يختفي النور بغتة دون استئذان .... تغمرك في حنانها الوحدة , الصمت يصفر مع الريح في الخارج تسمع نداء العواصف أنينا داخليا , تعبق رئتيك غبار البادية . تصطفق أبواب مخلغة تخلف ورائها صمت ثقيل مشحونا بنوازع التربص , يموت هدير الشاحنات العابرة بهدوء الواثق .... تنهض باللمس الذي لم تعتد عليه . تهتدي له تشعله لينمو ظلك ماردا مكتملا على الجدار خلفك مهتكا بطباشير الصغار , هذا صدرك يتسع له وهذه يدك كمن يريد أن يحضنها ترافق زاوية حادة تنصب عليها نصف أمتعتك والحقيبة وتلك التي لم تهتدي أصابعك الخمسة تحاول أن تشكل عبثا رسما في الفراغ .... بيتا وماء .
تنتشي بالضوء الخافت يريحك يبهرك في استحضار الغياب تكومه كجبل من رؤى والأغاني المبتورة هضاب التنهدات , يثير من بعد تهليلة ركوع حزن البدوي فيك وفيك تختمر النجوم كأنها كلمات يتيمة عن الراحلين عن مدنهم الأخيرة والقنديل زجاجة رقيقة عنقها فيء ظلك يترك للدخان حرية أن يعبر كما يشاء وأسفلها كأجاصة نبض قلبك ذؤابة ضوء ملتهبة تتراقص ملعونة كوحش صغير يبتغي إلحاحه التهام ما تبقى من هواء في قبلة واحدة يتكاثف عند العنق قليلا ثم يندفع ابتهالا مرموقا لا يبقى برهة حتى يتلاشى ويفنى في تعاريج كئيبة ترقص كلّما نفخت في صبر وجهها ابتسامة ... كل هذا الدخان الأسود يبتسم ... ! هي ثلاثة أيام مع لياليها مطر ناعم وريح تقلّب العجاج وتزفه على وسادة نافذتي تقترب مني حينا وتبتعد عنوة أحيانا .... طريق الإسفلت شاق وطويل وعلى جهة اليسار تتموضع فيك المدرسة الريفية ثلاثة صفوف لا أكثر وبينهم تنزوي كضيف غرفتك كحشرة صيفية ترتب فقر محتوياتها وتكنس طيش من سبقوك إليها , ماذا تفعل لتروي ظمأ أكثر من سؤال وطعم الأجوبة قلق كعامود خيمة ننصبه على دروب عمرنا كأريج النرجس نبالغ فيه عندما نفتقده , تقترب رويدا رويدا تتحسسه ببطن كفيك تشعر بشيء من أنوثة الماء تحمل الإبريق تحاول فتح جوفه المغلق بإحكام وحالما تأخذ شهقة قصيرة تبدو للوهلة الأولى متقطعة تنفرج شفتيك وتبلع ريق فمك وتغب رشفة ... رشفتين لينهمر النور بغتة دون استئذان ,يطل صراخ الممثلين على الشاشة الصغيرة كوباء مفتعل تتحاشاه رغما عنك , وتنبهك كصعقة هتاف صغار القرية الجماعي ترحيبا ... يبتل عطشك كخوف الطريدة وتنسحب إلى الخلف تعتصم بالفراش تتودد الغطاء الصوفي كأنك بين عشرة حملان تلاحظ قبل أن تغفو أن كل الظلال ... جميعها قد لفّها العدم واختفت . *إنهم يجيدون امتطاء الأقنعة , في الحشد ريح الأعداء نواح ومن آلاف الأعوام الأرض تحمل أشباح الجثث مأتما للحكايا البائسة .... كهف الجهل يتلظى مصابيح الحيرة والمرارة رغوة .... كنديف الثلج في بئر اللعنة , تهتز التمتمات الغريبة .... في العروق جذوة وفي النحيب لطم مشلول للدم ولخفايا السراب أطياف العتمة نبرة الثأر شهوته الأبدية , في كل شيء يتهاوى , أصداء الروح رفات زماننا وخبايا أطياف سحلت ... تضورت يد الرؤى هلاك , يصطك الموت بلهفته وتعوي في الندم مرايا الغيب وجه ملاك , فرسان العسس تباشير الوجوم خوفا يسحقنا , العيون زجاج يرنو موطئ المجزرة .... أي اكتظاظ للخزي مواكب وأي الأحزان الثكلى بين الوريد والوريد أنياب الملح فحيح أرمد يتبرم , ما كنت أحسب أن في أحشائنا وحشا من جوفه يلهث يستعيد ألوان الخسوف راية