقدا انه قد يبتلعه إلى داخله إن هو فعل, خصوصا إن كان يعيش قرب منطقة صخرية موج بحرها عالٍ. وفي مرة أخرى ارشف منه رشفة فأجد انه مالح فتعطينا التجربة نفيا أو تأكيدا لأحد الاحتمالات. وفي مرة ثالثة أخوض فيه ولو قليلا فأجد أني لا أطفو عليه وأدرك انه لا يحمل جسمي كما الأرض, وهذه تجربة نؤكد أو ننفي احد الاحتمالات. وفي مرة أسبح فيه, وفي أخرى اذهب بعيدا, وفي أخرى ثالثة أطفو على خشبة واصل إلى ما يجعلني أرى ما في أعماقه ولو لأمتار. وهكذا, وفي كل مرة أنا اثبت وانفي, ولكن الحقائق تكتمل عندي لان الأساس في نشوء المعرفة قد توافر. ألا وهو: 1- السلب بالحد. 2-التصور لتنشيط الفكر. 3- الاحتمالات بمعاجلة المعطيات. وباكتمال عناصر المعرفة الثلاث يكون الموجود الغيبي بذاته غير معجز لإدراكنا وان هي إلا التجارب وتراكمها لندركه إدراكا كليا أسوة بكل المعلومات الأخرى لدينا. هنا يحق لنا أن نسأل : مادامت الموجودات الغيبية بذاتها غير عصية على الفهم, كما تم إثباته, ففيما اخفت الأديان أمرها؟. نحن هنا أمام احتمالات :... الأول : أن الأديان نفسها لا علم لها بمكانها أو ماهيتها. الثاني : أن الأديان تعرف بأمرها ولكنها تعرف أنها غير عصية على إدراكنا وهي قالت أنها عصية كي تعيقنا عن التفكير بها والوصول إليها. الثالث : أن الأديان تعرف بأمرها ولكنها تعتقد صدقا أنها عصية على إدراكنا. الثالث : أنها معلومة كموضوع للأديان ولكن مجهولة المكان, وهذا يجعلها كقطعة الماس, طريقنا للوصول إليها مرتبط بالوسائل لا بالممانعة العقلية. رابعا : هي كوكب الجوزانتيك, أو أنفاس الأرنب المسكين, وشبه لكم, ولم تصلبوه, ولم تقتلوه. في كل الأحوال السابقة نحن أمام إشكالية في تصديق فرضية الموجود الغيبي. فالشاهد المجرح, أي الناقل غير الأمين أو الدقيق للشهادة, هو ساقط الشهادة بالمجمل ولا تقبل منه أجزاء من الشهادة. هذه قاعدة قانونية يؤسس عليها العدالة. اختم النقاش استنادا إلى قواعد العقل القطعي بمقولة هيغل : الجهل الكامل بالشيء يعني عدم معرفتنا الكاملة به وذلك يعني حتى عجزنا عن معرفة جهلنا به, أما غير ذلك فهو من المعارف التي يمكن إنمائها. وهنا أود أن أسجل رأيي الشخصي بعيدا عن النقاش الفلسفي. بالنسبة لي الله موجود, ولكنه ليس على الصورة التي تقول بها الأديان, بل هو مطلق الكمال, يضع القوانين الدائمة, وكماله لا يتطلب إعادة برمجة أو إدخالات جديدة للتشغيل. وجوده الفيزيائي ينافي قواعد العقل القطعي التي استدللنا بها, ولكنني أتحدث هنا عن فرديتي والنقاش السابق قد ختم. ربما كانت هذه القناعة من مخلفات الفكر الديني الذي لا يزال في مساحة مني راسبا يلبس علي المنطق, وربما كان هذا الاعتقاد ناجم عن السؤال المحرك للبحث عن الحقيقة المطلقة. لست امتلك الإجابة. لكنني بهذا العرض احدد اللحظة التي أنا فيها لا أكثر ولا اقل. أما قواعد العدالة التي يرى البعض عبثية في ألا تتحقق فهي بدورها, و بذاتها, كلية. ونابعة من منظور آخر غير المنظور الإنساني الذي يجعل من ذاته شيئا منفصلا عن الطبيعة والكائنات. هناك عائلة تتناول طعام العشاء, تسقط قطعة خبز يركلها صغير بقدمه تذهب تحت المقعد بعيدا فلا تراها لاحقا سيدة البيت حين تنظف. إن هي حركت المقعد وجدتها وشفطها خرطوم المكنسة. وان لم تفعل تراكم عليها قطر من رطوبة وعالجه هواء فشكل حياة. إن كانت العائلة قد تناولت الطعام في حديقة البيت فمصير تلك القطعة أن يتلقفها عصفور فلا تنشأ عليها حياة. وقد يقول قائل أن الله يرسل ملاكا ليحمي الخبزة حتى تنتج حياة, ولكنه بذلك يقر أن قرار سيدة البيت في موقع تناول الطعام حدد خيار الله وقراره, وهذا ضعف. الأساس أن الله خلق القوانين حيث عدد لا نهائي من الخبز يسقط وعدد منه بفعل حراك الكائنات يلتقط بين لقمة للعصفور أو شفط من خرطوم المكنسة ويبقى هناك فائض في الاحتمالات لخلق حياة جديدة على عدد كافي من كسرات الخبز على أرجاء المعموة. هذه هي قوانين الديمومة. الله لا يتدخل في قطعة الخبز ولكن لا تقوم الحياة إلا بقطعة الخبز. انه القوانين الكاملة. وهذا ما قاله ابن سينا : إن الله يدرك الجزئيات على نحو كلي. لا يعني هذا أن الله غير قادر على أن يعرف بقطعة الخبز أو انه غير قادر على أن يغير مصيرها . ولكن الجواب يكمن في سؤال ابن رشد لأبي حامد الغزالي الذي قال أن الله قادر على أن يجعل الطاولة حمار فقال له ابن رشد : ولكن لما سيجعلها الله حمارا؟. إن إحساسنا الداخلي بالتفوق ورغبتنا بعدم الفناء هما ما جعلانا ننظر إلى أنفسنا بشيء من الاختلاف عن الطبيعة ونفترض أن لنا دونا عن باقي الكائنات قوانين خاصة. الأسود والنمور والغزلان والخراف والدجاج. كلها تعيش هناك. كلها تتصارع و تسلب بعضها البعض أشياءها. لنا عقل يفكر أعمق من عقول معظمها, وليس كلها, فما من دليل قطعي لدينا على ذلك. الحضارة التي نعتقد أنها نتيجة لعقلنا فقط هي في الحقيقة نتيجة لسبب آخر معه ألا وهو تكويننا الجسماني. نحن لدينا ودونا عن مخلوقات كثيرة يدان حرتان. وأصابع تتمكن من دقة التشكيل. ولدينا دونا عن باقي المخلوقات القدرة على الانتصاب التامو مما يعني إنتاجية أخرى وأكثر كفاءة في العمل. ولكن هل يمكن لأحدكم أن يجزم أن النمل لا يفكر ولا يتخذ وفقا لما لديه من تكوين جسماني ما هو اشد من حضارتنا؟. أي هل لو جعلنا عقل النملة في جسم الإنسان كان سوف ينتج حضارة اقل أو أفضل من حضارتنا؟. حتى الأديان لها إعجابها بالنمل وفي القرآن حوارية بين النمل عن رجال سليمان. لقد عشنا كجزء من الطبيعة ملايين السنين فقط في بضع آلاف منها فصلنا أنفسنا عنها. وبناء على ذلك الفصل الافتراضي, والذي لعبت الأديان دورا رئيسيا فيه, حاولنا, بكل ما أعطينا من حيلة وخداع, أن نراوغ أنفسنا لنعيد تشكيل الله بما يتطلبه هذا القرار التاريخي الذي اتخذناه. هنا لا أدعو إلى هجر الحضارة بل إلى مزاوجتها مع الطبيعية عبر مراجعة شاملة لكل ما هو قائم على فرضية أنفاس الأرنب. ومراجعة الرغبة المريضة التي تحركنا نحو الخلود, ولو بمعطيات كاذبة, من اجل الهروب من حقيقة الفناء. الجنة والنار غير موجودتين, هذا إعلان صريح يفترضه العقل, هما مفاهيم نظرية كما قال ابن سينا. وتاليا, ليستا الآلية الوحيدة لتحقيق العدالة, بل إنهما الشكل الذي نريد للعدالة. كما ولست, كما ولستم, ملزمين بتقديم الإجابة عن آلية العدالة, لسبب بسيط : لأنها ليست من