ليحيا والأجراس في الدرب أجنحة تختلف . واحة بين عينيك ومن حولك يتنزى الغروب حنين . وفي الرفض سخيا من مجونه نضارة النضوب تنسكب . *العالم ينقلب بين يديه .... قمر وخيل وصيحة مساء أخير , المنفى فقراء ملح ذائب والريح تعتذر من نوافذ القطار , وفم النعاس بنفسجة السفح .... الشمس مازالت لها الأجنحة ... العصافير قمح والفصول مأوى اللاجئين غواية التشرد موشحا بدويا يطأ الغيمات وينسل قوسا على باب المدينة . •يكفيك سحر القصيدة ..... باب لليدين ورقص ضرير وصحوة شارع , يكفيك سراب برق تفاح الحقول ميلاد الحكاية بوح الغريب , يكفيك شوك الظهيرة وطن ... يكفيك حتى التعب خوف الأقحوان وارتباك الماء ... حمام القباب واحتفال وجهك سمو الخطيئة . •لم يبق غير لون نارها ....... أرعبته حتى حدود القضبان , علق صفصافة الفضة وزهرة بدم الثلج جواد مجروح وقميص من حور النساء .... رقص رقصتين دربا للعودة ... لم يبق سوى ليل الثعالب نوم المؤبد وأعراس الأيائل أظافره العشرة , تعّرت الأشجار خوخ الطباشير وقبعة الجندي وجه الشمس , أطفأ نجوم شموعه ونام مرتاحا كطفل . •هذا هو كل شبابي ....... قلبان من وجد , فكرة يتيمة ونار جمرة الرماد تحتوي أرقي وتحميني بجناحي نورس , أبكي عندما أجد أني لم أزل بيدين . •أتفحص وجهي بالمرآة ...... ليل السبايا وريح المرافئ إني نفسي قبل ساعة واني نفسي بعد ساعة ... أتعجب كيف لا يفهمني الناس . •عانقت الغيمة صباحا حتى خلت إنني مرج سحاب وحزيران يأتي من ظهر الفجيعة لنرسل أمتعتنا وكل علف الخيول المنتصبة فوق هامة النوم نستدين من وجوه الأطفال حقيبة للغناء ومن مواسم الورد صرح مجد دلو عبير ونكتفي من الماء حلمة النارينج لنعض أصابعنا حتى الثمالة ونصفق الى آخر المدى جوع الخطى مطر . •انحل صوته الخلاب لا الورد أينع على كتفيه ولا العصافير أيقظتها البحة السوداء .... شق ثوبه المطرز بالنياشين وغرز في صدره عروة سكين . •إن مررت بك صدفة لا تطع ظل الأبد موسوما على الجدار ولا ترفع يديك ابتهالا من هامة النسمات اختر من بين ورودك الأبهى والشوك بجبهتك بؤس النهار أعلن عن سقوطك الكوني وارتاح في عنب الصيف كل صيف يقطفك يمضغك يحبك شغب الصغار . •يغوص في قلبي ألف جدار ... العصافير قفص الأغاني والهواء ريشة تنزف ولأقدامي قيظ حصار عاري , أن انتهي هكذا لا قمرا يكلمني ولا مليون رعشة تتفتح , يعبرني صمت رمل الفراش, في أناملك القحط منفى وفي معصميك صومعة الفراغ خيبة حنة الشهداء . •مسّنا جنون خفيف فانتبهوا أيها السادة : الأشجار تعتز بتعرية غصنها المائل والحقول مفتونة بوخزات المناجل وعلى الأرض أن تلتهم أبنائها ... لتحيا . •دمعة صعبة على وردة خاملة سقطت ....... بلادي حرباء قاتلة اله نفط وبغاء فيها عشق الخزامى حوض شمع وخصر من سراب . •عنك يحرر البحر جدائله نافورة مشاعر وساحة أنفاس الحديقة , المدى غريق وحراب المنفى أبواب الأحجية .... لا اليوم أنادي ولا الأمس ينشد فيّ المواعيد . •وأنا من حدوة غابة الأسرار , غناؤها شمس الظهيرة وعل يشفع همس الماس حضن امرأة .... تعويذة الدهشة مطر ... نار الكلام المصادر عويل هامات تنام ووجع القتيل وسادة زنزانة للماء صورته وللكثبان أناملها ... ميلادي نصف المسافة ونصف الترنيمة على حجر ميلادي وجه بدائي لا أكثر.
|