اختصاصنا. إنها بالضرورة شأن آخر من شأن القوانين الحتمية المحركة للكون, غير القابلة للمراجعة أو التدقيق, ولكن لا نفي لأنها غير قابلة للإدراك مع تراكم المعارف . رفعت الأقلام وجفت الصحف. وهنا علينا أن نخلص من كل هذا إلى ما يفيد حياتنا, فليس الغرض أن ندفع طرفا ما إلى إلقاء اعتقاده. هناك متدينون في كل الأديان, شأنهم, هناك مؤمنون لا يؤمنون بالأديان, شأنهم, هناك نافين للدين والإيمان, شأنهم. نحن ملايين نعيش في بلد واحد. بيننا كل هؤلاء. بيننا المتباينون في الأديان والمتباينون في الدين الواحد والمتباينون في الإيمان والمتباينون في رؤيا الكون. التناحر لا يحل القضية, وان كانت الأديان قدر كررت مرارات نظرية النصر الساحق, أن بالفعل العسكري أو بالظاهرة الطبيعية. ولكننا جميعا نعرف أن حتى طوفان الله ما كان لينهي الاختلاف. وحين عادت الناس إلى حياتها عادت إلى اختلافها. عليه, ما يجب أن يجمعنا هو توافق قانوني على إدارة شؤوننا بعيدا عن سلب أي طرف ما هو حق له. فلا يقوم القانون على الإسلام ولا أي من الأديان. ولا يقوم القانون على تجاهل الإسلام وباقي الأديان. ولكن يقوم على مصلحة الفرد في الوطن بما يخدم رفاهيته وسعة عيشه. المعابد لمن يريد أن يصلِّ والحانات لمن يشتاق كأبي نواس. إنها العلمانية، الحل الوحيد لإعادة تفعيل كل طاقات المجتمع بدلا من استمرار استهلاكه في الصراعات المستمرة من مئات السنين. فلا طرف انتصر ولا تطور في الحياة حصل. العلمانية هي الحل. --- * هامش : تصور لنظرية التطور بمزاوجتها مع الخلق نص مداخلة سابقة على قضية الجنة والنار الله خلق الكون بمصدره الأولي البسيط, ولكن ضمن قوانين الديمومة. المركبات الأولية تفاعلت مرارا ومرارا وفي كل مرة يؤدي التفاعل إلى إنتاج مادة جديدة وهكذا تواليك إلى ان قامت الخلية الأولى والقطرة الأولى وحبة التراب الأولى.النتائج الجديدة الثلاث تلك تفاعلت فيما بينها لتعيد انتاج اشكال جديدة, وهكذا, وعبر مليارات السنين, إلى أن وصلنا إلى ما نحن عليه من تنوع الكائنات .ألا يجعل هذا, الله خالقا, وفي نفس الوقت نظرية التطور صحيحة ولو جزئيا؟. أي طريق سوف تستخدمها لنفي هذه النظرية سوف اسقط أسسها على نظريتك عن الخلق من تراب وباقي التصورات التمثيلية التي جاءت بها الأديان. أنا لا دليل عندي سوى إحساسي بوجود خالق, هذا الإحساس امزجه مع الظواهر الطبيعية المحسوسة والاكتشافات العلمية المثبتة, لأصل إلى نظريتي. وأنت لا دليل عندك سوى إحساسك الداخلي وعجزك عن التفاعل مع الظواهر الطبيعة والاكتشافات العلمية سوى بالعجز. في المحصلة نظريتي اقرب إلى العلمية والربانية من نظريتك الاستسلامية إلى الغيبيات. ومع ذلك ما أقوله مجرد نظرية ولكنها تنزه الله عن السياسة والتقلبات المزاجية وإنقاص الكمال الذي تورطه به من حيث لا تدري, فهو وضع القوانين الدائمة والصحيحة والكاملة كمالا مطلقا فلم يعد الأمر يتطلب منه العودة بالمعجزات للتصحيح. وما تقوله مجرد نظرية ولكنها تجعل الله في حالة تفاعل مستمر مع مكونات هذه الحياة وأمزجتهم, وهذا بحد ذاته إنقاص قال فيه ابن سينا : إن الله يدرك الجزئيات إدراكا كليا. تمت.
بقلم حسام مطلق
|